u0423368@uel.ac.uk

الإعلامية عدنية شبلي

 


مواليد عرب الشبلي في العام 1974.
درست والصحافة والإعلام  في الجامعة العبرية في القدس، حيث حصلت منها على شهادة الماجستير في العام 2001 عن رسالتها "العلاقة بين الخطاب والقوة وانعكاسه في التغطية الإعلامية لقتل الأطفال الفلسطينيين على أيدي الجيش "الإسرائيلي".

أشرفت عدنية شبلي في السابق على مشاريع فنية وثقافية مختلفة في كل من القدس ورام الله.
 نشرت العديد من النصوص في دورية "الكرمل" الصادرة في رام الله، إضافة إلى مجلات عربية أخرى كمجلة "أبواب"- لندن، و"الآداب" و"زوايا" الصادرتين في بيروت، وقد ترجمت بعض هذه النصوص إلى الفرنسية والإنجليزية والألمانية والعبرية وصدرت في مجلات وصحف مختلفة، من بينها:Esprit, NRF-Gallimard, Liberation, Inamo, Banipal, Mita'am.
كما
صدرت روايتها الأولى "مساس" عن دار الآداب في بيروت في العام 2002، وترجمت إلى الفرنسية في العام 2004 حيث صدرت عن دارActes Sud الفرنسية. كما صدرت حديثا روايتها الثانية "كلنا بعيد بذات المقدار عن الحب" عن دار الآداب- بيروت، أيضا. وكانت عدنية شبلي قد حازت في العام 2001 و 2003 على جائزة الرواية- مسابقة الكاتب الشاب، التي تجريها مؤسسة عبد المحسن القطان في فلسطين، ذلك عن روايتيها هاتين.

مؤخرا التحقت شبلي بجامعة University of East London، للعمل على أطروحة الدكتوراه حول دور وسائل الإعلام في ما يسمى بـ"الحرب على الإرهاب".
 

إيحاءات واهنة بالطمأنينة

(يوميات من فلسطين)

2002/3/29

 

  أفقت على اجتياح موجة شديدة من الضوء للغرفة، لدرجة اعتقدت فيها أنني لم أغلق الستائر قبل ذهابي إلى النوم ليلة أمس، ثم عدت إلى النوم.

  صحوت مرة أخرى على اهتزاز باب الحمام بشكل عصبي ومفزع، وتنبّهت بعدها لصوت هطول المطر وارتطام قطراته بجدران البيت وزجاج النوافذ، فانتابني خوف شديد من أن يجرف المطر بيتي. هل معقول  ذلك! ثم عدت أنام.

  صحوت نهائيا الساعة الثامنة وثلث تقريبا، ثم بدأت مباشرة بحساب مجمل الساعات التي نمتها، مع إنقاص الوقت الذي صحوت فيه، وحاولت إقناع نفسي بأنها كانت سبع ساعات، ذلك كي أنتحل إحساسا بالراحة الجسدية فأمضي في يومي.

  وشعرت بسعادة عندما دخلت إلى المطبخ ورأيت أن الجرن يخلو من أية أوان ٍ عليّ غسلها. يبدو أنني أحيانا إنسان لا بأس به، قادر على أن يفعل بعض الأشياء التي تعود بالخير عليه لاحقا، إذ أنني عندما نظفت المطبخ عصر أمس لم أعرف أن ذلك سيسبب لي مثل هذه السعادة في صباح هذا اليوم. لكن هل يعني ذلك أنني لم أستخدم منذها أي صحن أو سكين أو حتى كأس؟! ألم أتناول أي طعام منذ ذلك الوقت؟!

  ثم عدت وتذكرت أنني كنت مدعوة ليلة أمس إلى العشاء؛ أجل، أكلت. وعدت أشعر بالراحة والطمأنينة مرة أخرى.

