ماذا يمكن أن أكون غير مورو  !

" لا تحاول أن تجدد العالم.."

               ثربانتس

     أمضي في الشوارع بثقب في جبهتي.

كل من يراني يشير إليّ بإصبعه. لا أستغرب أن يعرفني ناس المدينة، فأغلب السياح يقتربون من أشجارها كي يتظللوا بفيئها و يحتكوا بجذوعها المتينة، بفضل حفرة جبهتي البارزة.

  أزيحُ عن ثقبي دغل تظليلاته، كل صباح، مع تطاير ملاءات العجائز من الشرفات الواطئة مرافقة لفقرة الحليب الساخن مخلوطاً بالقهوة يبرد إذا ما عاكسته ريح النافذة المشرعة، أو هكذا هي الدنيا " خوانة" على رأي حسين البصري مازحاً في أذني بنشيده كل ليلة. في كل مناسبة أحاذر أن أنشر أخباره علناً قبل أن أسمع تنهيدة جارتنا التي تمارس خشخشات الأرانب و نقنقات الضفادع كل أوقات اليوم تقريباً. حينذاك أتنفس فتبتدئ تمريناته المعتادة. تمريناتي التي تبدأ كأحجية:

ثقب جبهتي أسمر أيضاً، وماذا يمكن أن يكون غير هذا اللون لحفيد مورو¨ أنقطع حيله عند ساحل (الخثيراس) فقعد عند أقرب اخضرار من تلك الأرض التي أنجب فيها أولاده برقم قياسي سيذكره القشتاليون و يخشون سريانه قروناً فيما بعد، وسيتهمون يوليان عمدة المدينة بالخيانة فيقطعون قبعة صولجانه مع كل هياج جديد في " عياط المسلمين والنصارى". تقريباً أغلب المناسبات التي يطشُ فيها ثسنيروس راهب محكمة التفتيش ماءه المبارك فوق رؤوسنا ـ أمس قبل قرون أو اليوم مثل الآن ـ من شرفة كنيسة الكارمن وسط مدريد أو في غبرة الركب الهائج عند الحدود المرابطة لجبل البشرات الذي لم يبشر أحداً منا بعد ذاك اليوم.

  ليس بعيداً من الكنيسة، أسفل بناية قرب بناية أخرى أشك بوصفها لولا أن حجازي ـ صاحبٌ لي ـ يستدل عليها بالثرثرة وشرب القهوة و " عندك حظ قحبة"، و.. فم مثل بئر عميق لا تتعرف عليه حتى تنفرج الشفتان عن غيمة دخان سيجارته أو كلمات أخرى بلا معنى مثل كلماتهم التي أحتاج إلى قواميس و قواميس لفك رموزها و التفنن بنطقها. هو لا يحتاج لها مثلما أحتاج لها لأنه مثلاً يفهم الثرثرة على أساس ابتسامة والحديث عن مسميات يرتبكون بالتجول علناً بينها، مثل بنطال عريض علامة جارلس لا يرتديه أغلبهم ولكنهم يتذكرونه بمثابة "آه" أو موضة أو مفتاح لحوار لا ينتهي. فأتركه هناك كل صباح محلقاً حول بنطلون الجارلس مبيناً تفاصيله وعدد طياته وأمضي غير بعيد عنه، عند البوابة التي تنافس الشمس، فتتسمى بها وتعتقد بأحقيتها، فأبسط أغراضي هناك وأبتدئ عياطي أنا الآخر.

  أحاول دائماً من مكاني الجديد أن أحدد الأشياء بالإشارة. أعني الإشارة لا غير. وهي أن ابرز عدتي أمام المارة. الكل يتوقف. والكل لا يمضي. بينما أجلس على الرصيف مثل هندي ولكن دون أفعى.لا أصفرُ ولا أتابع مَنْ يقف، بل أجلس برأس منتصب يكفي ليزدحم الناس حولي. يقلبون جبهتي، يتمعنون حفرتها، يدسون أصابعهم (أولئك الذين لا تعتريهم رهبة ملامسة اللحم) حتى يشعرون بدبقها وسخونتها. أعني ثقبي ـ يسمونها حفرتي أيضاً ـ الذي لا أشرعه أمامهم ولا أستجدي بفضله معرفة، ولكنه بارز مثل فم عريض، مثل لسان ممدود، مثل قبعة مرفرفة، ولأنه أكثر وضوحاً من جسدي كله.

