م . د ثائر عبد المجيد العذاري
توطئة
على الرغم من الكم الهائل من الدراسات التي كتبت حول تجربة رواد الشعر الحر في العراق ، نرى أن معنى الحرية التي يوصف بها هذا الشعر لم يتضح بما فيه الكفاية ، ذلك لأن معظم تلك الدراسات ركزت على الجانب الخارجي المتعلق بالوزن والقافية ، بل إننا نرى أن نازك الملائكة وهي منظرة الشعر الحر تكاد توقف نظريتها على هذا الجانب دون غيره[1] . ونحن نفترض أن الشكل الجديد من حيث الوزن والقافية لا يقع في صميم التغيير الذي أحدثه الرواد بقدر ما هو نتيجة لاحقة لتغييرات سبقته ابتكرها السياب في السنوات ما بين 1942 و1948 استنادا إلى تواريخ القصائد التي ذكرت في ديوانه .
في هذا البحث نحاول الكشف عن شيء من الملامح التي تبين معنى التحرر الذي نشده رواد الشعر الحر في العراق من خلال دراسة الشعر العمودي لبدر شاكر السياب ورصد ملامح التجديد فيها للبرهنة على الفرضية السابقة .
ضوابط الشكل التقليدي
عبر مئات السنين ، اكتسب الشكل التقليدي الكثير من الضوابط التي تشكل الذائقة الشعرية العربية ، ولطالما حاول القدماء تحديد هذه الضوابط وصياغتها في قواعد بينة ، وربما كانت محاولة بناء شكل افتراضي للقصيدة التقليدية عرف بعمود الشعر أبرز تلك المحاولات .وفي هذا البحث نحاول النظر إلى الشكل التقليدي من زاوية جديدة ، ربما نستطيع من خلالها أن نضع مقاربة واضحة لمعنى الحرية التي نشدها السياب.
يفرض الشكل التقليدي مجموعة من الضوابط والتقنيات بناء على ثلاث حقائق شكلية هي :
ثنائية البيت (صدر وعجز) .
القافية بوصفها خاتمة حتمية للبيت .
البناء السمتري Symmetric للقصيدة (التناظر العمودي بين الأبيات) .
أما الحقيقة الأولى فقد أدت إلى تقييد تفكير الشاعر الإبداعي بالثنائيات ، فأن يقسم البيت على قسمين متساويين يعني أن يبنى من جملة مركبة تربط بين جزئيها علاقة تماثل أو تضاد ، وهكذا ظهرت مجموعة من التقنيات التي أصبحت شيئا فشيئا تقاليد لا سبيل إلى التملص منها ، ونذكر من هذه التقنيات على سبيل التمثيل لا الحصر ، تلك المجموعة التي أحصاها صاحب الإيضاح من تقسيم وموازنة وتماثل وتقابل ومساواة وغير ذلك[2] ، وكل تلك التقنيات تقوم على ابتكار علاقة ثنائية يمكنها ربط شطري البيت الواحد .
انظر مثلا قول المتنبي :
فلم أر بدرا ضاحكا قبل وجهها ولم تر قبلي ميتا يتكلم[3]
ينحصر تفكير الشاعر وهو يبني هذا البيت باستغلال ثنائية (الصدر – العجز) ، فينشئ تركيبا لغويا فيه عدد من العلاقات الثنائية وهي :
ان كلا من الصدر والعجز يتكون من جملة تامة
وكلاهما مبني من التركيب النحوي ذاته
الواو العاطفة في أول العجز تقنية شائعة للدلالة على المقابلة بين الشطرين ، إذ هي مركز عتلة التوازن التي لا يقوم بغيرها.وما استجلاب الفاء في أول الصدر إلا لحجز مكان لهذه الواو في أول العجز.
ثمة ثنائية بين كل كلمة في الصدر وأخت لها في العجز.
على الرغم من التماثل بين الشطرين في التركيب النحوي فأن ثنائية المعنى نمط آخر من العلاقة فهي علاقة تضاد
ومن العلاقة السابقة تنشأ ثنائية أخرى هي علاقة التضاد بين شكل التماثل اللفظي والتضاد المعنوي..
ثم أن هذه البنية الثنائية تفرض شكل الصورة الشعرية وأساليب بنائها ، فهي غالبا تتكون من طرفين ( تشبيه أو استعارة أو كناية أو تورية ...........)
