|
كل شئ عن الحب |
|
.... تستعد الأرض لابتلاع شمسها ، فتمتد الظلال ، ترسم فوق رخام الأرضية النظيفة خيالاً شاحباً ، لامرأة ينحني ظهرها قليلاً فوق شغلها الصوفي ، تحرك ذراعيها النشطتين المطويتين إلى جانبيها بانتظام متواتر . إنها " أم أيمن " أمي في مثل هذا الوقت ما بين العصر والمغرب ، تكون قد أنجزت كل أعمالها ، وعليها أن تستريح ، لكن قيلولة الظهيرة ما عادت تناسبها منذ أن ارتبك النوم فوق جفنها العاصي . لذلك فقد اعتادت أن تجلس فوق مقعدها المفضل ، تستسلم لأفكارها ، وتنقر رأسي صنارتيها بعضها ببعض ، تستهلك كرة الصوف التي تتدحرج أمامها ، تصنع ستراتها الدافئة ، تهديها لأفراد عائلتها صغاراً وكباراً ، في سلسلة أدوار لا تنتهي لصنارة دؤوبة لا تتعب . اعتدناها تملأ مكانها في ركنها الذي لا يتغير ، لا تستريح إلا وهي متربعة فوق هذه الأريكة بالذات ، ذلك لا يبدو بعيداً عن المنطق ، فلكل منا مكانه المفضل تتجه خطوتنا إليه دون تعمد ، لكن الغرابة في أنها باتت تنام أيضاً فوق تلك الأريكة ، التي تحتل مكانها إلى الزاوية اليمنى قرب الباب ، لماذا ؟ كم تساءلت ؟ ولم أجد تفسيراً مقنعاً . أمي التي هجرت غرفة نومها ، متعللة ببرودتها شتاء وحرارتها صيفاً .. تبدو حجتها واهية ، كأنما لم تكن غرفتها هي نفسها منذ يوم تزوجت وحتى لازمتها تلك العادة الغريبة . أهز رأسي مؤكداً لها أنني أصدقها ، لكنني أواري نظراتي المشككة عن مجال تحديقها بي ، مضطراً أتجاهل مراوغتها ، تاركاً لها متسعاً لما لا تحبذ تفسيره . تشي ملامح أمي بحسن سكن قسماتها ذات مرة ، لها عينان واسعتان ، تسكنهما سحابتان رماديتان ، يمتد طولها الفارع ، وينحني قليلاً عند كتفيها الضامرين ، شفتاها الرقيقتان المجعدتان نادراً ما تنفرجان ، تكز على أسنانها كأنها تطبق على صرخة تخشى أن تفلت منها ، أصابع كفيها طويلة ونحيلة ، لكن مفاصلها المتضخمة ، تبدو كعقد في حبل مرساة ، أشفق عليها من شغل الصنارة ، فتقول لي : " إنها تجعل الوقت يمر " . أمي قارة حنان جفت ، تقرح جفناها ، وتساقطت مع الأيام التي مرت أهدابها ، فيما مضى لم تكن كذلك كانت مليحة هدباء ، وكانت قوية البنية ، لطالما حملت السجاد الثقيل ، ونقلت قطع الأثاث دون أن تطلب المساعدة ، وكانت متينة أقرب في قوامها إلى السمنة . كم تغيرت ! نحل عودها ، واختفت ابتسامتها ، وصمتت شفتاها ، إلا بما يجعل الحياة تسير . مرت بها عواصف كثيرة لم تكسرها ، استطاعت أن تجعل قاماتنا تنمو نحن أولادها الثلاثة ، في زمن حوى كل شيء إلا الطمأنينة ، لم أجدها يوماً تشكو ، لم يهدها موت أبي ، ولا هجرة " أختي " وحيدتها إلى كندا ، كما هدها غياب صالح " أخي الصغير " . في ذلك اليوم البعيد .. منذ أعوام كثيرة مضت .. قبل يدها ، ونظر طويلاً متملياً في عينيها ، ثم اختفى أين ذهب صالح ؟ لم نجد الجواب كما لم نجده ، سألنا عنه ، كنا كمن يبحث عن إبرة في كوم قش . بكت أمي حتى جفت مآقيها . لم تصدق أنه تركها دون أن يبدي أسبابه ، بعض التغيرات طرأت عليه ، هواتف يستجيب لها هامساً ، ليخرج بعدها دون أن يخبرنا عن وجهته أو ميقات عودتها ، تأفف يلازمه ، نزق يجعله لا يحتمل مزاحنا ، اعتراضات تحاصرنا ، ولحية تركها تنمو دون ضابط . قلنا له دون أن نعترض جدياً : " تبدو يا صالح أكبر من عمرك ، لن تثير اهتمام صبية بعد الآن " لم يرد ، وربما لم يسمع ، كان في أغلب الأحيان شارداً ، مرات كثيرة سمعت منه ملاحظة حول حياتنا التي لا تعجبه ، كنت أظنها فورة مراهق ، هل كان علينا أن نقلق وقتها ؟ وما أدرانا ! كان فتى في السادسة عشرة من عمره ، أقصى سعادته حين يفوز بمباراة يتحدى بها رفاق الحي . أعلم بأنه مفتون بلاعب الكرة " بيليه " ومن أجل تقليده لا يهتم لتلك الكدمات التي صارت جزء من ساقيه وذراعيه .. وكان أصغرنا . أتهكم من دلال الوالدة له ، متنصلاً من مسؤوليتي برعايته ، أقول لها حين يصفق الباب خلفه : " يا أم أيمن أفسدته قليلاً " كنت أراوغ ، ألتف حول الحقيقة دون أن أراها . بعد وفاة الوالد ، ومن ثم رحيل أختي و زواجي ، صار هاجسها الوحيد ، فرغ البيت إلا منهما ، شغلها ذاك الصبي المدلل - كما كنا ندعوه - فقد كانت تعتني به كأنه لن يتجاوز عتبة الطفولة أبداً . فاجأها رحيله لفترة ، ثم هجم الحزن على قلبها ، وهناك أناخ حمله . تقرعني الذاكرة و لا أجد حيلة .. لم أجده . اليوم أخجل كلما تذكرت ظرفي الأرعن ، فلم يعد سوى نورسٍ غادر الشاطئ حاملاً سره ، ولا ندري متى يعود . أختي المغتربة .. أنا .. و أمي جميعنا نترقب رجعته ، لكن الأخيرة بالذات تكاد لا تنسى غيابه ولو لثانية ، حتى أنها لم تعد تغادر الدار .
تهجس بأنه قد
يعود كما غادر في أية لحظة و لا يجدها .. لا ترضى ترك المنزل ، ولا حتى لبعض
الوقت تقضيه عندي " سعادتي في بعد عام من غيابه لم تعد تأتي على ذكره ، فأحسب لثانية أنه قد سقط من ذاكرتها المثلومة ، لكن شكواها من القلق الذي لا يفارقها ، وغمامة الدمع التي تسكن بؤبؤ عينيها ينقض النظرية . منذ فترة طلبت من أمي أن أجدد لها أثاث الصالة ، اقترحت عليها بيعه وشراء آخر جديد ، رفضت ذلك قطعياً ، كل ما كانت تريده تنجيد المقاعد ، و تبديل قماشها الكالح البالي . " قليلاً من التغيير لا يضر " قلت لها ، لكنها أصرت على رأيها ، وحملتني مسؤولية اختيار القماش الجديد ، رفضت حتى الطواف على المحلات معي ، متعللة بأن صحتها لا تسمح ، وكنت قد اعتدت منها سلبيتها ، فلم أصر . استغرق الأمر شهراً ، قضته أمي في فوضى لا تحسد عليها . لكن أخيراً .. وصلت قطع الأثاث ، كانت كما توقعتها أنيقة ومختلفة ، وفيما كانت أمي تعد الشاي ، خطر لي أن أرتبها بنسق مختلف عما كانت عليه إمعاناً في التجديد ، و مع الستائر الجديدة سنخدع الجميع . وزعت المقاعد متقابلة على الجانبين ، ووضعت الأريكة الطويلة المفضلة لدى أمي في صدر الغرفة تحت النافذة ، ونقلت المنضدة التي تحمل جهاز التلفاز للزاوية اليمنى منها ، بمحاذاة شجيرات الفل خاصتها ، فمن النافذة ستطل على الشارع ، وستأنس بقرب نباتاتها المدللة .. بدت الصالة أوسع ، وحسبت أني أحسنت صنعاً .. جلست لاهثاً انتظر مفاجأتها . دخلت أمي تحمل فناجين الشاي ، وقفت تحدق ملياً بما حولها ، كوكبة الألوان منحتها ظلال ابتسامة .. تماماً كما توقعت .. جولة سريعة حائرة من عينيها ، ثم اتخذت مكانها إلى جانبي ، ناولتني فنجاني ، وبهدوء رشفت قليلاً من مشروبها الساخن ، لهج لسانها بالدعاء ، ثملت برضاها ، وهل تمنيت شيئاً آخر ؟ أريدها سعيدة . رشفة أخرى .. قليلاً من الصمت .. كثيراً منه .. تلكأت برهة .. ثم قالت : - الله يرضى عليك يا أيمن ، أعد الأريكة لمكانها قبل أن تعود إلى بيتك . وبصوت يكاد لا يسمع ، أضافت وسبابتها تشير إلى باب الدار : - لأنه يا حبيبي ، المكان الأقرب لكل قادم من هذا الباب .. |