|
|
|
|
إطلالة على قصيدة"أضاعـــــوني" |
|
|
سوسن البرغوتي
من الأغراض الشعرية التي تطرق لها شعراء المهجر الحنين، ورجع ذكريات طلل ساحر
أذاب القلوب في مكامن وخفايا نفس تتوق إلى ذلك الماضي الراسخ في نبض العروق،
وشوق إلى ملاعب الصبا والشباب. وقصيدة "أضاعوني" للشاعر والناقد د.مقداد
رحيم، لامست شغاف القلب وعبرات عائد من بعيد يجول أنحاء الوطن بسطور، تكشف عن
لهفة العودة التي لم تنعطب علاقتها بالأمكنة رغم المسافات والزمن، إلا أنه
يدّون بذاكرته بقعة صامتة تضيء تفاصيل مرآة تعكس على النص وجداً وانفطار قلبٍ
يتضور ألما ويرتبط بتاريخ وشم الانتماء. الحنين إلى الوطن الغائب في أمكنتنا والحاضر في ذاكرتنا، وجع يلامس واقع المرارة في ليالي الغربة، وفي قصائد شعراء المهجر بصفة خاصة، ممثلاً اتجاهاً أو مذهباً تجسد عذابات تجري بمسرى السحر، وتصرح عن مكنونات الألم في موضع النفس المنعزلة عن حلم الفتى وضحى الأشيب: غابَ عن الورى ورأى لهُ وجهينِ في موج الضحى الأشيبْ تكدر صفاء نفس الفتى ، من عطش إلى حلم ما كلّت أيامه من الحنين إلى ورود نبع لا ينضب، مليء بذكريات الطلع على ضفاف نهر دجلة: النخيل. يحلمُ بالـمحبّةِ والهوى وطناً على أنخابِهِ يشربْ
وهاهو يَستميلُ الصحْبْ ويصنعُ مركباً ألواحُهُ سَعَفٌ ويفرحُ إذْ يسيرُ النهرُ بالمركبْ تبرز العبارات من معارض الصور الشعرية، تكمل إيقاع الأنّة والبحّة المختلطة مع عناق الأفلاك في السمر بإغماءة روح لا تبارح شكوى البعد والحرمان. فتىً يـَمشي على أطرافِ أنـملةٍ ويخفضُ صوتهُ ويعانقُ الأفلاكَ في سمَرٍ حسن اختيار المدلولات التي تشير إلى مواطن تأوه الشاعر لمعشوقته الأبدية دجـلة منذ غفا طفلاً على أكتافها. إيقاع يجسد حالة حب دائم أقرب إلى الروح في الجسد منه إلى ضياع الذات في مشاهد تطعن الحبيب بخنجر مسموم يحصد الألم يوم فر منه السلام، وعصف به الخراب، فلم يعد أمام العاشق إلا أن يسترجع اكتمال الصورة في أبهى حالتها. القصيدة أقرب إلى الاستصراخ ونزعة الارتماء في حضن عراق النخيل بسلاسة لغوية، تخلو من تضاد المعاني في مضمار رجع الفرح المأمول. لعل ما أشار له ابن الرومي بأبيات عن بغداد وقوله: بلد صحبتُ بها الشبيبة والصبا ولبستُ ثوب العيش وهو جديد فإذا تمثل في الضمير رأيته وعليه أغصان الشباب تميد وقال أحد الشعراء: ذكرتُ بلادي فاستهلت مدامعي لشوقي إلى عهد الصبا المتقادم حننتُ إلى أرض بها اخضرَّ شاربي وقُطَّـع عني قبل عقد تمائمي عودة الشعراء الى مرحلة الفتوة والصبا، واستبدالها بواقع يلم بموطن تدرج على أمواجه موالا لأجمل الألحان، هو المخلص المتخيل من معاناة تشوه الصورة المثالية أو الذاكرة المستفيضة بجمال ما مضى ويا لهُ مِن كَربْ وعينٌ للفتى حفظتْ خيالاً باهرَ الألوانِ والأصواتِ عانى الشاعر الغربة وطار بلا أجنحة يعانق الشوق القديم يلملم غبار الطلع من معظم قصائده وينثرها مبهوراً برائحة الهوى المقصورِ. وينهل من أحبتهِ الذي يدري ولا يدري ولكنَّ الهوى المقصورَ مقصورٌ على الـمَسْلَبْ بالرغم من أن موضوع القصيدة هو التيه، وأن الشاعر مقداد رحيم استعرض أماكن وأحداثاً تثير شغفه وتعلقه بها، إلا أنه ترك مساحة للقارىء يستشف المسبب لهذا الفراغ الوجداني والضياع. مجمل القصيدة كانت تصريحاً بولع الشاعر، وجاءت الأبيات التالية المعنى المتضمن ما يود التصريح عنه: فتىً ما سرَّهُ وطنٌ يسلُّ السيفَ مجنوناً ويفخرُ بالدماءِ تسيلُ.. بالأرواحِ تُـزهقُ.. بالـمُنى تُـنهَبْ في عرض تلك الأبيات يحرص الشاعر على وصف حالة الوطن الذي ناله الدمار والتخريب بسبب الحروب المتتالية التي شهدها وطنه، ولكنه يستشف مسبب هذا التحول البشع لذكريات يحتفظ بها في شوقه القديم لأماكن جميلة أثارت شدة الانتماء لديه. له الشوقُ القديمُ هناكَ الماضي الجميل بقي في عيون تتطلع إلى عودة المعشوق إلى حالته الجمالية التي هبت عليه رياح عاتية وشيء من التمني هو ما تبقى... لا يسلوهُ لا يسلوه فإن طرأت حالة تشويه المحب، تبقى ملامح الشوق الجميل المتأصل هي الثابتة والغير متغيرة. في ختام القصيدة يعود إلى استصراخ ضمني الضمائر لاسترجاع ما فقده: أينَ الكرخُ أينَ رصافةٌ والدجلةُ الأعذبْ؟ وهذا المقطع يذكرني ببيت للشاعر المهجري العظيم إيليا أبي ماضي،حين قال: ما بال قومي كلما استصرختهم وضعوا أصابعهم على الآذان حنين ومناداة من بعيد تستنهض الضمائر الغافية في استرجاع الجمال السليب، والحب لبلاد الحب وعبق التاريخ، فمتى يستجيب القدر، إن كان هناك إرادة تفوق قوة قوى الشر والسلب واغتصاب وطن في كل ليلة من ليالي ألف ليلة وليلة ألف مرة!. |
|
|
18/11/2005 |