رسائل إلى امرأة نائية" كل عام وأنت أقرب"

عدنان ابراهيم الصباح
الرسالة الأولى

سيدتي البعيدة

لست اسميك حتى لا اسلم كل أوراقي فلا يعلم احد ماذا يخبيء الغد لنا فقد أجد نفسي مضطرا لمفاوضة احد ما على التنازل عن الحلم بك فليبق اسمك سرا وليبق عنوانك سرا حتى يصبح بامكاني الاحتفاظ بك علنا ذات يوم.

لست اسميك تيمنا بالحالة التي أعيشها بانعدام قدرة الفلسطيني على تسمية وطنه باسمه الحقيقي أو قدرته أحيانا على تأكيد علاقته بالقدس بل والاسوا من ذلك فنحن لم نعد قادرين على زيارة شواطيء غزة ولا تملك غزة فعل ذات الشيء مع زيتون جنين, كيف اسميك ولست بقادر على تسمية النور لبيوت الفقراء والأغنياء في غزة هاشم ولا ادري كيف سيتدفأ هذا الشتاء سكان بيوت الصفيح في مخيمات غزة.
سيدتي البعيدة

ها أنا اليوم اكتب لك هربا من عجزي لعلي أحدث نصرا على ارض معركتك أو تتنازلي عن مطلب فعل الغبطة التعجيزي وتقبلين بفعل الابتسام أو الفرح الطاريء بين الدمعة والدمعة, اكتب إليك لأني لم اعد قادرا على إيجاد القاريء الضروري لأكتب إليه فالسياسيون في بلادنا لا يقراون إلا كتب التكليف وأوراق التفاوض ورسائل البيت الأبيض أو أي من قصور الحكام الذين لا يتقنون العربية أبدا إلا من باب الدخول إلى بيوتنا عنوة من الأبواب ورغما عن أنوفنا.
سيدتي كنت قد عزفت عن الكتابة إليك من قبل لسبب بسيط وهو أنني لا املك القدرة على نقلك إلى حالة الغبطة التي تحلمين بها والتي اعترف الآن علانية أمامك أنني لم افهم معناها ولست بقادر حتى اللحظة على فعل ذلك؟
وجدت من الأفضل أن لا اكتب لك
أبدا وان اشغل نفسي بالكتابة بما افهم به لعل سياسيا فلسطينيا يقرأ ما أكتب ويكتشف أن التفاوض مع من هو أقوى في ظل غياب كفتي الميزان ووجود كفة واحدة تقنع العالم قصرا أن ميزان العصر الحديث هو من كفة واحدة هي نوع من الانتحار العلني.
عبثا حاولت القول أن من يفاوض عينا لا ترى سواها على قاعدة أن الأقوياء هم من يكتبون التاريخ ويرسمون الخرائط لا يمكنه أن يتوقع من هذه العين أن تراه.
اكتب لك يا سيدتي البعيدة
لأن أنا بوليس أبعد بكثير من بعدك أنت ولأن الذي اختارها كان يقول لنا نعم " أنا بوليس العالم" وعليكم أن تنصاعوا لأوامري.
من اختار أنا بوليس يعرف جيدا أنها المدينة التي أعلن فيها ملكية الولايات المتحدة للقادمين الجدد من البيض وانتهاء
عصر أصحابها الأصليين فهل تعتقدي أن ذلك غاب عنهم وان مثل هذا التفكير لم يكن حاضرا وهم يختارون غرناطة للتفاوض مع كل العرب, أليس من الأسهل علي الآن أن انشغل بمفاوضتك عن إمكانية الغبطة والدهشة والفرح بدل التفاوض على أرض منهوبة أصلا ولست أملك ما أفاوض عليه عداها وعدانا.
لا تغلقي بوابات الأوراق فلا زال لدي ما أقول.
والى لقاء

