أشرعة الروح

عدنان كنفاني

أيقظتُ شراعَ الحُلم.!

فانكفأتْ كلّ تراتيل الموت، وألقتْ آخرَ نبضاتِ الروحِ على ضِلعٍ من بقايا وطنٍ ما أبصرَ غيرَ قلاعِ السروْ.. فطرتُ إليه.!

جَناحِيَ مكسورٌ.. لكنني زحفتُ.. زحفتُ ..

كانت حتى الشطآن الغاربة بعيداً تفتحُ لي صدراً.. قلباً يقتاتُ الشوكَ عن الصبّار.. فنزفتُ القهرَ طويلاً.
ما أدركتُ بأن "الكرملَ" هذا الباذخُ يقتلعُ من السفح الأخضرِ عوسجةً.. يُهديني فَرحَ اللونِ، وحفنةَ رملٍ من ألوانٍ أيقنتُ بأنّ الريحَ الآتيةَ ستحمِلُها شوقاً من "ناصرةٍ" المجد..

 

     لوحة الفنان التشكيلي حيدر الياسري

  يا "ناصرةَ" العمرِ تعالي.. القيني بينَ جِراحَكِ، علّي أحملُ من عمري بعضَ الترياقْ..

ما زالت خطوات مسيحٍ تدرجُ في ساحَتِكِ..

صوتُ أذانٍ من مئذنةٍ تخترقُ سحابَ الأرض وتعلنُ "للجزّارِ" قيامَتَها.. والسورُ الصامد معجونٌ بجماجم غزاة..!

والتلويحةُ تتربّصُ بالغازين.. ونصبر..

من "رأسٍ" أوقفَ رُعبَ المَدِّ.. وإفكَ الجَزر.! أرسى جذر الزيتونةِ على قمم "الناقورة".. وامتدْ..

حتى شاطئ صحراء، يتعانقُ مع شاطئ بحرٍ أبيضَ يفرحُ..!! بل "رفحٍ" أخرى، سكناً للمحرومين ستبقى رمز شموخ..

على مدّ الشاطئ من.. عكا.. حيفا.. يافا.. غزة والنجمات المنثورات على شبكات الصيادين..

مراكبَ تترى، لا تتعبُ من بحثٍ عن لؤلؤةٍ كانت منذ قديم الأسرِ كحورياتِ حكاياتِ الجدّةِ.. تخترق دوائرَ ودوائر.. ثم عميقاً في لحم الأرض تغوص، وتَنبتُ في "مرجٍ".. ثم تطلّ على العالم من ضفّة "نهرٍ يرموكيّ".. عَمّدتِ الشاطئ والماء حوافرَ خيلِ المنتصرين قديماً..

هذا وطني يا قوم..!

وطني المعجون على صفحة وجه من نور.!

وجه حبيبي..

أيقظني من كل سباتٍ، فلمحت تفاصيلي في مرآتهما..

صورةُ وجهي الأسمر، ينطحنُ ولا يقبل أن تُنتقصَ اللوحةُ خطّاً.. لوناً.. بل تبقى.. كي أبقى في زخرفها ذاك النورس سيد كل الشطآن المشرفة على الحزن..

هل نحن منارة للآتين.؟

أم إنّا آخر جيلِ المنهزمين.؟

شراعٌ كنت على مركبِ حبٍ يبحث عن نورٍ عسليٍّ يسكنُ في جفنين.!

هذا المُشرعُ بين رفيفِ وطنْ.. هذا خفقُ حبيبي.!

هل ضاعَ.؟

وهل ضِعتُ.؟

جاءت تلمسُني.. فلمسْتُ بها نفسي.. روحي.. نبضي..

حتى سحر الشاطئ أرسى في فسحةِ روحي كل أقانيمِ الشوقِ صُموداً.

وهي الآتية إليّ، وأنا الساكن بين العينين المتعبتين رهيفاً بين السحرِ العسليّ وبين الرمش.