وأما الحقيقة الثانية فقد فرضت هي الأخرى عددا من التقاليد والضوابط ، فالقافية بوصفها الخاتمة المادية للبيت تكتسب أهمية بالغة . إنها مثل الضربة الإيقاعية التي تحدد نهاية الجملة الموسيقية على المستوى الصوتي ، غير أن لها وظائف أخرى اكتسبتها مع مرور الزمن لعل أبرزها إشعار القارئ بالمتعة بتمكينه من تخمين كلمة القافية ، وقد يلجأ الشاعر أحيانا إلى لعبة أكثر تعقيدا بأن يستدرج القارئ إلى تخمين قافية ما ثم لا يأتي بها ، بل يفاجئ القارئ بأخرى تثير الدهشة . وابتكروا لهذا الغرض تقنيات عدة ما لبثت أن أصبحت معيارا لموهبة الشاعر وإجادته ، ومن ذلك تقنية سموها (رد العجز على الصدر)[4] ، وأرادوا يذلك أن يذكر الشاعر في حشو البيت كلمة القافية ، وما ذلك إلا لأنها ستمكن القارئ من تخمين كلمة القافية
ومنها تقنية سموها التو شيح ، وهي ((أن يكون معنى أول الكلام دالا على لفظ آخره ولهذا سموه التو شيح فإنه ينزل فيه المعنى منزلة الوشاح وينزل أول الكلام وآخره منزلة محل الوشاح من العاتق والكشح اللذين يجول عليهما الوشاح))[5].
انظر – مثلا – كيف يمتدح صاحب الخزانة هذا البيت:
وما أروني التفاتا عند نفرتهم وأنت يا ظبي أدري بالتفاتهم
فيقول: (( فهذا البيت فيه التورية بتسمية النوع وقد برزت في أحسن قوالبها ومراعاة النظير في الملائمة بين الالتفات والظبي والنفرة والانسجام الذي أخذ بمجامع القلوب رقة والتمكين الذي ما تمكنت قافية باستقرارها في بيت كتمكين قافيته ))[6]
ما يهمنا هنا امتداحه للقافية بالتمكين الذي أراد به التحامها مع أجزاء البيت، ولكن هذا التمكين – في الواقع – لا يتأتى من كلمة القافية ذاتها بل من بنية البيت التي مهدت لها، وهذا يعني أن القافية فرضت شكل بنية البيت وتقنياتها.
هذا الفهم لتقنيات القافية يفسر لنا السبب الذي من أجله أصبح التصريع تقليدا قارّا ، فإن من المستحيل تخمين القافية في البيت ألأول لولاه.
وأما البناء السمتري (التناظري) لأبيات القصيدة العمودية فيفرض هو الآخر مجموعة من التقنيات ، فالبيت الشعري هو الجملة الموسيقية المتكررة التي تكون اللحن ، ومن غير الممكن طبعا تصور قطعة موسيقية تتألف من تكرار جملة واحدة . ومن هنا كان على الشاعر أن يبتكر من التقنيات ما يمكنه من التغلب على هذا التكرار الصوتي اللا متناه الناتج عن البناء السمتري . ولكن اهتمام القدماء ببناء البيت منعهم من التركيز على هذا النوع من التقنيات الذي يتعدى البيت إلى القصيدة.
ومن هذه التقنيات أن يأتي الشاعر بعدد من الأبيات متشابهة البناء أو التأثير ثم يأتي ببيت مختلف يشتمل على مفاجأة، وهو بهذا يبني نسقا إيقاعيا، ثم يقوم بحل ذلك النسق بالبيت المختلف. وهكذا تبنى القصيدة من دفعات من الأبيات تكمن قوة كل منها في بيت حل النسق[7] .