الرسالة الثانية

سيدتي البعيدة

أيتها الأنثى الملهوفة بحثا عن دفقة غبطة لا يدري مهووس مثلي باستراحة على كتف الزمن الدامي من أين له أن يشتري لك وصفة الغبطة هذه وكيف يمكن تفسيرها وما هي الجرعة الضرورية منها كي تنتشي بك الدنيا أو تنتشي أنت بها وأظن انك تسعين لهدف انتشاؤك أنت ولتذهب الدنيا عداك إلى الجحيم ولست بغاضب من ذلك فعالم رعاة البقر هذا هو عالم الذات الأنا والمطلقة بلا حدود.
مثقل أنا بهم الصحو من النوم على طيف ابتسامة ولو باهتة وكيف لي بذلك وغزة موغلة بالوجع وموصدة أبوابها والقدس بعيدة بعيدة بعيدة ولم نعد نذكر جيدا رائحة حواريها ولا إطلالة المصلين يوم الجمعة أو يوم الأحد وتتزين جدران البراق بقبعات المتدينين اليهود يوم السبت في زمن بات علينا أن نعترف بان حواري القدس يهودية, وان البلاد التي أنجبت ولا زالت زيتا عربيا خالصا, البلاد التي صاغ أبنائها من دمائهم مظلات عكسية ليصعدون بها إلى السماء عساهم يكتبون بحروف عربية أن الأرض التي هبطوا منها إلى السماء لا تتقن أبدا لغة أخرى غير العربية هذه البلاد اليوم مطالبون نحن
بأن نسلم للغزاة بأنها مقبرتنا لا جسدا فقط بل وحتى حلما وتاريخ وان نكتب لهم حفرا بدمنا وعلى جلودنا أنها ارض ميعادهم لا أرض منبتنا.
سيدتي البعيدة
لا تغضبي مني فما أقوله لا يعني أبدا المقارنة فحين يصبح تراب ا
لوطن بارد جدا يبث البشر عن دفء بعيد ولست اقلل من دفء امرأة بكل أنوثتك لكنه الوطن يا سيدتي الأقدر على احتوائنا ولك أن تتخيلي كيف يمكنا أن نصحو يوما على وجه شمس قلنا بأنفسنا أنها تشرق على ارض لغتها ليست عربية وان الفراش الذي نغفو بين دفتيه مستأجر لأمد.
تدرين أنهم في إعلامهم يسموننا السكان الفلسطينيين وهم يشبهوننا تماما بالطارئين أو المستأجرين ويجرأون اليوم على طرح فكرة مبادلة الأرض والسكان ويجرأ إعلامي ما
لأن يقول لابن المثلث أو الجليل لماذا ترفض الانتقال إلى السكن بالدولة الفلسطينية المنتظرة سوى انك ستخسر التأمين الصحي والضمان الاجتماعي دون أدنى اعتبار لحكاية الوطن التي يبدو أن البعض بات يعتبرها ضربا من الماضي, وهناك اليوم من يقترح تحويل أبناء الناصرة إلى جالية أجنبية فوق ارض آبائهم وأجدادهم.
لم تبادل قطعان المستوطنين في الولايات المتحدة أصحاب الأرض من الهنود الحمر بأحد أو مع
أحد بل أراحوهم واستراحوا واليوم في القرن الواحد والعشرين وفي الزمن البوشي من الديمقراطية وحقوق الإنسان الزمن الذي ول فيه بوش معاني الكلمات إلى غير مضامينها وجعل من الاحتلال تحرير ومن قتل البشر ونهب خيراتهم حماية للحريات وحقوق الإنسان, اليوم وجدوا طريقة جديدة لتنفيذ ما فعلوه قبل خمسة قرون في الولايات المتحدة آملين أن يكرروه في بلادنا وعلى رؤوسنا.
كنا نحلم يا سيدتي
بأن يعود ابن مخيم الرشيدية إلى الوطن فإذا بنا أمام لجوء جديد لمخيم جديد أسموه الرويشيد ومنه إلى مخيمات فردية وبعيدة لا تبقي للوطن مساحة في القلب الموجع من برد المنافي المتغيرة, حتى أصبح الفلسطيني وحده من دون بني البشر من يبدل الأوطان على طريقة المواد التي تستخدم لمرة واحدة رغما عن أنفه وليس من باب الترف.
أعود لك في رسالة قادمة
لعلنا نلتقي بعيدا عن الورق