  أغلب الأحيان لكي أجد مبرراً يرضي الشرطة بجلوسي عند الكيلومتر صفر، منتصف المدينة، منتصف البلد، نقطة الخطوة الأولى لخطوات أخرى تهديك لمسالك المدينة، يتوجب علي أن أحمل غرضاً آخر. أترك ثقبي مع المارة وأتشاغل بدفتر أو كتاب حتى دون قراءة أحرفه. ولكي أضفي على ممارستي شرعيتها، كل اليوم حتى المساء، أدق على علبة أمامي لتسليتي من الانتظار الطويل، أحاكيها كطبل فأنقر عليها ما أعتقده مشابهاً لما يحيطني، بينما يظن بها المارة تنبيهاً و وسيلة للالتقاء بهم فتمتلئ بقطع نقدية لا تتركني الشرطة أمضي بها بعد انتهاء يومي إلا ونتقاسمها بيننا. من هذا أصبحت من معالم المدينة، فحتى الشرطة شركائي أخذوا يروجون لبضاعتي. يدلون السياح والغرباء ومن يريد التبرك أو من يجمع تحفاً نادرة وصحفيون وكتاب و مومسات وعذارى وصبية حلوين و" سعديون " بدلالة النكتة التي تذكره قرب بيت والكل يتصايح "فرخ،فرخ" فقال لهم دعوه لي ونهايتها معروفة. مثل اللعبة المنتحلة هذه أو سواها عندما تعينا اللغة بالتعبير عنها. تماماً مثل هذا الصف الطويل وهو يلتف حول تماثيل الملوك الكاثوليك والدب القاطف للفاكهة والإله نبتون وعربة الخيول التي تقودها بارعة الحسن ثبيلس، تلتف وتلتف بينما لا يفقد المارة الأمل بتحسس الثقب. ثقبي.

  ما أن يتعرفه الماضون في جادات المدينة واضحاً في جبهتي مع طلوع أول خيط للشمس في ساحتها التي تتسمى بها، أعني الثقب، وبارزاً كحقل قادر على احتوائهم ـ يسمونه الدائرة كذلك ـ فيتبادلونه بينهم دون أن تتاح لي فرصة مراقبته حتى تحين ساعة شخيري.

  الشرطة أصحابي بقسمة الدراهم والإعلان المجاني عن وجودي وسط الساحة طرأت لهم أفكار عديدة. لم يشاركوني بها بالطبع. حصلوا على لوح إشارة من البلدية دقوه بقوة في حجر الساحة كتبوا عليه بما لا يقبل الشك ولا الغلط بالتهجي: تحفة نادرة ـ المورو الوحيد في المدينة. قسموا مداخل الساحة إلى مربعات سمحوا فيها لآخرين ببيع بضائعهم. فازدهرت الساحة بالوجوه. بضائع وبضائع وأكشاك وبنوك ومقاه ومحلات أطعمة و مجوهرات وتحف مزيفة ومواد تجميل وملصقات وملابس حملت أغلبها رسوم وماركات و مداليات وأيقونات للثقب الوحيد في الجبهة الوحيدة للمورو الوحيد الذي يشير له لوح منتصف الساحة بحراسة شرطة يبتسمون أغلب ساعات النهار ويهشون الذباب عن جبهتي مثل بائعي تمر ويستعجلون من يلح بالتمعن أو من يريد مرافقتي الجلوس وطرد الفضوليين بكعوب أحذيتهم أو كعوب عصيهم.