ولنقرأ مثلا من قصيدة للمتنبي :
كَفى بِكَ داءً أَن تَرى المَوتَ شافِيا وَحَسبُ المَنايا أَن يَكُنَّ أَمانِيا
تَمَنَّيتَها لَمّا تَمَنَّــــــــيتَ أَن تَرى صَديقاً فَأَعيا أَو عَدُوّاً مُداجِيا
إِذا كُنتَ تَرضى أَن تَعــــــيشَ بِذِلَّةٍ فــَلا تَستَعِدَّنَّ الحُسامَ اليَمانِيا
وَلا تَستَطيلَنَّ الرِمـــــــــاحَ لِغارَةٍ وَلا تَستَجيدَنَّ العِتاقَ المَذاكِيا
فَما يَنفَعُ الأُسدَ الحَياءُ مِنَ الطَوى وَلا تُتَّقى حَتّى تَكونَ ضَوارِيا
حَبَبتُكَ قَلبي قَبلَ حُبِّكَ مــــــَن نَأى وَقَد كانَ غَدّاراً فَكُن أَنتَ وافِيا[8]
يلاحظ أن الأبيات الأربعة الأولى تبني وحدة معنوية واحدة، ثم يأتي البيت الخامس ليجمل المعنى بشكل حكمة مكثفة، ينتهي عندها الكلام ولا يمكن أن يقال بعده شيء آخر، وهكذا يأتي البيت السادس ليبدأ وحدة جديدة. وبهذه الطريقة يبني الشاعر تنويعا هارمونيا للتغلب على رتابة التكرار السمتري.
قصائد السياب العمودية
ما دام هدف البحث رصد تطور تقنيات الشاعر نحو الحرية، فقد كان من المهم معرفة التاريخ الذي كتبت فيه كل قصيدة، ولهذا تم استبعاد بعض النصوص التي لم نستطع ردها إلى عام معين. وهي نصوص قليلة جدا .
نجد في هذه القصائد العمودية ما يأتي :
قصيدة واحدة كتبت عام 1941 على طريقة الموشح من الهزج.[9]
هناك خمس قصائد كتبت في العام 1942 والتزم الشاعر فيها جميعا القافية الواحدة وأوزانها هي (الخفيف ، قصيدتان من الطويل ، مجزوء الرمل ، المقتضب ).[10]
خمسة قصائد كتبت عام 1943 التزم فيها بالقافية الواحدة وأوزانها هي (الطويل، الهزج، السريع، الكامل، الخفيف ).[11]
ست وعشرون قصيدة كتبت في العام 1944 ، خمسة منها متعددة القوافي والباقيات التزم فيها القافية الواحدة ، أما أوزانها فكانت (ثمان من الكامل ، ثمان من المتقارب ، ثنتان من كل من البسيط والخفيف والوافر، واحدة من كل من الهزج والسريع والمنسرح ومجزوء الكامل ).[12]
اثنتاعشرة قصيدة كتبت في العامين 1945 و1946 ولم نستطع الفصل بين العامين التزم بتسع منها بالقافية الواحدة وجاءت الثلاث الأخريات متعددة القافية ، وأما أوزانها فكانت (خمس من الخفيف وأربع من الكامل وثنتان من مجزوئه وواحدة من الوافر ).[13]
ثلاث قصائد كتبت في العام 1947 التزم في واحدة منها فقط القافية الواحدة، وأوزانها ( قصيدتان من المتقارب وواحدة من السريع)[14]
عشر قصائد كتبت في العام 1948 التزم القافية الواحدة في واحدة منها فقط ، وجاءت (ثلاث من الكامل وثلاث من مجزوئه وثنتان من الخفيف و واحدة من كل من البسيط والمتقارب )[15]
ثمان قصائد كتبت بعد ابتكار الشكل الجديد ما بين الأعوام 1952 -1964 التزم بدر في ست منها القافية الواحدة، وجاءت (ثنتان منها على كل من الرمل والكامل والطويل وواحدة على كل من البسيط و المتقارب ) [16]
يمكن الآن أن ننظر في أوزان القصائد ونقسمها على مجموعتين؛ صافية وممزوجة مثلما سمتها نازك[17] ، أو مركبة وبسيطة مثلما سميناها في دراستنا للإيقاع في الشعر العراقي الحديث[18] .
ومن الإحصائيات السابقة يمكننا أن نضع الجدول الآتي:
|
العام |
القصائد |
قافية مفردة |
قافية متعددة |
بحور بسيطة |
بحور مركبة |
|
1941 |
1 |
0 |
0% |
1 |
1% |
1 |
100% |
0 |
0% |
|
1942 |
5 |
5 |
100% |
0 |
0% |
1 |
20% |
4 |
80% |
|
1943 |
5 |
5 |
100% |
0 |
0% |
2 |
40% |
3 |
60% |
|
1944 |
26 |
21 |
83% |
5 |
17% |
11 |
42% |
15 |
58% |
|
1945-1946 |
12 |
9 |
75% |
3 |
25% |
6 |
50% |
6 |
50% |
|
1947 |
3 |
1 |
33% |
2 |
66% |
2 |
66% |
1 |
33% |
|
1948 |
10 |
1 |
10% |
9 |
90% |
7 |
70% |
3 |
30% |
|
1952-1964 |
8 |
6 |
75% |
2 |
25% |
5 |
55% |
3 |
35% |
يقدم هذا الجدول حقائق قد تبدو مفاجئة، لكنها – كما سنرى – متوافقة مع الفرضية التي بني عليها هذا البحث.