الرسالة الثالثة

سيدتي البعيدة

أيتها الجميلة بلا حدود فالبعد يترك للإنسان الحق بأن يصوغ جمالاته التي يحلم بها كما يريد ولذا حين يكون الوطن بعيدا يكون أجمل وحين يقترب نغرق في تفاصيله ولا نملك القدرة على الاحاطة بروعته حين يكتمل وتذوب التفاصيل.
منذ أمد لم يصدح هاتفي بنغمة رنينك الفيروزية ولم يأتيني صوتك وكأنما بك تعتقدين أن العيش في الأرض المحتلة شرط لعدم الاستماع إلى الموسيقى وشرط لعدم الالتفات للقلب أو هو إدراك منك مسبق لواقع مواطن مثقل بهم الاحتلال فمن أين له القدرة على فعل الحب في زمن وارض لم تعرف منذ أمد سوى الموسيقى الجنائزية.
منذ أمد بعيد لم
أعد ادري أن إغفاءة امرأة مثقلة بهم الذات أهم من صحوة الماء الهارب من دفء البحر الميت عكسا إلى بوابات الملح على ارض لا يسكنها المثقلون بغبطة الحرمان من التراب الدافيء فانعمي بنومك عسى للنوم أن يكون غبطة المهووسين وللموت أن يكون غبطة المحرومين.
أيتها السيدة المورقة بالورد حين تلتهم جرافات المستوطنين أشتال الحنون من رؤوس التلال في فلسطين... أنت لست هنا ولم تعيشي لحظة واحدة يشعرها الفلسطيني وحده, الفلسطيني المنشور على بوابات الأرض المصطنعة, الفلسطيني المملوء بردا من منافي الأرض الموصدة في وجهه ليس رغبة بعودته لمنبت حنونه المهروس بجنازير الدبابات ولكن رفضا لوجوده على وجه الأرض حتى لا يجد مستضيفيه فجأة منابت أخرى للحنون في مخادعهم الفلسطيني الذي يسعى الأعداء لدفعه لحالة إدمان المنفى عسى للمنفى أن يصبح وطنا وللوطن أن يصبح منفى وحين يوجعك الوطن وعلى ترابه تستعيد ذكريات النفي وفرح الانتظار تبدأ الكارثة والحالة في بلادنا كارثية لحد الاقتراب من هذه اللحظة والا من أين لشعرائنا الذين تغنوا كثيرا بالخضرة الجميلة للحقول وببيارق البرتقال قبل بياراته أن يتغنوا الآن بحنين لذكريات المنافي ويسعدون باستعادة الوطن عن بعد أو باستعمال الوطن محطة للانتقال إلى الوطن المخفي بين جوانح خجلة من فعل الموت على ارض الحب, كنت أرى أن الشعر لحظة اللقاء بالوطن سيكون منشورا على حيطان الفقراء أكثر فإذا به متخفيا في خزائن المثقفين بألف قناع وقناع ولم ذلك إلا
لأن حالة اللقاء لم تكن مع الوطن على أرضه بل مع ناسه على ارض لا زالت تهزها بساطير المحتلين من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها وكيف لا وأشجار الكرمل لم تعد تذكر المرة الأخيرة التي صدحت بين أوراقها أغاني الرعاة العشاق ولا آخر مرة فر على جذوعها شاب عربي بحروف عربية الحرف الأول من اسم حبيبته.
الكرمل ما عاد الكرمل ولا عاد المغني يستخدم أشجاره مظلة للحلم والدروب إليه غريبة والغناء له فيه صار إليه والبحر الميت امتد طويلا ليصل إلى شواطيء غزة وهناك كل الصيادين جياع فكيف لهم أن يصطادوا سمكا في بحر مات على بوابات دمهم والموج امتد إلى الخلف وكل قراصنة الدنيا ينتظرون قبالة الشاطيء خشية أن تصل سمكة لفم طفل تمكنه من مواصلة العيش والعودة بالحنون ولغته إلى أرضه.
سامحي سوداويتي ولا تظني بان ذلك إمعانا في الابتعاد عنك بل على العكس انه الإصرار على الإتيان إليك.
والى لقاء


