قبلة على ثغر "الشهباء"

شعر: محمــد قجــة
 

وعانقيني، لأرقى فيك للشهبِ
واسحبُ المِرْوَدَ الأبهى على هُدبي
ومن لماكِ رحيقُ الطلّ والعنبِ
فغاب روعي، وعبقُ العطرِ لم يَغبِ
ألمُّه في الحنايا عاصف اللهّبِ
إلا تشهّيتُ في زنديك منقلبي
وتستطيبين من همّي ومن وصبي
يعنو لك الصخر في عُجْبٍ وفي عَجَب
في غمزة الطرْف، أو في رفة الهُدُبِ
ورُسِّخ الخَطْوُ في عزم وفي دَأبِ
تذود عنك طيوف الغيم والتعبِ

 

أهواك يا حلب الشهباء، فاقتربي
جَذلانُ، أغزِلُ من عينيكِ أغنيةً
من مقلتيكِ صَباباتي ألمُلمها
شممتُ عطرَك فوّاحاً يغازلني
دعي عبيركِ في صدري وفي رئتي
ما مرّ طيفك في حُلْمي فدغدغه
كم ذا أكابد في عينيك من وَصَبٍ
يا درةً في ضلوع الصخر طالعةً
مدّ الزمانُ يديه، فامنحيه هوىً
توقدّ القلب في نبضٍ وفي دأبٍ
أكفُّ أحبابك الأغيار حانيةٌ

بما منحتِ هوىً في سائر الحِقَبِ
فاستقبليه بوجهٍ باسمٍ طَرِبِ
ترابَ أرضِك منثوراً على الرُحَبِ
حتى تُفَتِّحَ من أوراقها القُشُبِ
بالأمنيات، إذا تنبو وإن تُصِبِ
وقد تشيب الرؤى والقلب لم يَشِبِ

 

شهباء، يا مولد التاريخ منتشياً
هبّ التراثُ إلى لقياك مزدهياً
هذا أوانك إنّا نخبةًٌ عشقتْ
تمضي براعمنا والطلُّ يحضنُها
هي الحياةُ سُلافات معتقةٌ
قد يهرمُ القلبُ في غرّاء صبوته

زُهْرَ النجوم، ورُشّيها على الكُثبِ
وذكرُك السمحَ منقوش على الشُهُبِ
وطاولتها الليالي وهي لم تَغِبِ
يوحّد الله في فجر وفي غُرُب
حتى غدوتِ منارَ الدهر للعرب
وتستضيء بهم أمثولة الحِقَبِ

 

مدّي ذراعيك يا شهباء والتقطي
يظلُّ صرحُك مزهّواً بهامته
تطاولين الثريّا قلعةً شمختْ
ومن مآذنك الشمّاء منطلق
طوقت جيدَ الدنى مجداً ومكرمةً
يمضي بنوكِ شبولاً خطوهم أَمَمٌ

وطوقتهم عيونُ الدهرِ في عَجَبِ
يذودُ كيدَ الأعادي عن حمى العربِ
ومعقلاً لرجال السيف والأدب
وأورق الفكر في ساداته النجب
على المدى زَحمتْ إشراقة الشهب
فضمهم في جناحيه بعطف أبِ
أبوالمحسَّد في الشعر البليغ نبي
ومالئ الكون من إعجازه العربي
له العصور رؤى في البعد والقـُـرُب
فعمّت الكون مثل البرق في السحب

 

هنا تهادى بنو حمدانَ في عُجُبٍِ
وسيفُ دولتهم ليثُ الشرى حَنِقٌ
ظلتْ به "حلبٌ" نجماً يشعُّ سنى
فأقبل النصر في كفيهِ مزدهياً
قوافل العلم في محرابه شُهُب
أمّوا حِماه وقد أعيتهمُ سُبُلٌ
وفوقهم نسرهم طرّاً وسيدهم
القاهر المتنبي يومَه وغداً
هذا عظيمك يا شهباء ما عرفت
ألقى على الدهر في زهْو قصيدته

عشق، ومقلتنا ترنو إلى حلب
إذاً لفاخرت أني اليعربي الحلبي

 

شهباء، إنّا بنوك الغرُّ، مهجتنا
إن فاخر القوم في أرض وفي نسب