|
في يوم الأرض
*
عبد الكريم عبد الرحيم
جسدي .. يتململُ تحتَ وطء الدبابة ، أنا أستريحُ الآنَ من
موتي , و أعبر سجنيَ الطينيَّ ، تتزاحم الرؤى و الأشياء ،
زوجتي ما زالتْ في الحقلِ ، و حفيدتي تمددتْ على أحاديث آذار
، تقطف آخر ما تبقى من ربيع بلدتها ، لتغنِّيَ لها الأرضُ ،
و تحجبَ حقيبةً ما زالَ فيها جرحُ رائحة الملابس و الغياب ،و
ظلُّ مئذنة ينوحُ على الخرائبِ و الغروبْ .
و أنا على مقاماتِ الجنوب ، أعرف أنَّ السكينةَ ، لن تمحوَ
ملامحي ، و أنَّ الخبز في المخيَّمِ ليس طازجاً كما في
الحقول ، و لا يكفي لتنهضَ قامتي ، صريرُ جنازيرِ الدبابة ،
يقتلعُ ما تبقى من أحلام الحياةِ ، وحدها أتتني و قبلتني تلك
الزيتونة الراضعةُ كلماتِ طفولتنا المشترَكةِ ، منذ صادر
الجنديُّ البريطانيُّ النورَ من عينَي والدي ، و أطلقَ
الموتَ على سربِ الحمامِ ، وقتَها اشتعلَ معطفُه بالحربِ ،و
أفرغَ غاضباً أكياسَ البرغلِ على الأرضِ ، قبَّلتُهما طفلاً
، و عرفْتُ أنَّ العشقَ لا يخون .
في القريةِ "فرعم" امتطى أبو سلطان قدره ، و أطلقَ أحلامَهُ
في الجبل ، العامُ الشاهدُ 1917 أولُ أغاني الرصاص الفلسطيني
، و آخرُ أدعية الفلاحات للسكينة ، كانَ أبو سلطان على
مقربةٍ من الشمسِ حينَ ودَّعَ الكهفَ ، و صلَّى في صفد ،
مارَّاً بالحمراء و سافر إلى دمشق .
قالتْ جدتي : المرأةُ التي رفعتْ عقيرتها و حملتْ
البندقيَّةَ لم تمتْ في فرعم و لا في الجبل ، هاجرتْ
إلى أعلى الجليل ،و بعدَ أنْ عادَ أبو سلطانَ مكللاً
بالياسمين ، عملتْ في الأرضِ ، و أنجبتْ سبعَ سنابلَ و
شهيداً ، وحملتْ على ذراعيها أطفال الرجالِ الذين صعِدوا إلى
الجبل .
العشرةُ طيِّبةٌ لا تتحمَّلُ الكذب ، و المنافقونَ كثيراً
ما يغسلونَ قلوبهم من رائحة الدنس ،و لكنهم لا يعرفونها ،
العِشرةُ مشتهاةٌ ، قالَ أبو سلطان لعصافيرهِ ، عندما أموتُ
لا تستحيي شاهدتي من حَملِ اسمي ، أنا أحبُّ النهايات التي
لا تُغرِقُ رؤوسَنا بالوحل ، قالوا لنا :سلِّموا "بواريدكم"
كانَ ذلك في أثناء الثورة ، تلعثمتْ حبَّاتُ الندى ، و ضربَ
على جبينه بمُحْكَمِ قبضته ،و استلقى في دمه ، يسرِّحُ
عينيهِ بتعب الأيامِ .
ما زالَ الصرير ، الجليل الأعلى يوقدُ النارَ ، و عزائمُ
الرجالِ ، تشتدُّ كلما اقتربَ الصريرُ ، نباتٌ
أخضرُ على اللحى و الشوارب ، أيتها الجميلةُ ،لتكوني اسمي و
مدفني ، لتكوني اللحافَ و الفراشَ و غلَّةَ العمرِ ، باقٍ
معكِ ،بينَ قلبينا خواطرُ قمحيَّةُ الأعراق ، شدِّيني إليكِ
، و أنا أرسمُ شفتيَّ على حرير أيامكِ ، منذ كُتبت الوثيقةُ
العمريةُ ، حبيبةٌ أنتِ ، الدبابةُ التي اقتربتْ لتقتلعَ
اسمينا تمرُّ على جسدي ، لا تئنُّ الكلمات ، قبلَ أكثرَ من
ستين سنةً مرَّ أبو سلطان من هنا عبَّأ في صدره الياسمين – و
الياسمين لا يخون أيضاً - ، و قصدَ دمَه و نام ، قريةُ
الجليل لا تستحيي من أن تحمل شاهدةٌ اسمَها .
متنا هكذا قال الراوي ، و هو يخدشُ حياءنا بكلمات الدولة و
الوفاق و الديمقراطية ، خلّى مكانه للنشيد ، و ترك الحكايةَ
تعومُ على النفطِ الذي يحترق :
أبو سلطان قرويٌّ من فرعم ، أطلقَ أولَ رصاصةٍ في مواجهة
المستعمر الإنكليزي عام 1917 و التحق أيضاً بثورةِ عام 1936
، وكان يتنقلُ في جحيمها بين صفد و دمشق ماراً بالجنوب
اللبناني ،تعلمتْ الأسطورةُ أشواقه الدائمة إلى الحرية ، و
أقفلَ قصةَ حياته في دمشق .
و المرأة المهاجرة ، خرجتْ من عكا إلى صفد و استشهدتْ و
زوجها الراوي في إحدى قرى الجليل بمناسبة يوم الأرض .
و الزيتونةُ مازالتْ تحتضنُ أطفالَ الرجال الذين صعدوا إلى
الجبل تنتظرُ أن يكبروا ، و يسمعوا صرير الدبابة و لايخجلوا
من أن تحمل الشاهدات أسماءهمْ . |