  إبريق القهوة على النار، ثم دخلت إلى الحمام. فتحت الحنفية وراحت المياه تنزل بثبات وإصرار وبرد. عليّ غسل وجهي بالماء البارد كي أغلق مساماته، وهذه الرغبة في إغلاقها تعود في الأساس إلى ما أخبرتني به سيدة كانت تجلس معي في السونا، وهو أن القدس مدينة قذرة جدا والتواجد المستمر في السونا يؤدي لاحقا إلى تفتح مسامات الجلد  وهكذا إلى تسلل الثلوث إلى الجسم في طريق العودة إلى البيت.

  كانت المياه لا تزال تنساب باردة. انتشلت بعضها ورفعته إلى وجهي؛ عندها رأيته للمرة الأولى ينعكس في المرآة المعلقة فوق الحنفية. يا إلهي! ما أبشع شعري، كأنه وضع طوال الليل في قالب على شكل مثلث.

هذا هو. لن أصحو أبدا وأجده مصففا مثلما عندما تصحو أغلب الممثلات.

  ثم رأيت قليلا من السواد تحت عينيّ. عدت ووضعت بعض الماء عليهما علّه يزول، وبعدها جففتهما ببطء وبلطف، لكنه بقي. بعد تدقيق يائس، استسلمت، ورحت أرى فيه إيحاءات واهنة لعينيّ تلك المرأة.

2002/3/23

  لا أعرف ماذا كان اسمها ولكن اسمها كان ربما سلمى. التقينا بها بينما كنا، أنا وصحفية فنلندية نزور مخيم بلاطة.  كان كل ما يبدو منها هو سواد شديد تحت عينيها، لا يتماشى مع نشاطها وحماسها الجسديين، فيبدو كما لو أنه مجرد خطأ في المكياج.

  جلست إلى جانب كومة من الأغطية يصدر من عمقها أنين مفزع وراحت تطبطب عليها دون فائدة، فيما تحيط بنا العتمة من كل جانب. حتى المصباح المضاء والمعلق بالسقف بمسمار، كان يبعث بظلام وبرودة وإحباط إلى مكان جلوسنا. ثم أخذت تتحدث عن ليلة اقتحام الجيش الإسرائيلي للمخيم وهكذا إلى بيتها، بصوت لا يمت إلى هذا العالم بصلة، مشيرة خلال ذلك إلى الطاقات التي فتحها الجنود بواسطة المتفجرات في جدران بيتها، تصرخ من حين إلى آخر باتجاه أحفادها وزوجها المتكوم تحت الأغطية كي يهدءوا حتى تََفهَم ما الذي نريد الاستفسار حوله. صراخها والسواد تحت عينيها كانا يوحيان لا محالة إلى تعب شديد هي لا تخضع له ولا تعترف به أساسا. إنها تتصرف بمسئولية، تحاول الإمساك بزمام العدم والدمار ومن ثم الإصرار على أن هنالك شيء ما يستحق العيش من أجله. بعد وقت، وعلى أثر طلب الصحفية، أخذتنا في جولة لرؤية الحفر التي لم يثَمِّمها الجنود، لأن البيت احترق فجأة إثر إصابة خط الكهرباء المركزي بشظية من إحدى القنابل التي ألقوا بها داخل البيت. وهكذا فروا هاربين، تاركين خلفهم النار تشتعل في حطام ليس مكتمل.
 هي وأبناءها وأحفادها أجبروا على إخلاء البيت لحظة اقتحمه الجيش، لكن زوجها بقي في المنطقة يراقبه، وعندما رآه يحترق أسرع يحاول إطفاءه، وعبثا. أما هو فقد اختنق وأغمي عليه لكنه لم يمت، فقط حدث شيء ما لدماغه بسبب انقطاع الأكسجين عنه لفترة طويلة، وفقد عقله.
  تصعد سلمى الدرج أمامنا لترينا آثار اللهيب، والطرحة البيضاء فوق رأسها لا تعرف راحة مثل روحها، فتهبط وتنزل وتهب وتواسيني بحلاوة ونعومة لا ترضخان لهذا البؤس الذي لا مخرج منه.
 كل شيء احترق. أوراقها الشخصية كلها احترقت وبطاقة هويتها أيضا، ويروعها هذا أكثر. تتحدث عن هذا غير مصدقة وغير مستوعبة أنها الآن بدون بطاقة، وأنا لا أترجم ذلك للصحفية التي بالنسبة لها كل هذا الدمار المادي أشد أهمية من احتراق بطاقة هوية. بينما لسلمى البطاقة كانت الشيء! ربما الشيء الوحيد والأخير الذي كان يعترف بوجودها كإنسان.

