|
مكسور
لا تأكلي وصحيح لا تكسري !
بقلم :
عائشة الخواجا الرازم
قال
لها زوجها، وهويغادر إلى شغله في الصباح ، اسمعي يا زوجتي
الحبيبة ، هناك في البيت رغيفان أنا وضعت عليهما علامة !
واحد صحيح مدور مكتمل ، فلا تلمسيه خلال غيابي ، وهناك رغيف
آخر أكلت منه لقمة واحدة أو لقمتين أوثلاثة ، لاأعلم بالضبط
، وهو مكسور فلا تلمسيه ولا تأكلي منه !
وغادر
الزوج وبقيت الزوجة تترنح من الطوى والجوع ينهش روحها ،
وتخشى لو خالفت أوامر الزوج العزيز ،أن ينكل بها أو.....
الله أعلم ؟ ويقال في القصة أنها بقيت تطيعه خوفاً
والتزاماً .. هو يكسر الرغيف ويأكل منه ، ويترك الصحيح علامة
على التدوير والاكتمال ، وهي تتلوى حتى يحنو عليها بعد
مجيئه ويقال أنها راحت ضحية مزاجه وأنانيته وإدارته لشؤون
بيته، وعدم شعوره بالحال ! وذهبت مثلاً ( مكسور لا تاكلي ،
وصحيح لا تكسري )
وأذكر
هذا المثل في مجريات مصير شعب كتب العدوالصهيوني عليه الحزن
والضياع والشتات ، وأصبح مشرداً في مخيمات للاجئين يعيره
عليها ويستصغره ويقلل من شأنه القاصي والداني ! ويسمونه شعب
المخيمات فيقال ذاك ابن مخيم ، وذاك تربية مخيم ، وبات يقال
في شعب فذ وثاب للعلم والحياة بين البشر ، أولاد مخيمات !
وهذا الشعب عظيم ، هاجمته آلة الغدر واللصوصية والإجرام بكل
أسلحة التنكيل والاغتصاب ، والإرهاب وروعت شبابه ونساءه
وأطفاله وارتكبت الفوادح والمجازر على مرأى منه وشردته من
كنوزه وثراء بيوته وأملاكه ، وشردته من مزارعه وحضارته ومدنه
وقراه ! وعلى مرأىً من ( الحجيزة العالميين ) استفردت به
ولم يحجزعنه أو يدافع بارع مخلص في شؤون البشر ، فكانت
حكاية الجمعية العامة للأمم المتحدة ، ومجلس الأمن والجامعة
العربية ، ومحكمة العدل الدولية ، وما انبثق من وكالات
للإغاثة هي مجرد ألعاب هشة أسهمت في إضاعة مصيره وأرضه !
هذا
الشعب الفلسطيني الغني بالتراث والثراء الموروث من أجداد
أجداده ،كان يفلح ويزرع ويقلع ويبني العلالي والمساجد
والكنائس ويبني المجتمع ، حتى في أحط محطات التاريخ والحروب
والمعارك والاجتياحات ومجازر نابليون والجزار ! وحتى في
مراحل المشانق والأناشيد على أعواد الإعدام ، سجد التاريخ
لعظمة هذا الشعب ! واليوم يحبس تنفيذاً لرغبة الأعداء ويحاصر
في معسكرات أقل ما يقال فيها أنها مخيمات ، وما هي إلا
معسكرات محشورة بالأوادم والأوبئة والأمراض السارية ،
والنفايات وتنضح المجاري والأوساخ وتنعدم في المخيمات أدنى
الشروط الصحية ، وينام الشرفاء الكرماء الاثرياء بالعلم
والثقافة والعز والجاه والرجولة في شتات الانتظار واللوعة ،
في تلك المخيمات ! وأصبح يشار إلى المخيمات بإصبع العار
يوماً عن الآخر ، ويشار إليها بأنها مصدر العنف الأجتماعي
والتلوث البصري والصحي والبيئي ! كل هذا في محيطات مدورة
تكالبت عليها الأمم وصفعتها بالأوصاف التي تقشعر لها الأبدان
!