نلاحظ أولا أن الشاعر في سنيه الأولى حتى العام 1945 التزم القافية الواحدة على الرغم من أن الساحة الأدبية في ذلك الوقت كانت تشهد عددا من التجارب في التخلي عنها.
ونلاحظ أيضا ميل الشعر في الوقت نفسه إلى الكتابة على البحور المركبة كالطويل والبسيط والوافر.
مع أننا نلاحظ اتجاه الشاعر إلى القافية المتعددة والبحور البسيطة شيئا فشيئا ابتداء من العام 1944، نلاحظ أن القصائد العمودية التي كتبت بعد ابتكار الشكل الجديد تقلب اتجاه التغيير، إذ ترتفع نسبة القافية الواحدة مرة أخرى، وكذلك ترتفع نسبة البحور المركبة.
وعلى الرغم من هذه الظواهر يظل اتجاه الشاعر نحو حرية الشكل واضحا ، فإذا ما استبعدنا القصيدة الوحيدة المؤرخة في 1941 (وسبب استبعادها كونها وحيدة ولا يمكن إعطاؤها دلالة إحصائية ) ، وإذا ما غضضنا النظر عن القصائد العمودية التي كتبت بعد ابتكار الشكل الجديد ، سنلاحظ أن اقتراب الشاعر من البحور البسيطة كان اقترابا تصاعديا مضطردا ‘ حيث تتصاعد نسبتها ولا تتراجع أبدا، ومن ناحية أخرى نرى تصاعد وتيرة الاتجاه نحو القوافي المتعددة كلما اقتربنا من عام 1948 .
هاتان الظاهرتان تعنيان أن الشاعر آخذ شيئا فشيئا بإدراك أهمية البحور البسيطة والقافية المتعددة في الوصول إلى الشكل الذي ينشده.
اتجاه السياب نحو الحرية:
بعد أن لاحظنا كيف كان السياب يتجه حثيثا نحو الشكل الخارجي الحر ، ننتقل إلى ما نراه الجانب الأهم من الحرية ، وهو التحرر من التقنيات الداخلية للشكل التقليدي ، ((فالشكل أشمل من الوزن؛ فهو في الصور والألفاظ والإيقاع الداخلي والألفاظ والأنساق والأقنعة، وليست الموضوعات ذاتها سوى عناصر داخلية تقوم على التضاد والحركة والنمو والتصاعد.))[19]وقد لا تكون هذه العبارة مستغربة في الخطاب النقدي العربي إذا جاءت في معرض الحديث عن الشعر الحر ، لكننا نستخدمها ونحن نبحث عن الاتجاه نحو حرية الشعر في شعر السباب العمودي .
وأنا أقرأ شعر السياب العمودي ، لفتت انتباهي قصيدة (شهيد الحرية )، التي أرخت في الديوان في 1942[20] ، ومنها هذه الأبيات التي تبدأ بها :
شهيد العلا لن يسمع اللوم نادبه وليس يرى باكيه من قد يعاتبه
طواه الردى فالكون للمجد مأتم مشارقه مسودة ومغاربه
فتى قاد أبناء الجهاد إلى العلا وقد حطمت بأس العدو كتائبه
فتى همه أن يبلغ العز موطن غدا كل باغ دون خوف يواثبه
فتى يعرف الأعداء فتكة سيفه وقد فتحت فتحا مبينا مضاربه
تبين هذه القصيدة بدايات السياب التقليدية ، فهي ليست إلا رثاء تقليديا بلغة الرثاء التقليدية ، ولنا أن نقارنها بأبيات ليلى الأخيلية في رثاء توبة مثلا :
فإن تكن القتلى بواء فإنكم فتى ما قلتم آل عوف بن عامر
فتى كان أحيا من فتاة حيية وأشجع من ليث بخفان خادر
أتته المنايا دون درع حصينة وأسمر خطي وجرداء ضامر
فنعم الفتى إن كان توبة فاجرا وفوق الفتى إن كان ليس بفاجر[21]
وسواء أكانت المقارنة على المستوى الصوتي أم على مستويات الدلالة البحث وهي، فإننا سنلاحظ بوضوح التزام الشاعر بتقاليد الرثاء ، ففي القصيدة مفردات الرثاء التقليدية مثل (نادبه ، باكيه ، طواه الردى ، ليطلق الدمع .....)، ويمكن أن نلاحظ خضوع الشاعر للثنائيات التي أشرنا لها في صدر البحث وهي:
التصريع في المطلع .
