|
د
.عادل سمارة/
رام الله المحتلة
مر عامان على احتلال
العراق، وأقل قليلا من عامين على المقاومة. وقد لا يكون هناك
مثيلاًً على حالة العراق هذه وقد تحايثت "تقريبا" المقاومة
مع الاحتلال وكأن العراق كان قد جهز المقاومة سلفاً باعتباره
يعلم ان العدو بتعدده قادم لا محالة.
لقد قيل الكثير في الجيش
العراقي وفي سقوط البلاد السريع نسبياً. ولكن الحقيقة التي
لا تقبل الجدل هي ان هذا الجيش قد فكك نفسه سريعاً لأن
اسلحته لا تقوى على مواجهة اسلحة الاعداء وخاصة الاميركي.
ولكن هذا الجيش نفسه هو الذي تحول الى هذه المقاومة
الاسطورية رغم عدم التكافؤ مع اسلحة العدو ورغم طبيعة الارض
العراقية غير المناسبة لحرب العصابات. وهذا ما أعطى العالم
درسا جديدا بأن كل شعب لا بد ان يخلق طريقته في تطوير
المقاومة طبقا لظروفه وجغرافيته. وهكذا، وفر علينا الجيش
العراقي جهد الدفاع عن سمعته وأثبت انه جدير بالشعب العراقي
وبالامة العربية.
إرتكز العدوان على الكثير من
المزاعم. وليس هذا موقع التفصيل والتعداد. ولكن ما من أحد
يمكنه الحديث عن عراق الاحتلال والمقاومة دون أن يذكر
الامرين الاكثر أهمية وهما:
· العدوان
لتصفية القومية العربية باعتباره شرط.
·لاحتلال
النفط وامتلاكه وخدمة الكيان الصهيوني الاشكنازي.
توصلت الطبقة الرأسمالية الحاكمة في
المركز المعادي ولا سيما الولايات المتحدة الى ضرورة اقتلاع
القومية العربية وتفكيك كل قطر عربي من الداخل. فهي لم تعد
تحتمل وجود انظمة عربية ترفض الاعتراف بالكيان الصهيوني
وتنادي بالوحدة العربية وتحمل جذوة القومية العربية ولا
سيما في حقبة العولمة حيث القطب الرأسمالي الاوحد فاغراً فاه
لطحن الشعوب التي لا تملك قوة نووية! فللوصول الى امتلاك
الثروة العربية، لا بد للطبقات الحاكمة هناك ان تقتلع
القومية العربية من جذورها. لذلك امتطت الانظمة العربية
المرتبطة بهذا المركز والعدوة للامة كي تسقط النظام العراقي.
ولا نقول هذا ونحن نجهل أخطاء الانظمة
القومية العربية منذ الناصرية وحتى البعث في سوريا والعراق
والقوميين العرب في جنوب اليمن وحزب جبهة التحرير في
الجزائر. فقد عجزت هذه الانظمة عن ترسيخ الديمقراطية وعن
إتقاء البقرطة وعن إنجاز التنمية ومن ثم إلحاق الهزيمة
بالكيان الصهيوني الاشكنازي. ولا شك أن جزءا من هذا العجز
نجم عن استهداف الوطن العربي من المركز الرأسمالي بما فيه
الصهيوني، وإن كان هذا لا يبرر أخطاء ومثالب هذه الانظمة.
ولعل ما نود تثبيته في هذا المستوى هو ان
الحملة المفتوحة ضد الانظمة القومية لم تكن بريئة في يوم من
الأيام. بل هي اساسً حملة فيها من الشبهات اكثر مما فيها من
الحرص والصدق. لذلك، لا بد من تناول هذه الانظمة بما لها وما
عليها لكي نبني على ما لها، ونتلافى ما عليها. إن نقد النظم
القومية ليس إلا مدحا ودفاعا غير مباشرين عن الانظمة الرجعية
شيه الراسمالية التي خلقها العدو الراسمالي الغربي وواصل
حمايتها، وإن كان يشتمها أحياناً ولا تغضب وهذا تجسيد لعلاقة
السيد بعبيده الذين يشعرون بمتعة إهانات السيد.
ولن يكون احتلال النفط ممكنا ما لم يتم
احتلال الامة ووعيها القومي. فالحركة القومية العربية هي
التي طردت الاستعمار وهي التي أممت النفط حيث كان العراق هو
المبادر لذلك وهي التي شكلت الرافعة الاساسية لمنظمة
أوبك، والعراق تحديدا هو الذي قرر بيع النفط باليورو وليس
بالدولار. وهذه الحركة القومية هي التي رفضت الاعتراف
بالكيان الصهيوني الاشكنازي رغم تهافت الانظمة الرجعية
التابعة والتقليدية او المرتدة بكل معاني الردة.
بعد ان كاد ينسى العالم ظاهرة الاستعمار
وبعد ان شعرت الامم الفقيرة ببعض الأمان على نفسها وثرواتها،
قام العدو الرأسمالي باحتلال العراق وبأكثر ما يكون من اشكال
الوحشية بدءا من احتلال الارض ونهب الحضارة والتراث وحتى
اغتصاب النساء. وكان هذا كله رسالة واضحة للعالم بأن
البربرية الراسمالية البيضاء لا تعرف حدا للوحشية والتغوُّل،
وأن على العالم أن يتنظر المزيد أو يسلم روحه وثرواته صاغرا
طائعا ذليلاً.