     تنتهي رحلة الساحة فأعود إلى البيت مخبئاً الثقب بغطاء رأس. أبحث عن حجازي فأجده ما يزال يناقش طيات البنطال، يشير لهم بأصابعه و انفراجة فم مثل مغارة فيمضون بقطيع ضحك متقطع. أتركه هناك مثلما تركته في الصباح مثلما أتركه غداً وتركته قبل أعوام.

  عندما فسر لي معنى لوح منتصف الساحة استغربت بينما لم يحرك عضلة واحدة وقلت له: ولكن أنت أيضاً مورو مثلي.. آه.. هذا صحيح ولكن ألا تراني أحاول أن أفهمهم معنى البنطلون، سأحاول أن أصف لهم لاحقاً معنى الشروال مثلاً، هذا إن كانوا سيدركون الفرق بين طياته وبين قولهم "آه" ويشيرون للجارلس وأنا لا أحفل سوى بتمديد غيم الدخان وتناول القهوة عند النواصي و الجادات و المقاهي الصاخبة..ثم.. لا تحفل بي، لست غيوراً سأترك لك المهمة، أنا بجبهة فارغة، ليس لي ثقب مثلك، وهذا لا يناسب تقاليد السياحة ولا عصي الشرطة الممتدة لمهاجمة أقل تغيير..هيا.. أمضْ ودعني لمهمة البنطلون.

   أُخدرُ أغلب أوقاتي بالنوم. مرات عديدة أخرجُ منتصف الليل بعد أن أتحسس جبهتي فأكتشف غيابه. ألفُ الشوارع متلمساً حيطانها و دكاكينها و مباغيها عسى أن يكون عالقاً في علبة كحول منسية أو ملفوفاً كفاكهة متعفنة بخرقة بلاستيكية أو مانع يستهلك بنفضة واحدة. أحياناً يكون بحثي سهلاً عندما يتركه العشاق آمناً بين نهود فتياتهم. يخرجنه دافئاً مع تذكيرهن لي أن أجلبه اليوم التالي، و "تعال خذ قبلة.. من الخد أم تحب الشفط؟" فأرحب بالهروب إلى الفراش. حيث لعبتي الأثيرة. حيث النوم حتى صباح خشخشة أرانب الجيران، ومن ثم أستقبال الشمس عند بوابتها. وهذه هي النقطة الجوهرية في إختلافنا. يكره النوم ويحب الغطيط، وليس لي كره أشد من الغطيط وحب لا يكل للنوم. أقنعه ـ أقنع رأسي بحفرته ـ بأن للنوم سعادات غير مرئية ( وليست سيئة الصيت)، فأبارك له مخترع النوم ألف مرة، وأزيد: " إنه المعطف الذي يقي كل الأفكار والطعام الذي يهدئ غائلة الجوع، والشراب الذي يروي الظمأ والنار التي تدفئ الصقيع، والبرد الذي يخفف من القيظ، والنقد العالمي لكل ما يشترى و يباع والميزان الدقيق الذي يزنُ الراعي والملك الجاهل و العالِم. وليس في النوم شيء غير كونه يشبه الموت..و "، ولكنه يخفي فمه حالاً بالغطاء.

  يرفضني حتماً ولا يستمع لكلماتي، فيخرج لياليه كلها التي أمضيها بحثاً عنه ما بين حانة وأخرى، بين نهود وسيقان وبرك مياه آسنة أو تحت الأحذية.

  أبحث عنه ليس لأنني أرغب به، بل هو موجود رغماً عني، لكن ما يقلقني أن تموت المدينة وينفض السياح عنها إذا ما فقدته يوماً. ليس يقلقني التعبير المناسب، بل الأفضل ماذا يجري لو فقد مني . محاولاتي العديدة لسنين أن أخرج بلا ثقب تحولت إلى عبث وذكرى بلا رنين ولا تمنٍ. اليوم أعيش من ثقبي. ثقبي يرافقني ولا يتعرف علي أحد في المدينة دونه، وهم يشيرون بأصابعهم لي على أنني حامله، يشيرون للثقب، يتحسسون الثقب ولا يكترثون بحكاياتي ولا بأوهام لعبتي الأثيرة ولا حتى رغبتي بحمله إلى الأبد أو جزعي منه. أشياء مثل هذه وغيرها جعلتني في تلك اللحظة أشير لشابة انحنت تتحسسه بعلامة رفض.

