-حُمّى المَطر-

يَنامُ الحَمامُ عَلى بُرجِ نارٍ تُذيبُ الحَجَرْ

هُنا

في بِدايَةِ هذا الطَّريقِ العَتيقِ نِهايَةُ هذا السَّفَرْ

جِدارٌ مِنَ اللََّحمِ

مَوجُ الحَمامِ

وَبابٌ صَغيرٌ يَقودُ لآِخِرِ هذا النَّهارِ

يَموتُ الحَمامُ وَحيداً

غَريباً

هُنا فوقَ كَفّي

كَذَبتُ أَنا يا حَمامُ كَثيراً

فَروحي غُبارٌ

وَقَلبي كَقَبرٍ دَفَنتُ شَرائعَ بابِلَ فيهِ

وَكُلَّ الصُوَرْ

تَرَكتُ على ماءِ دِجلَةَ سَيفي

ثِيابي

وَسِرتُ مَعَ الماءِ أبكي هُروبي

حَنيني

وَحيداً إلى حَيثُ أُمّي

عَلى بابِ بَغدادَ قَد عَلَّقَتها أَيادي التَّتارِ

لِتأكُلَ كُلُّ الجَوارِحِ مِن رَأسها

وَتَصنَعَ مِنها جَواري المُلوكِ نَبيذاً لِهذا المَساءِ الطَّويلْ

كَذَبتُ أَنا يا حَمامُ كَثيراً

تَرَكتُ وَرائي قَريباً مِنَ النَّهرِ

بَعضَ الزُّهورِ الَّتي أَحرَقَتها دُموعُ السَّبايا

وَكلباً يُمَزِّقُ لَحمَ الضَّحايا

وَجَوعى يُناجونَ حاتِمَ لَيلاً

فَيُطعِمُهُمْ ما تَبَقّى مِنَ اللَّحمِ فَوقَ عِظامهِ سِرَّاً

وَيَخبو كَنارٍ تُصارِعُ حُمّى المَطَرْ

تَرَكتُ عَلى الماءِ وَجهي

سَحاباً يَمُرُّ بَطيئاً وَيَمضي

بَعيداً وَراءَ الحُدودِ

تُمَزِّقُهُ الرِّيحُ

تَذروهُ مِثلَ الرِّمالِ

تُوَزِّعُهُ الرّيحُ بَينَ القَبائلِ شَرقاً، وَغَرباً

وَتَعصُرُهُ الرِّيحُ في القَحطِ ماءً

فَلا يُمطِرُ الوَجهُ إلا صَديداً

وَمُهلاً

تَرَكتُ وَرائي جَوازَ السَّفَرْ

وَبِعتُ تَعاويذَ أُمّي لِبعضِ الجُنودِ

بِكَسرَةِ خُبزٍ

وَقَطرَةِ ماءٍ

وَخَلفي ذِئابٌ تُغازِلُ لَيلى

وَرَملٌ

وَصوتٌ يَسيلُ حَزيناً

يُخَلخِلُ في اللَّيلِ صَمتَ الصَّحارى

وَريحٌ تُداعِبُ أَوراقَ هذا الخَريفِ الثَّقيلِ

تُداعِبُ شَعري

وَتُطفِئُني مِثلَ عودِ الثِّقابْ

كَذَبتُ أَنا يا حَمامُ ، كَذَبتْ

فَكُلُّ المَسافَةِ بَيني وَبينَ حُطامِ البَنَفسَجِ كانَت ذِراعاً

وَمَرفَأَ حُزنٍ بَعيدٍ،هُنا،في نِهايَةِ هذا السَّفَرْ

وَباباً صَغيراً يَقودُ لآخِرِ هذا النَّهارِ

وَقَلباً دَفَنتُ شَرائعَ بابِلَ فيهِ

وَكُلَّ الصُّوَرْ

وَصوتَ الصَّغيرِ إذا ما استَفاقَ مِنَ المَوتِ يَوماً

عَلى وَجهِ طَيفٍ يَمُرُّ سَحابَةَ حُزنٍ

وَيَبكي تُراباً

وَصوتُ الصَّغيرِ يُنادي

وَيَسأَلُ في صَمتِ هذا المَساءِ :

لِماذا يَمُرُّ السَّحابُ وَيَمضي

وَتَبقى السَّنابِلُ مِن دونِ ماءٍ ؟؟؟

وَكيفَ تَكونُ الدُّموعُ سُيولاً تُذيبُ الحَديدَ

وَتَفلِقُ حَبَّ النَّوى وَالحَجَرْ؟

لِماذا سَقيتَ الفُراتَ وَدِجلَةَ لِلغُرَباءِ

وَبِعتَ مُلاءَةَ أُمّي لِزوجٍ كَئيبٍ

لِيَفرِشَها فَوقَ عِظمِهِ في بَردِ هذا الشِّتاءِ؟

لِماذا تَركتَ حِصانَكَ يَكبو؟

تَوَضّأتَ مِن دونِ ماءٍ

وَجِئتَ تُصَلّي هُنا في العَراءِ كَأَنَّكَ طَيفٌ

تَحَدَّرَ مِن شُرُفاتِ السَّماءِ؟

لِماذا ؟

لِماذا؟

لِماذا أَبي ؟

لِماذا أَبي ؟

*                    *                    *

هُنا

في بِدايَةِ هذا الطَّريقِ العَتيقِ

نِهايَةُ هذا السَّفَرْ

جِدارٌ مِنَ اللَّحمِ –لَحمي-

وَموجُ الحَمامِ

وَفُسحَةُ وَقتٍ

لأَعبُرَ هذا النَّهارَ القَصيرَ وَأَمضي إليكْ

وَداعاً أَنايَ الَّتي أَرَّقتني سِنيناً

وَداعاً أَنايَ الَّتي نازَعَتني عَلى مُلكَِ نَفسي

سِنيناً

سِنيناً

وَداعاً أَنايَ

وَداعاً

وَداعاً

وَداعاً

أَ

خ

ي

رْ