إحتلال سهل
على الورق
اتضح بعد ايام قليلة من احتلال العراق
بأن الأمر هائل التعقيد وليس هائل البساطة كما تصور مستشرقو
عسكر البيت الابيض وكما صور الامر خبراء الكيان الصهيوني
وعملاء الغرب من العرب سواء ما اُسميت المعارضة العراقية أو
الانظمة العربية. لقد تهيأ للاحتلال وهيأ له العملاء بأن
المسألة مجرد لعبة فيديو عسكرية يلاقيها الشعب العراقي
بالورود، فيتم إسقاط النظام، إذا رفض الرئيس صدام حسين
التنازل لقاء تأمين حياته. لكن الرئيس لم يخضع لتهديدات
الرئيس الاميركي ولا نصائح العملاء العرب، ولم يفت من عضده
استشهاد ولديه وحفيده وبقي في العراق لحين اسره. وكان هذا
بلا شك نموجا للمقاومة كي تحتذي به.
لقد نصّب الاعداء حكومة عميلة، ولعبوا
على التقسيمات بأنواعها الطائفية والقومية والدينية
والطبقية...الخ. وأجروا انتخابات عميلة ايضاً. لكن كل هذا لم
يثن المقاومة بل اتضح انها توسع قاعدتها الاستقطابية لأسباب
عدة ربما اهمها اقتناع قطاعات اوسع من الشعب في العراق بأن
هذا العدو إنما جاء لامتلاك أرض العراق وأن القيادات التي
تروج له ليست ببساطة سوى قطعان عملاء سواء منها القمة
السياسية او الدينية.
وفي حين اقام العدو ترتيباته على نهب نفط
العراق للانفاق على قوات الاحتلال، على ان تاتي مرحلة أخرى
يقطف سيولة نفطية مالية صافية وهائلة مما يجعل من السهل عليه
التصدق على شعب العراق ببعض ثروته، فقد قلبت المقاومة هذه
المعادلة راساً على عقب حيث جعلت ضخ النفط في حدوده الدنيا.
وهذا ما دفع العدو لنهب الموجود لتسديد جزء من نفقات العدوان
في حين لم يحصل الشعب العراقي على حاجته الأمر الذي لعب دورا
في تجنيد إضافي للمقاومة.
كان الامبريالي الصهيوني بول وولفويتز
قد قال قبيل غزو العراق بأن الانفاق على الحرب وجيش الاحتلال
سوف يتوفر من عائدات النفط العراقي. ولكن المقاومة حالت دون
ذلك، فلم يتم ضخ النفط الكافي. وبالتالي أدى تفجير أنابيب
النفط الى إبقاء الثروة في الارض بدل ان تغطي نفقات العدو
المحتل. أما تعاظم المقاومة فأدى بدوره الى ارتفاع هائل في
النفقات التي وصلت الى 300 مليار دولار.
ولأن العدو منشغل في لملمة أوضاع جيشه
المحتمي بالدروع الحديدية السميكة او بالطائرات، فإنه لم
يتمتع بالفرصة التي يقدم من خلالها بعض الدولارات للانفاق
على المرافق العامة ليزعم انه يقوم بتقديم خدمات كالكهرباء
والطاقة والماء...الخ حيث لم ينفق في هذا المستوى سوى اربعة
مليارات دولار.
ورغم التهليل للانتخابات التي أجريت في
العراق، فليس هناك ما يشير الى ان هناك فرصة إقامة نظام حكم
قوي في العراق طالما ان ذلك يتم تحت حماية العدو المحتل.
وهذا يؤكد على صحة نهج المقاومة وعلى النتائج الايجابية
لحصول هذه المقاومة. وهو النهج الذي لا يابه لبقاء قوات
الاحتلال في العراق طالما انه يتصيدها حيث وصل عدد قتلى
العدو (حسب ارقام العدو) الى 1520 قتيلا و 16000 جريح ناهيك
عن المصابين بالاضطرابات النفسية نتيجة للرعب من الظهور
المفاجىء للمقاومين. ورغم ان هروب الاحتلال من العراق هو
مطلب المقاومة إلا أنها لا تابه ببقائه النسبي لاصطياد أكبر
عدد ممكن من جنوده كي يفقد اليانكي الجرأة على عدوان مشابه
ضد سوريا او إيران او غيرهما.
إن إلحاق الخوف بالعدو في العراق هو
انتصار قومي في الدرجة الأولى وهو تمهيد لانتصار أممي
بالدرجة النهائية. وهنا تحديدا تكمن أهمية المقاومة في
العراق لأنها تشكل رافعة للقومية العربية في إهابها الجديد
المقاوم والبعيد عن الشوفينية والذي يؤسس لانتصار أممي على
راس المال.
وبهذا الانتصار يكون العراق مهد الحضارة
الاول وحاضن أول دولة في التاريخ وحاضن انتصار الشعوب على
رأس المال ليبدأ العد التنازلي للراسمالية والصهيونية. ومن
هنا بالتحديد أيضا ان يكون ملتقى الثوار وطنيا وقوميا وأمميا
في قلعة العراق.
|