التو شيح في البيت الثاني (مشارقه، مغاربه)
بناء البيت من جملتين متقابلتين تفصل بينهما الواو في أول العجز لعدد من أبيات القصيدة.
بناء أبيات متناظرة كما في مجموعة (فتى....) ومجموعة (أراق عبيد.....)
ثم ماذا غيرالخضوع للتقليد يدفع الشاعر لاستعارة السيوف والخيول والكتائب لمرثيه الذي أعدم عام 1941 وهو ضابط كبير في جيش حديث !
هذا الخضوع لتقاليد الشعر العمودي ظاهرة واضحة في كل الشعر العمودي الذي كتبه قبل عام 1944، فهذا العام – حسب تقديرنا – هو عام التجريب الحاسم الذي يتضح فيه بجلاء اتجاهه نحو التحرر من التقاليد العمودية.
حرية اللغة:
لعل أبرز مظهر من مظاهر اتجاهه نحو الحرية ذلك الجانب المتعلق بالتحرر من القاموس الشعري التقليدي ،فأن واحدة من أهم الإشكاليات التي تجرأ السياب عليها إشكالية اللغة الشعرية ، هذا المأزق الثقافي المزمن ، إذ بقي القاموس الشعري للشاعر العربي محافظا على شكله عدة قرون ، على الرغم من ((إن لكل عصر همومه ومشاكله وقضاياه ، والإنسان مطالب في كل عصر بأن يواجه الحياة بما يلائمها من سلوك .......... واللغة – بوصفها ترجمانا لكل فعل، أو المقابل اللفظي لكل موقف – إنما تتكيف، بحكم ما في طبيعتها من طواعية ومرونة، وفقا لكل فعل وكل موقف.))[22]
ويمكن أن نرصد ثلاثة جوانب من التغيير في شعر السياب العمودي ، طرأت على لغته بشكل خاص في عام التجريب 1944 ، وهي :
أولا: تجربة قاموس الرومانسيين:
في كثير من قصائده التي كتبها في هذا العام يتعمد الاعتماد على القاموس الشعري للرومانسيين في عصره ، وربما كان أبرزهم علي محمود طه المهندس الذي كان بدر يحاول الاتصال به لعرض أعماله عليه . [23] واحدة من هذه القصائد (رثاء القطيع ):
لقد حدثوني بموت القطيع فشدت على القلب كف الألم
رأيتك تبكين بين الثرى وتستصرخين رعاة الغنم
وحولك سرب من الراعيات يخففن عنك الضنى والسأم
لقد زوقت تحت أيدي الأصيل سفوح الروابي بظل القمم[24]
هذا المشهد – قطعا – ليس من بيئة الشاعر، بل هو من نتاج خياله، بناه من قراءته شعر الرومانسيين في عصره. تشهد على ذلك مفردات مثل (السفوح والقمم ) التي لا وجود لها في أبي الخصيب.
اللغة هنا لا تمت بصلة إلى اللغة التقليدية ، فلم يعتد شاعر القريض على استخدام هذه المفردات ، إنها أقرب إلى المفردة الشعبية ، لكنها اكتسبت الشعرية حديثا ، نتيجة للفارق الكبير الذي صار يميز المدينة من الريف وبعد اكتشاف الرومانسيين شعرية الطبيعة .