ربما
انتقلت العدوى للمخيمات بان تصبح جيتوات قذرة ومزدحمة في
بورصات السياسة وربما اصبحت نظرية البقاء في المخيم كنظرية
صمود وهوية للفلسطينيين هي فضائل العائلة المزدهرة سياسياً ،
حتى بات الفلسطيني يضع يده على اولاده ويقول كما يقول
اليهودي في الجيتو لا تقلل من
شأن
الحي اليهودي ! صحيح بأنه فقير وقذر، وصحيح بأنه مزدجم
بالأمراض ولكنه دارنا حتى نعود إلى الوطن الموعود !
فيرد
الآخر : أنا لا أقلل من شأنه ولكن يجب أن نخرج منه ، فنحن
محبوسون في صرامة في جيتوقذر وإذا لم نسع للخروج منه بكل
الوسائل ، فنستطيع أن نجعل من حياته شيئاً جيداً ونظيفاً
وصحياً نعلم فيه أولادنا حتى يتذكروا !
وربما
أصبحت الجيتوات هي المخيمات التي أورثتها للأمة العربية
سياسة العدوان ،وأورثتها لأبناء فلسطين أنفسهم الذين يرفضون
تحسين معاشهم ويصرخون : هذا المخيم هو الشاهد على قضيتنا ،
والليل والثبور وعظائم الامور للذي يطوره أو يحسنه أو يجعل
منه مكاناً سليماً قابلاً للنوم والقوم والحياة !
نعم
... هذا هو ما يجري في الساحة الآن ... هناك سدود خارجية
وظاهرية قسرية عدائية تمتلك الطغيان تفرض علينا المخيمات
المحاصرة بالعذاب ، وليس من الممكن في هذه الظروف الكارثية
العالمية تخطيها ، ويبقى الأخطر هو السدود الداخلية التي
نقيمها نحن ضد أهلينا ، ويجب ان نزيحها بأنفسنا ، ونزيحها
نحن أنفسنا وحدنا ، ولا أعني إزاحة المخيمات من أرضها ، لا
بل تبقى زاهية مخدومة نظيفة صحية محمية ، فكما قال رئيس
الوزراء الأردني فيصل الفايز في معرض سعي الحكومة الأردنية
واجتماعه مع لجان تحسين المخيمات في الأردن ، بأن المخيمات
هي جزء من هذا الوطن العزيز ، لا فرق بينها وبين أي مدينة أو
قرية أردنية !
وكذلك
فما الخطر من خدمة الناس هؤلاء ؟
والناس
فيها طبعاً أعظم وأشرف وأنبل وأغنى ساكني مخيمات سياسية في
العالم ! ألا وهي مخيمات الفلسطينيين ،الأغنياء في وطنهم
والملوعون الفقراء في شتاتهم ! ( لا أقصد الفقر المادي في
الشتات فكل الفلسطينيين في الدنيا مشردون لا يشعرون بطعم
الحياة وقيمتها طالما أن حقوقهم وأرضهم وشجرهم ومقدساتهم
مسلوبة ، ودماء أهليهم مسكوبة ) وكل الفلسطينيين لا يطمعون
بمأوى أو قبر أو قصر للاستحواذ عليه بعيداً عن وطنهم فلسطين
، ولماذا يطمعون بشبر كف من أكف أخوتهم العرب الذين غمروهم
بالاحتضان والاستقبال ومسحوا ببلسمهم على جراحهم وساووهم
بالولد والعين وغطوهم بالردنين ؟ وخاصة في كنف أختهم شقيقة
التوأم المكلوم ، الأردن العظيم بأرضه وناسه وقيادته !