  تستدير لتهبط الدرج ونتبعها، والآن طرحتها البيضاء تصعد وتطير وتتموج بتثاقل، فأتأخر قليلا حتى تهدأ ويتسنّى لي النزول بدوري، وعندما يحين الوقت أخطو واضعة قدمي اليسرى فوق الدرجة الأولى، فإذا بها تتسلل تحت قدمي وأدوس طرفها. يا إلهي، ماذا فعلت!

  استدارت سلمى إليّ لأن طرحتها العالقة تحت قدمي قد شدت رأسها إلى الخلف. لم تقل شيئا ولم أعرف ماذا أقول. رفعت قدمي بسرعة وحاولت أن أمسك بها حتى أنفض قذارة حذائي عنها، بل عليّ أن أقبلها كأدنى حد؛ ودون جدوى. فرت. عادت تهرب في الهواء. كلاهما، سلمى وطرحتها كانتا قد ابتعدتا عني، بينما أنا أتلكأ داخل حرجي بخراقة.

2002/3/29

 لقد كانت تلك الطرحة الخفيفة تحفظ فوقها البياض الأخير من عتمة المخيم، وتبعث فيّ بمثل خفتها أمل واهن، فيما يملأني بياض الغيوم المتكدس في السماء بسأم شديد، يزداد في كل مرة أطل فيها من نافذة المطبخ الغربية، أبحث عن نهاية لها، ولكنها لا تزال تتحرك، غيمة خلف غيمة بلا نهاية وبلا دفء.

2002/3/25

 لا يهم كم يبدو هذا الإحساس بريئا، لكنه يأتي ذلك اليوم الذي يحسد فيه واحدنا حركة الغيوم المنسابة في السماء وحرية العصافير في الانتقال من مكان إلى آخر.
 أنزلت عيني من السماء وعدت أنظر إلى صف السيارات الذي كنا عالقين فيه عند حاجز بيت لحم. إلى يميني وقف رجال متراصون خلف حاجز حجري يقف أمامه جندي يقلب بطاقات الهوية بين يديه طالباً من كل واحد أن يفتح جاكيته ويرفع قميصه. لن أستطيع الوقوف هناك، أفكر، وأفكر بكل الطرق الممكنة المتبقية غير هذه الطريق، ودون فائدة.
 أحول أنظاري إلى اليسار هذه المرة، وأثبتها على بقعة وحل كبيرة لا يهدد سكونها شيء، وتبدو حقاً مثل قطعة شوكولاطة ذائبة ولذيذة. عندما أصل إلى البيت، أقرر، سأذهب لشراء شوكولاطة مع بندق ولوز. تعود الغيوم وزرقة السماء تنعكس على وجه المياه الموحلة، فتعود إلى ذهني صور حطام البيوت التي أصيبت من جراء قصف مدينة بيت لحم، حيث يبدو الدمار منذ الأزل وكأنه لم يأوِ نفسا حية ذات يوم، رغم أنني جلست قبل شهر فقط على شرفة إحدى تلك البيوت، وشربت ماء. بل كان للماء طعم بيتي، قدمته لي صاحبة البيت.