بينهما.. أنتِ.. ووطني

أيّهما أنتِ.؟

أيّهما وطني.؟

هل تكفيك الكلمات سكوناً.؟ لا أرضاها إلا أن تحمل مني كلّي، وتنادي من فوق تلال "الكرمل"

يا مملكتي... يا مملكتي..!

يتسلقُ صوتي كلّ الأسلاكِ، وكلّ بحورِ الشوق. فهل يأتيكِ.؟

وأمام المحرابِ أقيمُ صلاتي في "قدسِ" الأقداس.. وأركعُ فوق ترابكَ يا وطني

أرفعُ من وهم الصمتِ حروفاً تسمو فوق لهاثِ المهزومين.. أقولُ.. وأنتِ الباقية دواماً، لأنك أنتِ الأرضْ..

وأنت "فلسطين" أراها تتدفّقُ عِشقاً.. تحضُنُني..

هل ما يلج عميقاً في لحمي صوتكِ..؟

أم عِطركِ.؟

أم أنتِ.؟

تبنين لي الشاطئ كي يبقى النورس رمزاً للآتين..

وأنتِ الجذرُ.. فشُدّيني كي لا أضعُفَ..

وخُذيني.. فأنا منكِ.. إليكِ..

وأنتِ الأرضْ..!

 
 

لوحة الفنان التشكيلي وليد قارصلي

سوسن برغوتي

  أشرعتي ألِفتْها ذاكرة التاريخ منذ بدأت مفرداته تنسج ملامحَ، وخليطاً بين حنين إلى الوطن وقصيدة الحبيب المفقود. تأبى إلا أن تمضي بأيقوتنها تتعبّد في محراب الجبال والسهول..على نغمات الميجانا والعتابا.. تتبعثر النجمات لتبتلّ عروقي بتراتيل ناسك يصبّ زيته المقدس في مذبح العمر.
أغنيتي..أصبحت عزفاً بلا أوتار، وقلبا بلا شرايين.

في حيفا ركعت وصليت على سفوح الكرمل أنسج حكايات الصابرين إلى لقاء يجمعنا في سهول الجليل.

إن غفت ضلوعي حزنا على جباليا ، يستفيق الألم لذكرى نوارس ترفرف على شطآن التمنّي.

 شقائق النعمان أينعت من دماء أهلينا، وما ارتوت قرابين الغاصبين.
 حان الوقت لتروي قطرات الندى حكاياتٍ ترويها لأجيال من قهر الحواري، وطريق الآلام يشهد أننا هنا باقون.  
 
التمس آثار أقوامٍ شاقهم العناء، ومن آثاري أشكّل من العبرات عبر.!
 أفجّر من لهاث الصمت ترانيم الفقراء ودعوات الثكالى، وأشيّعها مروج الزهور..

 أحمل فوق كتفيّ تاريخ النكبات والويلات، وفي ذاكرتي وهن أمّة. وما هنتُ يوماً وبراءة العيون ترنو إلى بيت
 المقدس..لك البشرى إلى يوم الدين.. ولنا البشرى في زمن هزائم أوجعت صمودنا، فبتنا نلهث بحثاً عن مأوى..
 ويصحو "غراب" على صدى جماجم الأطفال، فيبكي قابيل هابيل.. توهّج القلب حسرات، وشاخت الرياح على
 شظايا غضب ما زلت أزرعه ليضمد جراح المشردين.

 رحماك ربي.. أين المفر والصور تجمع في مراياي بقايا ما تركته في وطني. قصائد مشبعة بالألم تسلقت ذرى القمر في ليلة بدر، رحت أجوب البلاد طائراً مهيض الجناح، ألعن الغربة وأنبض باسمك يا أحلى وطن.
 فإن وهبوا لي جنان العالمين بديلا ما ارتضيت، ولن أكون إلا صهوة لركبان الصمود.

  أبقني صامدة يا ساعات الوقت.. كي أعود إلى مرتع صباي في بلاد الزيتون والتين، ربما يضمني حلمي، فأخلع
 من ذاكرتي شتاتي، وأغنّي من جديد..