)
الأردن يؤنث ويذكر كما يحلو لإسمه ) فمهما تطاولت الألسنة
على الفلسطينيين بأنهم يسعون للاستيطان في البلاد التي لفتهم
بذراعيها ، فالكل يعلم علم اليقين بأن لا مطمح ولو بنسبة
واحد بالألف ، لدى أهل المخيمات وغير أهل المخيمات للاستيلاء
والاستيطان ، وكل يوم يمضي بالتنكيل والتدميرلإرعاب وإرهاب
الفلسطينيين ليفرغوا الأرض ، تزداد فئات الشعب الفلسطيني في
الداخل والشتات تمسكاً بحق العودة للأرض والمقدسات والأملاك
والتعويض !
والمعضلة لا تكمن في الشخصيات النيابية والحزبية الأردنية
التي تقف ملوحة بالتخوين ضد وزير الداخلية تارة ، وضد
الحكومة بأكملها تارة أخرى ، متهمة إياها بعرض الأردن والأرض
والهوية للبيع وبأنها تفرط بحق الأردنيين للفلسطينيين !
والمشكلة لا تكمن أيضاً في الشخصيات الفلسطينية التي ترفع
عقيرتها متهمة الأردن بالتآمر على قضية فلسطين ... وتقول
باعوها ... ! وبأنه قبل كونه وطناً بديلا للفلسطينين ، وبأن
الأردن يمهد لتوطينهم في المخيمات ؟
كل هذه
الطبيعيات السياسية مقدور عليها ، ولكن الأخطر أن هذه الجهات
الواقفة على خط النار ، ترفض وتخون ، ومن الممكن عقد لقاء
عظيم المغزى بين الرافض والمتهم وتكوين لجنة توافق تنقذ مئات
الآلاف من الضحايا في المخيمات ، وتحسن من أسلوب الحياة
!والحلول تكمن بالمنطق والعقلانية اللتان تحكمان بين الطرفين
، دون ترك الأمر نهباً للإشاعات والمواقف المضادة التي تقضي
على الضحية المخنوقة الواقفة بانتظار كمامة أوكسجين ! وكمامة
الأوكسجين هذه هي أقل ما يمكن للطرفين المتعارضين
والمتوافقين في حجم الضربة الموجهة للفلسطينيين في المخيمات
بالتحديد.
والأهم
أن النواب الأشاوس الذين يطرحون قضية مقاومة التوطين
للفلسطينيين ، يتساوون مع الفلسطينيين الذين يقاومون التحسين
! وتضيع الطاسة بين مخالف ومناكف ... ! وينطبق المثل الشعبي
على المحنة ( احترنا يا قرعة من وين نبوسك ؟ )
وكلا
الطرفين يتمتعان باللغة والشعارات والفلسفة السياسية الحرة !
هذا يحتج ويسوق البراهين على مشاريع التوطين للفلسطينيين في
الأردن ، وأنه أحرص الناس على أرضه وهويته ، وذاك يرفع
الشعارات مطالباً بعدم التخاذل أمام بيع الوطن ( فلسطين )
والكل يشير بإصبع التخوين والاتهام للطرف المجير والحاضن
للفلسطينيين ! والحكومة بين ثلاث نيران وليس نارين ، نار
النقاد اللاذعين المتهمين للحكومة بالإهمال والتقصير وبأنها
تريد الفلسطينيين كتلاً بشرية هامدة موبوءة بالأمراض
والتجهيل والعنف ، وأنها بذلك تقضي على اللاجئين ببطء وتضيع
شخصياتهم بغمسها بالوبش البيئي والنكران لإنسانيتهم ، لكي لا
يهلل منهم أحد في ظل بيع فلسطين ! ونار المخونين للحكومة
بأنها أيضاً تسعى لتحسين المخيمات ومنح أبناءالمخيمات مقاعد
جامعية وتدخلهم المدارس الوطنية ، وتملكهم وتساويهم بالمواطن
الأصل ! وهي بذلك توطن وترضى مشروعاً سمي بالوطن البديل !