2002/3/28

  لم أنهِ فنجان قهوتي، وخجلت أن أقول ذلك للفتاة التي رفعت الصينية وابتعدت مع بقية الفناجين باتجاه المطبخ. قهوتي!
 عدت إلى وعيي وإلى جليسيّ، الصحفية الفنلندية وأحد قادة "حماس" السياسيين الذي استحم لتوه، حيث لا يزال شعره مبلول.
 قبل أكثر من ثلاثة أسابيع، في 4/3/2002 حاولت الحكومة "الإسرائيلية" اغتياله، فقام الجيش بإطلاق صاروخيين أرض- أرض على سيارته التي كانت تعبر أحد شوارع رام الله. هو لم يكن في السيارة إنما زوجته وثلاثة من أولاده، حيث كانوا عائدين من المدرسة إلى البيت. هو كان في البيت عندما سمع صوت الانفجار واحتار عن مكانه. ثم جاءه الخبر. خرج إلى موقع الحادث وكان قد سبقه إلى هناك العديد من الناس. شق طريقه بينهم واقترب أكثر، وأكثر. كان يريد أن يراهم، واقترب. لكنه لم يجد شيئا. كل ما رآه كان أجزاء لسيارة محطمة. لم ير أي شيء آخر. لم ير زوجته، ابنتيه وابنه. كانوا قد تحولوا إلى أشلاء.
 قال إنه في تلك اللحظات كان يقف صامتا يصلي داخله ألاّ ينهار، أن لا يفقد عقله. وحمله الناس بعيدا.
 في نفس الحادث قتل أيضا طفلان كانا يجلسان في السيارة الخلفية.

2002/3/29

 عدت إلى فراشي بصحبة قهوتي، بعيدا عن المطبخ وأفكاره. لكنني لا أنجح بالابتعاد، إذ بينما يركد الحثل في الغلاية، يعود الخدر إلى حواسي مصحوبا بذكريات الأيام السابقة، لا إراديا.

2002/3/24

 أقف بانتظار انتهاء الصحفية من الحديث مع أحد الرجال كي نغادر مخيم بلاطة. في تلك الأثناء سألت أحد الأولاد الواقفين قربي دون سبب، كم عمره، فدفع بكل كفه المفتوح أمامي وقال "5 سنوات." فجأة اقترب إليّ وقال أنه رأى جنديا "إسرائيليا" يدخن ويصنع دوائر في الهواء عندما ينفث الدخان إلى الخارج. كان الجنود قد احتلوا بيتهم أيضا خلال موجة الاقتحامات السابقة وحبسوا ثلاث عائلات معا في غرفة واحدة لمدة ثلاث أيام، قام على حراستها ذلك الجندي الذي كان من المدخنين، بينما الطفل لا يزال مبهورا حتى يومنا هذا مما كان السابق قادر على أن يصنعه من دوائر متعاقبة من الدخان.

2002/3/27

 عملية انتحارية ينفذها أحد ناشطي القسم العسكري لحركة "حماس" في فندق في نتانيا تؤدي إلى مقتل 29 إسرائيلي وإصابة العشرات ليلة عيد الفصح.
 أشعر بضيق شديد في صدري ولا أستطيع التنفس جيدا. لا أريد أن أتحدث مع أحد. لكن بعد عشرة دقائق أحاول الاتصال بصديقة لا أدري لماذا. يرن الهاتف من الجهة الثانية بدون تأثير.
 الشاب، الذي نفذ العملية، من طولكرم. في موجة الاحتياجات الإسرائيلية السابقة للمخيمات، قتل الجيش ما يقارب الخمسين من أهل المخيم واعتقل أكثر من ستمائة شخص، في فترة عيد الأضحى.
 يقول تشيكوف إنه إذا ظهر مسدس في بداية مسرحية ما، فلا بد أنه سيتم استخدام هذا المسدس في نهايتها. بينما في الواقع، إذا فاحت رائحة الدم هنا، فلا بد أنها ستفوح هناك.
 ومن هنا، في هذه الليلة، أدرك أن الاحتلال لم يحتلنا جسديا فقط، بل احتل ذاتنا وملأها ب" سهولة القتل".
 كل ما أحلم به هو ألاّ تكون أحلامي ببشاعة الحياة.

