آخر الـدحـرجـة

      بكتلته الجسدية الضخمة، مثل دبابة، يتدحرج، من حوله الجند، مدججون بالسلاح، الخوذات على الرؤوس، التروس الحديدية تقي الأجساد، الأصابع على الزناد.

       هذه البيوت هنا بالأمس هدمناها، من بناها؟ هذه الأشجار في هذا الحقل أمس قطعناها، كيف نبتت هكذا مرة أخرى وامتدت واستطالت، كأن لها من العمر آلاف السنين، أوه، ياه، وهذا الرجل، وذاك الشاب، وهذه الصبية، كل هؤلاء كانوا بالأمس أطفالاً وبالرصاص حصدناهم، بالدبابات دسناهم، بالطائرات مزقناهم، أحياء دفناهم، كيف خرجوا من الأرض؟

       سأدمرهم ثانية، هم وغيرهم، حتى الأطفال في الأرحام، حتى الجذور تحت الأرض، حتىغبار الطلع، لن تفلت مني لا فراشة ولا نسمة ولا حبة قمح، سأدمر كل شيء.

       يهبط من السفح، كتفاه عريضتان متهدلتان، رأسه كبير، مثل قنبلة، بطنه يمتد أمامه مثل دبابة، يداه القصيرتان تخفقان، مثل قنبلتين، عيناه متورمتان، كأنهما رصاصتان محشوتان بالحقد والكراهية، يسرع، يهيب بالجند.

       هيا أيها الجند، ابنوا الأسوار، أحيطوا بها المدن، اقلعوا أشجار الزيتون، احرثوا بيارات البرتقال، اهدموا القرى، أزيلوها، شتتوا السكان، أبيدوهم.

       هيا أيها الجند، احفروا الخنادق، تحصنوا بها، ارقوا بالطائرات في الجو، طاردوهم كالفئران، احصدوهم كالنمل، موتهم لكم حياة، أنتم الأرقى والأقوى والأبقى، وهم همج الأرض، لايستحقون الحياة، وجودكم هنا يمنحكم الحق كل الحق، نحن أصحاب الحق، غداً ينسون ما كان بالأمس، أنتم تصنعون الماضي، تصنعون الغد.

       ويمضي، وهو يقود الجند.

       تنبهوا، هنا مقعد على كرسي ذي عجلات، انسفوه، تنبهوا، هناك عجوز فوق التسعين، تقعد على درجات دارها، انسفوها، تنبهوا هنالك طفل يركض فرحاً للقاء أبيه الراجع من الحقل، أبوه يضمه إلى صدره، انسفوا الاثنين معاً.

       هذا مصور، أياً كانت جنسيته، اضربوه، تلك سيارة إسعاف، تحمل هلالاً أو صليباً أو أي شعار، لا فرق، دمروها، هذا موظف في وكالة الغوث، من فرنسا أو إنكلترة، اقتلوه.

       من واد إلى واد، من حقل إلى حقل، من قرية إلى قرية، يتدحرج، هو والجند والمصفحات والدبابات والطائرات.

       في قلب الوادي، ينبت حجر، حجر صغير عليه بقية من لمسات طفل فلسطيني صغير، سقط من يده هنا بالأمس، بعد أن أرداه الجند بالرصاص.

       في الحجر بقية من نبض القلب، نبضة أخيرة، يعلو بها قليلاً، ويتعثر بها الرجل الضخم، يختل، ويسقط، يتدحرج، كل أشواك الأرض تنهض، كل حجارة الأرض المعطرة بالدم الزكي تعلو، كل الزهرات التي داستها المجنزرات تبعث، كل الحفر التي أحدثتها القذائف تتعمق، والجسد الضخم يتدحرج، ويتدحرج، وفي إثره يتدحرج الجند المدجج، فقد جاء الأمر بالدحرجة، على الأشلاء والجثث والأطفال والمسنين وعلى عربات المقعدين والعجزة يتدحرج الجند.

       في الهاوية، في حفرة من قمامة ونار، يسقط الجسد الضخم، في إثره يسقط الجند والمجنزرات والطائرات، وتغور الأرض بالمستوطنات.

       يرحلون لايحملون سوى حقائب فارغة، يرجعون إلى أوطانهم في بلاد الأرض فهم هناك مواطنون، وقد كانوا هنا عابرين.

      ويعود من كانوا لاجئين حاملين حقائب مملوءة، يرجعون إلى وطنهم فلسطين.