توقفت الفتاة جافلة وأصبعها ممدودة عند حافة جبهتي بينما جحظت عينا حارسي.

أشرت له أنني تعب، ولن أستمر حتى نتفق على شيء واحد.

  جاء آخر وآخر.حدبت أجساد حرسي من الشرطة، ولمحت آذانهم متأهبة لسماعي وبدت مثل مكبرات عملاقة حجبت عني كل رغبة بالتنفس إلا أنني وجدت بقية من نفس وقلت: لن يتحسسوا ثقبي إلا بشرط.. أن يستمعوا لي أسرد وقائع مما يدور في هذه الرأس.

  حولقت عيونهم وتمايلوا و انتفضوا و..لم يجدوا أحسن من القبول، فقد طال الصف البنايات كلها وألتف حول القصر الملكي أيضاً. وهناك ما تزال الفتاة بإصبعها الممتد، جامدة بهدوء و تتنصت. قالوا نعم فابتدأت:

 … في مكان لا أريد أن أذكر له أسماً… من زمن بعيد لا أريد له أن يكون أبعد من إصبع الفتاة الممتد إلى ثقبي، الآن، وليس غير الآن. لا، كل شيء يحصل لنا هو الآن، ولأننا مسكونون بالآن، ولأننا لا نبرحها حتى تختلط علينا الحكايات مثل حكاياتي المختلطة، مثل هذه الحكاية التي أريد أن أسرد ولا تخرج لأنها معلقة بكل ذاك الذي عشت.. و.. وهو الآن. مدي إصبعك، لا تخشي شيئاً لأنه ليس وليد مبارزة عاصفة ولا ضربة مروحة طاحونة مسحورة ولا مسمار عبودية، ولا حتى أعرف له موجب غير أنني أتذكر أنه ـ في ذلك المكان الذي لا أريد أن أذكر له أسماً ـ سبق وأن وسموا جسدي بكل أصناف العقوبات و نسوا أن يثقبوا جبهتي. ومع ذلك خرجت ووجدتني في وسط الساحة أمامكم ولا شيء يعلمني سوى هذا الثقب. ثقبي الذي تتحسسونه وتتبعون التحسس بـ "آه". تتوجعون من دبق الثقب، ما بالكم لو تحسستم خيط بدايته..لا تريدون.. ألأنه يذكركم بما يمكن أن يفضح تحفظاتكم، أن يعري رقة الجلد لديكم، والخشية بعد ذلك من قرص بعوضة مثلاً. أنه ثقب لا أذكر كيف حملته، خرجت من كل شيء (في المكان الذي لا أريد أن أذكر له إسماً)، وكل شيء لصق بي… ذلك أنه هو.. هو الذي تعود أن يتبول على ضوء القمر و لم يعلم أن هناك من سيقول "آه" أيضاً ويقرض له شحمة عرنوسه الممتد لملامسة الهواء، فلم يلامسه، وعاد له بلا شحمة.. لماذا ؟ لأنني أنا هو.. أم أنني أستذكره لغرض أن تنتفضي وتردي أصبعك إلى جبهتك وتقولين " عووووع"، فيأتي آخر وآخر. ولأنني منشغل بالقرع على علبة النقود بلا نقود، مستمر بحكاياتي. بينما هم مسالمون، لا يدركون الشر، يتقفصون بالملل، يبحثون عن شيء نافر، شيء يطفر وينادي فيتجمعون عنده.هم لم يسمعوا بحرب، لم أشأ أن أذكرهم بسبيلبرغ ولا كوبريك ـ كائنات كهذه ـ كأنهم لم يسمعوا بديناصورات ولا تمرغوا أبداً بستر حديدية وتكوي، أقول لهم يا لفطنتكم، ثم لا أحتمي بمظلتهم حتى أتمم حكاية مَنْ فقد شحمة عرنوسه ومضى يجأر على ضوء القمر. ظل طويلاً مثلما ظل الآخر مقطوع الأذن، مثلما تركت آخرهم يسحل ساقه عند الطريق المسور بدبابات وأنقاض و..موتى..مثلاً.. الشيء الغريب أن لا تتعثر بميت. رأيته هناك وذكرني بضوء قمر وبالشحمة وبقطع أذن ودوران رفيق عبر صحراء. رأيته هناك ينهض بكل ثقله، يقف، يدوس بقدمه السليمة على ساقه المسحولة ولا يصيح بـ "آه" غير أن الدمعة تلمع، الدموع تلمع في عينيه وأنا أتركه خلفي منكفئاً على وجهه يستغيث إلى الأعلى: لماذا نحن يا ربي؟ ولم يبق في رأسي غير لماذا، فتناسيت "ربي" وشرعت بقعة حمراء مثل رمانة،هناك في ركن بارز من رأسي، صارت رمادية فوراً، الآن، وأحملها معي لأنني مستمر بالبحث في ذلك.. البياض. هل قلت البياض؟