2002/3/26

 أنهينا العمل مبكرا. أوصلت الصحفية إلى الفندق وجلست أفكر في بقية يومي. كان أمامي ما يقارب ثلاث ساعات قبل المغيب، يمكنني التجوال خلالها، إذ مع قدوم العتمة يأتي الرصاص من داخل مقعد الحمام حتى.

رام الله؟!

 أشرت إلى اليسار ثم إلى اليمين، ومباشرة إلى اليسار وبعدها إلى اليمين. ثم يمين، ويمين، ويسار، ويمين، ويسار، ويمين، ويسار، ولا أنتبه لازدياد السرعة المتواصل إلا لحظة يبدأ المقود بالارتجاف بين يدي. 150 كيلو متر في الساعة بينما السرعة المسموحة بها هي 80. أنظر حولي في الشارع، وليس أنه لا يوجد شرطة مراقبة حركة السير، بل أنه لا يوجد حركة سير أساسا.
 إذاً أنا الوحيدة القادرة على الحركة، أستطيع عبور الحواجز ودخول نابلس، رام الله وطولكرم والخروج منها جميعا لأنه بحوزتي بطاقة صحافة مؤقتة تمنح (على مضض) للصحفيين الفلسطينيين حاملي الجواز الإسرائيلي، بينما هنالك أكثر من ثلاثة ملايين فلسطيني لا يستطيعون ذلك. محاصرين.
 ومع هذا السكون وهذا الفراغ إنما يبدو الحصار أكثر حقيقة.
  فجأة، حين التفت في إحدى المرات إلى اليسار، اكتشف أنني كنت أقود السيارة منذ وقت في المسار المعاكس.
 وهكذا بدل الإحساس بالاتجاهات حل إحساس بالغربة.
 والآن إلى أين؟!
 أقود السيارة ببطء في الشارع الرئيسي لمدينة رام الله. ربما صديقتي وأولادها التوأم!

 لحظة وصولي إليهم، بدأت تحدثني صديقتي عن الأيام التي قضوها في البيت محاصرين والدبابات متمركزة حول بيتهم، فشعرت أنني لا أطيق سماع قصص الحصار هذه أكثر. لكل واحد قصة ولا أملك إلا الإحساس بالعجز والسأم تجاهها. أستأذن وأقول أنه يجب عليّ المغادرة. ترافقني هي وابنتها وابنها إلى الخارج، فنعبر الحديقة ونتفقد الربيع والأزهار حول البيت، ثم نرفع رؤوسنا إلى السماء محاولين معرفة مكان العصافير هذه التي كانت تغرد، وبدت الغيوم قطنية خفيفة مقسمة إلى مربعات صغيرة، فأشارت إليها الصغيرة قائلة أن شكلها يبدو مثل الدبابة.
 لم أفهم ماذا كانت تقصد، ولتفهمني، دفعت بنفسها أمامي تقودني بنشاط إلى الشارع خلف باب الحديقة. عندما وصلنا أشرت بإصبعها الصغير إلى آثار الدبابة على الأسفلت. كانت الآثار تشبه شكل الغيوم. كأنما بحق مرت دبابة على السماء، جاعلة الغيوم تبدو على ما كانت تبدو عليه. قلت لها أن السماء تغار من رام الله وتريد أن يكون لها ما يوجد عندهم؛ أما هي فضحكت بخجل لخدعتي البسيطة والتصقت بساقي.
 عند باب السيارة وقفت صديقتي مكتوفة اليدين كأنما كانت تشعر بالبرد، عينيها تدوران كعادتهما من السماء وإلى الأشجار، وبينما هي كذلك، تأوهت فجأة ثم قالت: أنا تعبة جداً.
 ركبت السيارة وذهبت. لا أعرف ماذا كان يمكنني أن أفعل غير ذلك.
 قدت السيارة وفي رأسي تدور فكرة لمحاولة أخيرة للاطمئنان على صديقة تبلغ من العمر الثمانين عاما، على الأقل.
 عندما وصلت كانت رائحة البنفسج تملأ الحديقة. قرعت بابها. أغلب الأزهار كانت قد تفتحت. لا ترد. ورحت أكتب لها ملاحظة أتركها على الباب أو بين الأزهار. فجأة جاءني من الخلف صوت خطى بطيئة تبعها نداء: "يا آنسة صغيرة."
 ابتسمت ودرت برأسي. كانت امرأة كبيرة السن صغيرة الحجم ترتدي ملا بس تتلاءم جدا والموضة الحالية؛ تنورة فوق الركبة بقليل وجزمة حتى الركبة. قالت مبتسمة جدا أنها رأتني أقرع الباب، فقالت ربما تأتي لتخبرني أن الآنسة د. قد انتقلت إلى ملجأ للعجزة منذ أكثر من أسبوعين، إذ سقطت مغمياً عليها لأكثر من يوم دون أن يعرف أحد بذلك، وأعطتني عنوان الملجأ.
 الآنسة د. في الطابق الثالث، وصعدت معي إحدى الممرضات.
 كانت تجلس صامتة بصحبة عدة سيدات يشاهدن معا فيلما مصريا. كان شعرها طويلا على غير عادته، فبدت أكثر وحدة وإهمالاً. حتى نظراتها من خلف نظاراتها أوحت بالوحدة والاستسلام.
 تفاجأت هي ليس أقل مني، وسألتني مباشرة كيف عرفت بمكان وجودها. بعدما أخبرتها، لم يعد هناك موضوع للحديث. كان كل شيء حزين ومسّن. وددت لو أختطفها من هناك فأعزلها عن كل هذا. إنها د. الخاصة، لا إحدى النساء المسنات في الملجأ. لكنني رحت فقط أعلق عينيّ بشاشة التلفاز.
 بعد وقت مدت إحدى السيدات يدها باتجاه الأزهار البلاستيكية الموضوعة على طاولة في مركز الغرفة وأخذت تتحسسها، ثم تركتها قائلة: "خسارة أنها ليست أزهار حقيقية."