الرسالة الرابعة

سيدتي البعيدة

ها نحن نقترب من نهاية عام وبداية عام وفي كل مرة أتذكر سخطي على الشاعر الراحل نزار قباني لأنه وجد من يقول لها وعلى رؤوس الأشهاد" كل عام وأنت حبيبتي " وأنت لا زلت بعيدة ولا زالت لغتي اضعف من أن تملك حروفا تحمل كل تلك المضامين وتصدح بلحظة افتراق العام عن العام بكل تلك الموسيقى, كل عام وأنت في طريقك إلى هنا, كل عام والمسافات تضيق ما بين الشهقة والشهقة, كل عام ودربي نحو الاندهاش بروعة لقياك اقرب.
ترى أي طقوس يمكنني القيام بها على بوابة عام آخر يكرر ما سبق من سفر قسري من منفى إلى منفى يعيشه الفلسطيني البعيد ورغبة لم تعد مدفونة لدى أجيالنا الناشئة للتخلص من عبء الوطن بالهروب إلى جلد الأعداء احتماء بهم منهم, أي احتفالية يمكنني أن التقي بها عامي الجديد وعشرات الآلاف من شبابنا يعرفون أعياد الميلاد بعطلة القنصلية الأمريكية أو مثيلاتها وعدم استقبال طلبات الهجرة أو الرد عليها.
كل عام وأنا أقل تشاؤما وأقل خوفا على الغد من الغد وأقل اشتعالا بنار القربى من القربى بغض النظر عن اللون أو تسمية السلاح أو تبرير الموت لمن لم يمت بعد من كل الجهات.
كل عام وغزة تورق اقترابا والخليل تمتد إليها وتنتحر المسافات المزروعة موتا بينهما, وبلادي لا تسقط فوق آذان أبنائها لغة لرفض الآخر بل تورق ألوان علمنا لتشكل معا رقم واحد رمزنا لتلون وحدتنا وإدراكا أن غياب لون من ألوان العلم يلغي وطنيته كليا.
كل عام وأنا أحلم أن أتمكن على بوابة عام قادم ما بان اصرخ عبر الريح لك علنا " كل عام وأنت مصدر غبطتي" حين يمكنني الإفلات من كوابيس الموت والاحتلال والحدود والسدود والجدران وقطعان المستوطنين والاحتماء بك من برد الوحدة لا من برد المحتلين والأعداء.
كل عام و
أنت أقرب, تلك أمنيتي على بوابة العام الجديد لعل اقترابك من دنياي يخفف وطأة الألم الذي نكاد ندمنه من فرط ما نعاني, كل عام وأنت اقرب, لعل اقترابك يجعل أولئك المتجهمين يخففون من تجهمهم, ولعل اطللالتك على دنياي تدفع بهم أيضا للبحث عن ما هو جميل في هذه الدنيا بدل الإمعان في القبح وصناعته موتا للذات, فلست أدري كيف يفكر الفلسطيني الذي يقتل أو يعتقل أو يعذب أو يشوه فلسطينيا آخر لمجرد انه يختلف معه في الرأي وكيف يمكنه مواصلة للعيش بعد أفعاله تلك.
كل عام وأنت
أقرب, واقترابك يعني اقتراب الجمال من حياتنا, واقترابك يعني اقتراب الطيبة والفرح والدهشة, ونحن يا سيدتي لم نعد أبدا ندري من أين للفرح أن يكون وكيف يمكن أن نمارسه حتى لو وجدناه, ووحدي أتقن سرقة الهمس إليك هربا منهم وفي غفلة عنهم وخوفا من بشاعتهم كل الذين لا يعرفون لأنامل اكفهم مهنة سوى مهنة القتل, كل أولئك الذين لم يدربوا اكفهم على الرسم أو العزف أو الحراثة أو غرس الأشجار أو مقاومة المحتلين.
اكتب لك لا بهدف إغاظتهم بل بهدف إثارة غيرتهم لعلهم يدركون حجم روعتك ويحاولون مثلي البحث عنك لعلك تقتربين من دنياهم وتجملينها مرة واحدة عسى للبغضاء فيهم أن تموت وان يستفيق الفرح والحب في أقوالهم وأفعالهم.