ونارثالثة تقف ضد النارين ، ونار ثالثة تبقي الكارثة على ما
هي عليها في ظل تخفيض خدمات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين ،
وترك المخيمات وأهلها في حال أشبه بالبؤر الإنسانية الضاربة
على رأس الحكومة وعلى رأس اللاجئين ! فالحكومة لا تستطيع
إرضاء جميع الأطراف ! وأكبر مثال ما يجري ضد وزير الداخلية
الإنسان الكبير العقل والقلب ، والذي يحمل مبضع الطبيب
المداوي في كل باحة تملؤها الدمامل ! والصحيح أن رضا الأطراف
الثلاثة غاية لا تدرك ! فما الحل الأمثل ؟
وما
فلسفة مقاومة التوطين وفلسفة القضاء على مشروع الوطن البديل
، إلا ردود فعل على المروجين للأقاويل والمحبين للأذى ، وهي
شعارات شكلت ردود فعل فخمة سياسياً بظاهرها لدى كل من تنطع
بفكره الطارئ وتناولها مشجباً علق عليها أفكاراً لحظية لا
يؤمن بها ، باعتبار أنه أكثر العارفين بقضية فلسطين وأهلها
الشرفاء ، ولأنني أعرف ومتيقنة تماماً من شعارات ولقاحات
أقلام هؤلاء الذين عثروا على موضة مدهشة للتشبث بها أمام
الشعب ، تظهرهم منافحين عن الأرض والهوية الأردنية ، وهم
أصلاً في العلن والسر لا يوفرون فرصة دعم لأخوتهم
الفلسطيننين ، وللمخيمات المعذبة، إلا وينتصرون لهم ويرفعون
أصواتهم عالياً للدفاع عنهم ! والغريب أن الميدان الوطني
يشهد على المدعوين بالإقليميين والعنصريين ودعاة الفتنة ،
وهم تاريخياً والآن أول المتسابقين لقيادة المسيرات وإطلاق
البيانات والخطابات نصرة لإحقاق الحق للفلسطينين ! ولذلك لا
أصدق بأن هؤلاء يؤمنون بجشع الفلسطينيين وطمعهم بأرض الأردن
العظيم ! ولكنهم يثيرون الزوبعة لإثبات وجودهم وطنياً وأنهم
يحافظون على الأرض من النهب وعلى الهوية من التشرذم ! هؤلاء
أحرار ضيعتهم حريتهم وأساءت لسمعتهم الأردني النظيفة ، وأصبح
الناس يشيرون إليهم بالإقليميين وما هم بكذلك ، وأسماؤهم
معروفة ! ومع أن الهوية حتى لو اقتسمها الأشقاء الفلسطيننين
فهي رديف لوحدة وحلم باستثناء التهام الأرض واقتسام الحقوق ،
فكل شيء يلتهم من بني يعرب ويؤكل ويشرب ويشفط ، إلا الأرض
وهم يعرفون ذلك ، فلا سارق ولا غاصب ولا متربص بالأرض إلا
الدخيل المجرم الإرهابي العالمي ( إسرائيل ) التي ستكون
جنايتها على كيانها قريبة بإذن الله ! والطالع السياسي
العالمي يظهر أن إسرائيل تأخذ من أفكار الكتاب والمفكرين
والمحللين في العالم وتنفذ المخاوف ، وتستعرض مدى استعداد
الشعوب للإشاعات والنظريات وتجهز العنف والتدمير بناء ً على
ذلك ! وأخيراً فإن الأردن في مفهومي وفي نظرية لي رددتها في
الانتخابات النيابية التي ترشحت لها ثلاث مرات ، ولم يسبقني
إليها مفكر أو كاتب ، ( هذا الوطن أصيل ، وليس من الممكن أن
يكون بديلاً ، فمن يرضى أن يطلق على الأردن اسم الوطن البديل
، هو الدخيل .. والبديل يأتي درجة ثانية ، والأردن في الموقع
الأول! والواقع يشهد على عظمة وحدة القلب في هذا البلد حماه
الله.
|