2002/3/29

 كانت الساعة تقترب من التاسعة، فأشعلت جهاز الراديو لأسمع أيضا حالة الطقس، فربما كانت هنالك أخبار حسنة بخصوص الشمس.
 مائتي دبابة احتلت مبنى مقاطعة رام الله وتمت محاصرة عرفات في أحد الطوابق.
 عدت إلى المطبخ، ثم تذكرت أنني لم أنتبه إلى نشرة الأحوال الجوية، ولكنها بعد لحظات بدأت تمطر بغزارة. 
 لقد سقطت إذاً بتلات الأزهار من على أشجار اللوز دون أن أقربها. كل ما وددته في هذه النهاية من الحياة هو مشاركة هذا الربيع نفسه والتمتع بزهره، رغم أنني لا أعرف كيف وأين وبأي حق.
 وددت أيضا لو استطعت أن أخرج من هذه الحيادية التي وصلت إليها، حيث تناول الطعام وعدمه يتساويان، الحديث وعدم الحديث، الحب وعدم الحب، وعلى ذات المسار، الحياة والموت. بل لم يعد يهمني حتى أصدقائي تحت الحصار. صار لا يهمني. الإحساس الملازم صار أقسى من أي إحساس بالذنب وأخطر منه؛ فإن اتصلت بهم فعلت ذلك لمجرد التأكد من أن عددهم لا يزال كما هو، ليس أكثر.
 تركت النافذة ورحت أقف أمام الثلاجة أفكر. بعد تفكير لا بأس به، وجدت أن كل ما أملكه من أفكار لدعم ومساندة ناسي في هذه الفترة، هو تغيير كلمة السر لدخول بريدي الإلكتروني من إسم آخر صديق لي إلى "عرفات." لكنني لا أعرف بماذا أعرّفه حتى إذا ما نسيت كلمة السر، أعود وأتذكرها.

 

16/4/2005من تقديم زياد جيوسي