دمت ملاذي من البغضاء رغم البعد
والى لقاء

الرسالة الخامسة

سيدتي البعيدة

لست اعتذر لك على اقتحامي انفرادك بذاتك مع ذاتك بحثا عن ذاتك لأني اعتقد انك وحدك من دون نساء الأرض ملزمة بالاستماع إلي وان عندك معي كل الق بنفض همومي حين يثور البحر لا يجد سوى الموج متنفسا له منه وبه.
ملزمة أنت لأنك صرخت بي يوما
أن أصمت ولا تعكر صفو وحدتي وصلاتي ودعني أصلي لذاتي كما ابغي وحين انتهي سأناديك, ولست بقادر على إنهاء نوبتي العسكرية الدائمة على حدود وحدتك ودون أن ادري متى يجوز لي أن أمارس فعل الارتخاء لأغفو أنا أيضا فالجندي المورق في تضاريسي جسدا وروحا وجد لمواجهة الأعداء ومقاومة المحتلين لا لصياغة فعل انتظار العشق لامرأة لا تورق حتى بحروف الوجد بل تتقن إشعال النيران وضخ البحر إلى الموج.
ملزمة أنت يا سيدتي للاستماع لتقاسيم وجعي لأنه اكبر من أن اشكوه لغيرك أيتها الباحثة عن الغبطة لدى رجل لا يعرف حتى معناها اللغوي عن رجل ظل لأمد طويل يعتقد انه يملك قضية وطنية موحدة
وواحدة بكل تفاصيلها وجزئياتها وانه فرد من شعب موحد خلف نفس القضية فإذا به اليوم أمام فيض لا ينتهي من قضايا جزئية وموزعة ويتوزع عليها مقاولين منعزلين يأخذونها لحسابهم دون أن يأخذ احد ما القضية برمتها مقاولة واحدة, نحن يا سيدتي وبحمد الله لدينا هيئات ومؤسسات وقوى وشخوص ينشغلون بشؤون البيئة وشؤون الجندر وشؤون الطفل والجدار والاستيطان وحق العمل وحق التنقل وحق التعبير وحق الإنجاب وحق التدخين وحق العودة إن ظل له مكان في أجندة الممولين لفروع الحقوق المختلفة وخجلوا من عدم الاهتمام بقضية اللاجئين الإنسانية على طريقة رئيس وزراء المحتلين أنفسهم الذي بات يتقن البكاء على اللاجئين أكثر منا أحيانا في حملة للتعمية ليس لها سابقة في التاريخ.
بعضنا ينشغل بحق الصلاة في الأقصى وهل إذا سمحوا لنا بالصلاة ينتهي الاحتلال أو هل نضمن أن يسمحوا لنا بتكرار ذلك في الجمعة القادمة من نفس الشهر ونفس السنة ومن نفس الطريق والبعض الآخر ينشغل بإطلاق سراح الأسرى الأطفال أو النساء وهل إذا فعلوا ينتهي الاحتلال والاعتقال.
اعتادت الشعوب المقاومة على أن تدير معركتها الوحيدة مع الأعداء على قاعدة الخلاص منهم لا من جزئيان أفعالهم إلا نحن نلتهي بإحداثيات المحتلين أكثر من انشغالنا
بمسألة وجود الاحتلال نفسه بل ونشتكي إليه عليه ونتقاتل بيننا بشتى الأشكال والسبل باتهامنا لبعضنا من كل الجهات ونتصارع بين متهم ومدافع عن ذاته والاحتلال منشغل بقضم الأرض حجرا تلو حجر وسنتمتر تلو سنتمتر وتاركا لنا كل الأجواء المناسبة للانشغال بصراعات داخلية موجعه تى الموت.
وبعد ذلك تعتقدين أن لدي متسع من وقت أو مكان في العقل أو القلب لأصبح قادرا على أن أغلف هديتي إليك بمطلع العام بورق الغبطة الباريسي المورق حبا.
تعالي أنا وأنت معا ندعو الله فعلا لا ولا أن نتمكن يوما من إيجاد الفرصة لتذكر أن هناك شيء اسمه الحب على وجه الأرض.

