البارخون رحمهم الله !


بقلم : عائشة الخواجا الرازم

ماذا يستطيع الفلسطينيون أن يقدموا أكثر من احتفالاتهم البطولية ليريحوا الأمة ؟ وماذا يستطيعون أن يقدموا من فنون فاتكة بالعقول وفاتنة للعيون أعظم من هذه الفنون ؟ فإن كانت الأمة العربية بمخزونها الفني التراجيدي ما زالت مفتقرة للجديد الجديد , فإن التضحيات الأسطورية الفلسطينية أوفت وكفت , وزيادة على ذلك طفح الكيل وزاد الحد .  ذلك  أن أعظم تقدمة معلنة إعلامياً عبر المرئي والمسموع والمقروء والمرسوم , هي بطولة خارقة خالبة للألباب ..... ! فهل اعتبرها الأخوة في الدم  مهرجاناً دائم العرض على مدار العمر ؟ وهل اعتبرها العرب عرضاً خاصاً أبدع الأبطال فيه ؟ وأرادوا تدوير العروض متعة منهم وانسجاماً مع المتفرجين انتظاراً لتصفيق اعظم ؟

يا للهول ؟ إنها في أنظار المتفرجين كذلك ! وهي هدية  الألم من طرف واحد , ليتمتع الطرف المقابل بالمسرحية التراجيدية ! فمن الواضح أن احتفالية الدم والكارثة لدى شعب فلسطين , هي احتفالية ببذل النفس والنفيس وبذل الأرواح الخاصة بالفلسطينيين فقط وعلى المرأى والمسمع  ! وهي احتفالية تتلألأ في أعيادها بالزغاريد المرشوشة بالموت والأوجاع , ومن الواضح أن الصبر الأيوبي على التألم في فلسطين , قد أفلح في نشر عدوى الصبر على التأمل لدى الأحبة ! حتى احتار الفلسطينيون بوسائل جديدة ومبتكرة ومؤثرة تكفل قلب حالة التأمل الوارفة , وتقنع الراتعين بأن الملهاة حقيقية وجادة ! ويجب وبكل المواهب الربانية عند أمة المشاهدين أن تغير حالة العجز والإفلاس الراكدة على ستاد الملعب  ! أو على خشبة المسرح ! أو قارعة الرؤوس في الكرة الأرضية كاملة !

 فبينما تضج الكرة الأرضية بالحركة الدموية وينزف الثور ويلتهب الألم يرتع المتفرجون بالمتعة , ويقصقصون لب اصابعهم بهمود ويصاب البطل بحالة التوحد مع نفسه !

وإن كانت احتفالية الضمير للاعب أوقدت فيه نار الالتزام بدوره وتقديم أجمل وأقوى أدواره بمهارة ولياقة لدرجة كظم معها آلامه المبرحة , أفلا يترتب على المتفرجين النهوض أو التململ لتفحص أقفيتهم البارخة  وتفقدها ؟ فطول الركود ربما يسبب لها قروحاً يصعب ترميمها , أم أن الوضع أصبح اعتيادياً طالما هم خارج المأساة ؟ فباتوا يتمتعون بعروض يومية اختيارية !؟

 فلهم أن يتسللوا باسترخاء إلى مضاجعهم , ولهم أن يحملقوا لدقائق متأوهين .... !  والتأوه أشد ردود الفعل عند المتفرج المستريح ( البارخ ) على أريكة المدرج العالمي !  بينما يشرع البطل بابتكار مهارات منشودة من أرضه ودمه , صارفاً النظرعن جمهور ارتمى  على أرض المدرجات ليس له أدنى صلة بالأرض والعرض والشرف والبطولة ! إنما هو مجرد متفرج يخشى جرجرته نحو الخشبة!