  أقصد حتماً أسمه الآخر، لأنني لا أفرق حقاً بين البياض والسواد، ولأنني أحفل دوماً بما يشير لجهة الغراب ذاك. الرماد، الأسود، النقيض، النافر، الدامس. هي تسميات ولا تعرف، هي تسميات ولا تعني كل شيء. لأن الشيء هنا في الرأس، أتحسسه كل لحظة. أشعره وأعيش معه. أحفر معه. أجرف وأجرف وأوسع في هذا الدامس منذ كل لحظة. كأنها الآن، وهي الآن فعلاً. أعمق وأعمق وأجدني في أول هذا الدامس. كأنه متوقف عند لحظة الساق، الشحمة، الأذن وتوصيفات أخرى. البياض مثلاً لأنه أسم آخر له. توأم يا بياض فما بال ثلجك لا يقرب أغصاني مثلما أقترب وأريد. ربما رغبة استعجال بالمغادرة إلى .." الحفر والتوسيع أكثر".. تقترب البقعة، الدامس، البياض نفسه، أقترب منها كلها. أخمن الأثر، أتبعه ولا أكتشف غير ريح. الحفرة أعني. أقول لكم لم أجد لها غير هذا الإسم. فتجيبون " مع العووووع طبعاً" بممازحة أو دونها.. ما تقوله بلا معنى على اللسان أو حتى خربشات الورق، أنت هو أنت، لولا أنك لا تعرف عن الطريق غير المسافة.

   مَنْ يعرف عن الطريق أكثر من مخرج هم من كانوا قبل قليل يتدافعون لدس الإصبع في ثقب جبهتي. أراهم يغادرون واحداً بعد آخر. ينفض الصف وتتحرك الساحة مع تحركاتهم. تبعهم الباعة،الدكاكين، البنوك والمقاهي. أراقب نبتونو و عربة الآلهة والقصر الملكي واضحاً بعد أن حجبه الجمهور عني. تركوني وهم يرددون "العووووع" هذه بكل لغات البلد المعروفة. آخرهم منحني ظهره وأشار للشرطة. لم أفهم فقد شرطت عليهم أن أحكي. مطلبي الوحيد. تبرع أحدهم وخلع لوح الإشارة وغادرني آخران بعده، لكنهم تركوني مثقباً في جسدي علامة كعوب عصيهم أو أحذيتهم، بينما همسوا كلهم بصوت واحد: لا نريد أن نراك بعد الآن.

