أحمد محمد سليمان
فتات وقت.. قطعان خوف،
وأعين بنصف
إغماضة
عندما تنمو رغابك، وتسعل كما ديك الجدة، ستموت
بنيَّ. قد لا تموت فحسب، فلك ميتة وعيون غيرة
عليك، إستكبر إذن، القسوة تمهل نعومة الدمية التي
تلاعبها.
وجسدك هذا لن تنساه أعين تحاول مسّكَ، ستموت كما
حكايات العم أورهان، حيث تبدأ من ثعالب الجبل وتمر
بشمس الظهيرة،كعادتك، تنام قبل أن تصل الحكاية
خاتمتها.
بعد أعوام، ربما لن تموت بنيّ، قبل عام نهضت من غفوة، بعد أن شربت فنجاني
أقرأ حكايتك.
وهكذا، عشت دمية بين يدين أصغر النساء، على مرأى عيون وشعوذة أشباه السحرة،
بعدما القسوة هدمت تاريخ العائلة. عائلتي القادمة
عن طريق أورفه، ومن ثم تُحتكم لطبيعة نزاع بين
تركيا، وحدود دول أخرى.
كان جدك والعم الذي اختفى فجأة، خبرت ميتته وهكذا، أنت ضِلّيله ربما، كما أنه
لم يُبصر وجهك، لكن نامت الجدة قبل أن تكمل
حكايتها. وما فهمت السر الذي يحيط بجدتي وبنيها،
حين أفقت والجدة ما كانت حولي.اختفت الجدة، بينما
أنتظر نبوءة العام الفائت وما طوى نسيانه عليَّ.
ماتت الجدة وخبرت أنني سأموت في مقبل الأيام، أي بعد أبي بأعوام، قبل أن تفيق
الجدة من سباتها.الجدة التي
ماتت، وما رأيتها مرة. فعشت دمية تهذبها أصغر النساء في أورفه، دونا، ودونا
ما خبرت مدينة تشبه عنتاب، إذ ما رأت الأبنية، التي غابت معالمها في ذكرى رحيل منذ أزل، عشية مجازر الأرمن،
حين غاب أبي وتشابهت الصور دونما جدوى.
تتشابه الحكاية والصورة التي أبصرها، ساحة تنهض من ذاكرة الجدة، مكان يحتوي
على فتات وبقايا أشلاء. أيضاً كانوا مثلنا (قال
أبي وما برحتني صورته). قوافل أحزاب تحرق الشمس
وتذبح الهوية.
لم أبصر جناناً أو فراديسَ ستكون في مطلق الأحوال للأضحية التي شيدت ساحات
باسمها، أضحية وساحات تغزو مدن العالم.
شهداء على مذبح أفكار ومعتقدات، وحدها الظلال تدرك سرها.
كما الحكاية / الأمكنة... أمكنة تتشابه وحكاية
أبصرها من ذاكرة الجدة، ذاكرة أمنا دونا في عنتاب،
حيث تُقام على مذبح العزلة صروح، ومدن، وأسواق
بورصة تخفي الشر ق وما عليه (قال أبي: مات أبي
أعيش سليل عائلة وتربية مُعتلة، إذ ما خبرت فنون
الزخرفة في الأستانة) كان أبي راوياً لتاريخ ونقوش
بيزنطة. مر بالأناضول ومزار عبادة المتصوفة،
متصوفة غابوا هكذا، كما غاب أبي وتناسوا سره.
ما شيدت صروح على مذبح الذين غابوا خلسة عن الوقت، عن أعين الله والبشر.
رذاذ ماء، رطوبة طقس، صافرات تنذر عن حشود قادمة، وبرداناً كنت، برداناً كما
غيري، دهش أيضاً من استفاقتي على أصوات، ورائحة
أجساد تهرول.
جسدي بارد، كنت في عيادة صديق يطمئنني على تحسن شكلي الذي لم أعرفه في مرسين.
مرسين صباحها بارد، بردان، والصباح لا يحتمل رغائب تفوح منها ذاكرة أجساد
تفكر وتنوء بي.
عازف قيثار من أصل يوناني يترنم بموسيقى وصيحات هجينه، كالتي نسمعها عند
ارتحال ميت، أو مناجاة فقيد.
بردان أفقت هكذا، لفني هواء وبعض رطوبة قاسيتها، لا موت إذن... بردان كنت،
وما يكمن لي كان أكبر من قدرتي على تحمله، أكبر من أجل مجهول، أجل أعرفه بشواذه كما إن شكل الطبيب لا يريح
أعصابي يا دونا، دونا التي أبصرتها تجلس
أبداً في الوهم، وعازف القيثار يترنم، صور وثمة
حشود تهتف، صافرات.. وحدها الأشكال في غير موضعها، الأمكنة تهرول، تهرول الأجساد خلفها، نحو يد سموحة، يدين محملتين
بشارة وخلاص آخر.
صوت أبي يذكرني بموت قادم، أبي الذي خسرته وما سألته عن سيرة العائلة التي
قدمت من بلاد ثلوج وحكايات لم تكتمل، شكل أبي يحمل أطيافاً وأجساد ضئيلة. صوته خفوت، صوت إله خاسر، في زمن
أخسره بانتظام.
صوته... صوت أبي،كما لو أنه ما ارتحل. خفوت صوته، ربما لم يكن في غيهب ليل
مضى، ربما لم أكن برداناً يرتجف ولم يكن أبي وصوته الذي ما ارتحل.
لم أكن وجسدي، لكن، رذاذ الماء ينزلق عن جسدي، وثمة من قطع وتر القيثار، أبي
الذي قطع الوتر، كان عازفاً من أصل يوناني يترنم في ذكرى غيابه بموسيقى وصيحات فقيد العائلة، لم أكن وحدي،
ثمة من كان معي…
وحده كان أبي.
طيف ضئيل، وصوت بالكاد يُسمع، ربما لم يكن في غيهب ما.. أجلس ومعي خفايا
نظرته في ليل مضى، ليل لم أعد أذكره، لكنه حدثني
بينما كنت أحيط الوقت خارجه، كما لو أنه لم يفعل،
مع أنه يرمق كلاماً لم يكتب عن غيهب فعلة، بل غيهب معنى، بينما أحيط الوقت وخوفي ألا أنهض، لتوي خارج الوقت، خارجه،
المعنى يجالسني، بعدما ضبطته في مشهد منذ أزل، كان يجلس بينما فتات و قت وقطعان وكلام وحروف مثلمة. قطعان
خوف وما كنت إلا جالساً في مكان تحول إلى محلات صيارفة وألبسة غالية، جالساً فحسب، قبالة شاب طويل،
ما إن رآني وجدته واقفاً أمامي. بفكه الرخو، ولسانه المقطوع، ساقه القصيرة، يديه المرتجفتين، كان يقف... بأقل
من لمحة بصر توارى بينما أعين الله ترف.
بعد أن لوح بيديه الناحلتين كان أبي الذي تحول إلى طيف أصابه الكساح قبالتي،
بعدما الجريدة وقعت من يدي جريدة تعلن عن عودة الراحل إلى غيابه، بينما الصورة تخرج من الصفحة إذ كان يحدثني
وأعين بنصف إغماضة تجلس.