لعلنا نلتقي

الرسالة السادسة

سيدتي البعيدة

اكتب لك هذه المرة من دمشق, من تلك البقعة من أرض الشام, والشام شامي كما تعلمين ووحدي من دون الدنيا من يرى في القدس دمشق وفي حيفا اللاذقية فالامتداد هنا ليس مكانا ولا زمانا وإنما بشرا حيا ينبض بنفس الروح وأنا اعتدت منذ أمد على ممارسة فعل العشق كلما اتيح لي مع حواري الحميدية وان أصلي على طريقة الجنود في ساحات المسجد الأموي وليس أمام المحراب فمن ينتظرون على البوابات من الأعداء كثر وليس لدينا ما يكفي من الوقت للاحتماء بدفء المسجد وتحت قبابه فان أنت لم تنتظر الأعداء خارج بيتك فهم حتما سيجدون الفرصة لإدارة معركتهم على أطراف فراش أطفالك وتلك فلسفة أعداء الشام شاما بالمكان وشاما بالعروبة التي تمتد لتصل إلى تطوان لتذكر العلاقة العجيبة بين زيارة ملك اسبانيا للأرض المغربية المحتلة وطرف الشام من الشرق حيث يملك البوشيون الحق باستباحتها ولا نجد نحن فرصة حتى للاطمئنان على نخلاتها وبوابة الشام الجنوبية حيث تستباح القدس علانية لشارون وأحفاده ولا نجد طريقا للوصول الى بلاط الساحات في الأقصى.
دوما كانت دمشق بوابة قوافل الفرح الى فلسطين والى بغداد ومن أرضها ابتدأ النيروز مسيرته ولست هنا ذاك العربي الرافع راية البداية حين أضاءت الدنيا بروعة العروبة وموسيقى إبداعاتهم ولكني اللاعربي المهزوم والخافض راية النهاية, اللاعربي القادم للاختباء من برد أنا بوليس وسموم القول في لغة اولمرت ونهايات الأرض بين ثنايا سخافات بوش, هنا أنا يا سيدتي في سبيل أن أقول لكل نساء الأرض من خلالك إنني مثقل بالبحث عن حضن دافيء يقيني برد البيت الثلجي الذي يسعى لتصدير ثقافة الكاوبوي إلى بلادي.
اكتب لك من هنا وأنا هارب من وجع اللحظة إلى ارض احلم مثلك أن تحمل لي بين ثنايا الغد رائحة الغبطة يوما لعلي أتعلم منها معنى تلك الكلمة, هنا يا سيدتي لا تنام المدينة وهنا على البوابة التي اجتازها يوما خالد بن الوليد تذكيرا بمجد لا يكفيه الحلم طريقا لاستعادته بعد أن أتقن أمثالي على الأطراف البعيدة فنون إضاعة طريق خالد على خارطة للطريق ليس لها حتى مجرد الورق مكان لرسمها بل هي فرصة لتغيير مسارها كما يريد من انشأوها كلما أرادوا لها مسارا آخر بعيدا عن حلمنا وقريبا من دمارنا.
الساعة الآن تتجاوز الواحدة بعد منتصف الليل ونافذة الفندق تطل على شوارع تعج الحياة لتذكرني بمدينتي هناك حيث الجرح حيث لا يعرف أناسنا ألوان شوارعهم بالليل من كثرة الأعداء الذين يفرخون جديدا ليس من خارج الجرح بل والمأساة أنهم باتوا يصوغون سكاكينا للجرح من داخله وأي السكاكين أحق بذبحي وإذا كان لا بد لذلك ان يحدث فلم يريد الجرح ان يذبح ذاته, لم لا نترك للسكين الغريبة متعة إماتتنا أحياء من داخلنا, لماذا يراد لنا أن نموت مرتين مرة لان الأعداء يريدون لنا ذلك والمرة الأسوأ لان سكيني هي أنا فلا أمل لمن تلمع سكينه على عروق عنقه أن يجد طريقا لاستعادة الدم طريقه نحو القلب لينبض بالعيش في ثنايا الرأس فكرا وفعلا.
سيدتي
لا تغضبي مني كثيرا فلا خيار أمامي من الصراخ إليك ومن هنا لعل الهواء النقي يقود حروفي إلى مخدعك بعد أن أغلق الجميع هناك كل نوافذهم وآذانهم لكي لا يسمعوا.
احرصي جيدا على أن تمسكي بأطراف الفرح البسيطة واحلمي أكثر بغبطتك ودعي نوافذك مشرعه عساها تأتيك ذات إغفاءة ما دامت اليقظة لدى البعض منا لا تأتي سوى بالموت.
والى لقاء