       يحكى أن البلد تغير بعد حين. يرددون الحكاية أمامي ولا أصدق، إلا أنني أسمعها مثلكم. تحدثوا عن إبتكارات جديدة. قالوا أن الفتاة بأصبعها الممدودة قادت مسيرة مطالبة بحرية الكشف عن آذانهم المثقوبة بالحلق من ذهب أو تنك ولم تته في صحراء. حكوا عن شخص أسمه فرانكو ضجر من نداء الساق المسحولة، فسحل ثقل جسده ومات قهراً في فراشه، ولم يتذكره أحد بعد ذلك، لولا أنهم يتحدثون بين حين وآخر عن حرب أخوة، وموت حمر وسود وعبيد حملهم معه كهدية في صناديق خشبية مبطنة بأقمشة من جوخ متين. جربوا رنة تبديل الأسماء بأسماء لا تختلف عن الأولى. حاولوا أن ينقلوا ساحة الكيلو متر صفر حتى أطراف المدينة، متعذرين بتشجير الساحة، وسرد آخرون أن الناس والسياح كانوا يتوهون في مداخلها وهم لا يسمعون غير كلمات تنطق ناشفة ولا ترتوي " لماذا يا ربي".

  حملوني مع الساحة بعدتي وثقب جبهتي الذي لا يثير الانتباه ولا حتى التأوه.

تركونا في مكان مهجور.

  طاولت في ممارستي حتى وأنا لا أرى أحداً. كنت أحكي وأحكي حتى أستمع لمداخل الساحة تردد الصوت بعدي. كنت أصلها بسهولة ولا تخدعني البنايات المتشابهة مثل قبل، لولا أنني لا المح حجازي من مكاني الجديد، ولا أراه يشير لهم بتفصيل بنطلون الجارلس  وعدد طياته.

  بعد أيام رأيت أحدهم يقترب من مكاني الجديد ويجلس بقربي. لم يطلب تقليب جبهتي ولا تعجب من اللسان الممدود. جلس وحسب، ومضيت أحكي ولا ألتفت له.

  في كل صباح أجده يسبقني في الساحة الجديدة عند أطراف المدينة. تعودت عليه و تعود على صوتي. من زاوية عند أقصى تمثال الملوك الكاثوليكيين، من زاوية في شارع يشبه شارع كنيسة الكارمن لكن دون حس لراهب أسمه ثسنيروس ولا طراوة مائه المقدس، رأيت بروز وجوههم. من زاوية، من بوابة بناية مهجورة، من ساحل مفقود، من مصحة مسيجة، من مقهى بلا زبائن. أخرج أولهم أرنبة أنفه، أخرج آخر إصبعه، أخرج آخر ساقه. رفرفرت أرديتهم مثل مظاهرة فرأيتهم لأول مرة قربي. ابتسمت بوجوههم وقلت: أعرف أنكم هنا، لكنهم هم الذين قالوا أنني المورو الوحيد هنا…لم أصدق مثلما لا أصدق الآن، اقتربوا.

   تحلقوا حولي وحوله. لم أحتج إلى إذن منهم كي أسرد حكاياتي الآن، ولا لقواميس لفك الحروف والتلعثم ولغز التأوه. ذكروني بذاك الذي أنقطع حيله عند (الخثيراس) فأنجبهم بما يُذكِّر بمنتصف البلد، منتصف الساحة بعياطها المتكرر مع كل رحلة في مبارزات تلك الاحتفالية. فرشوا أرديتهم و بدؤوا يتحسسون جبهاتهم ويمدون رقابهم لسماع أفضل.

  يوسع لجلسته من يجيء الأول. يترك طاس الحلاقة بمثابة خوذته على الأرض ويريح جسده من ثقل ملابس الحديد اللامع، يفلت رمحه ويسأل: لماذا لا تكون كريماً مثل سيدي حامد بن الجلي وتسرد لنا وقائع أخرى.. فأقص عليه كما أقص الآن مثلما كنت حكواتياً كي أوازن ثقل جسدي عبر ليل بلا قرار، سواء رغب حقاً، رغبوا أن يسمعوني أم لا .. أحكي وأحكي ولأنني الآن مثلما ابتدأت ولا أملك غير ذلك.

*مورو: الإسم الإسباني للعربي المسلم، مدلوله يحمل كل الصفات السلبية المعروفة وغير المعروفة بعد.