وحورية النهر واحدة من قصائد هذا العام :
نفوس معذبة هائمه تخبط في الظلمة القاتمة
أجــد لها الليل أحزانها وتذكار أيامها الباسمة
وأسرى بها تحت جنح الظلام زوارق في اللجة الغائمة
إذا ما تلوت على الشاطئين من النهر أمواجه اللاطمة[25]
مشهد حورية البحر مشهد رومانسي معتاد، لكن ما يهمنا هنا ليس المشهد ذاته بل قاموس المفردات الذي استخدم في رسمه، إن بيتا مثل:
وأرسى على مائه زورق تؤرجحه النسمة الحالمة
لو أنه ورد في قصيدة عمودية تقليدية ، لعد من فضول الكلام ، وما أعطاه شعريته هنا بناء القصيدة بكاملها من القاموس الرومانسي الذي يتخذ من مفردات الطبيعة أهم مصدر من مصادر اللغة الشعرية .
ثانيا: تجربة اللغة المحلية
يبدو أن الشاعر أحس أن القاموس الرومانسي ليس هو ما يبحث عنه تماما ’فأخذ يقترب من اللغة المحلية باستخدام قاموسه الخاص الذي يعبر بصورة أصدق عن الطبيعة التي يعرفها:
الشط راوحه الأصيل فمضى على رود يسيل
وبدا نخيل الضفة الأخــــــــــــرى تحركه القبول
كم تحته من منزل لايستريح به النزيل
سعف وجذع سقفه جنباته تعب شغول
وأمامه بلم حبيس آده الحبس الطويل[26]
كتب الشاعر اهدءا صدر به القصيدة هو ((إلى روح ووردزورث) ، وعلى الرغم من هذه الرسالة الرومانسية الواضحة , نرى بدرا يحاول هجر القاموس الرومانسي القياسي ، واستخدام قاموسه الخاص العراقي البصري ، فكلمة الشط قد لا تعني النهر إلا في اللهجة العراقية ، والسعف والجذع مفردات البيئة البصرية أكثر من غيرها ، والبلم هي التسمية المحلية لزوارق (شط العرب).
وفي ( حطمت قيدا من القيود ) قال:
عشرون عاما روعت أشباحها مهد الرضيع ومرقد العذراء
سوداء يحتضن السنابل طيفهـــــــــــــــا ويهدد التنور بالإطفاء
ويظل يرسم في الفضاء بإصبع حمقاء ظل (الخبزة) السوداء[27]
هذا التنور ليس إلا التنور العراقي المعروف ، والخبزة مفردة لا يستخدمها غير العراقيين ويرمزون بها إلى كل ضروريات الحياة.
وفي (رثاء فلاح) ، نستطيع أن نستنتج من مفردات الشاعر أنه يتحدث عن فلاح من جنوب العراق ، فالمنجل و(يغيض اللظى صدور النساء) مفردات عراقية جنوبية.[28]
ثالثا : الجرأة في التعامل مع اللغة
عندما توقف صلاح عبد الصبور عند ت. س. إليوت قال: ((لم تستوقفني أفكاره أول الأمر بقدر ما استوقفتني جسارته اللغوية))[29]، ويبدو أن هذه الجرأة تجربة لا بد أن يمر بها المجدد ، فمثلما كانت الجرأة في التعامل مع اللغة مفتاح اليوت للتغيير ، كان على السياب أن يخوض هذه التجربة
يمكن أن نلاحظ في قصائد السياب العمودية منذ العام 1944 ظاهرتين صرفيتين ؛ أما الأولى فهي التلاعب في البنية الصرفية للكلمة لإخضاعها للوزن ، وأما الثانية فهي استخدام اشتقا قات جديدة أو غير مألوفة . وقد لاحظنا مقدرة بدر اللغوية فيما كتب قبل 1944 الأمر الذي يدفعنا إلى الاعتقاد بأن هاتين الظاهرتين لا تدلان على عجز الشاعر بل هما تجربة من التجارب التي خاضها نحو الحرية.
في (يا نهر ) قال:
ليودّ من شغف بمائك لو غدا ظلا يداعب فيه جنياته
متعلقا بشراع كل سفينة ليجاذب الملاح أغنيّاته[30]
لايستقيم الوزن مع كلمة ( أغنياته ) إلا إذا كانت الياء مشددة ، وهذا تلاعب بالبنية الصرفية لتتلاءم مع الوزن. وفي ثورة على حواء ، مثلا نقرأ :
قد لفها ليل غلالته قبرية ونجومه الرمم[31]
ربما لم يستخدم شاعر غير بدر هذه النسبة الغريبة (قبرية). وفي (بين الرضا والغضب) قال:
قد كنت فيما قلت معتسفا فلبئس قولا ذلك الكلم[32]
وقد بحثنا في المعاجم عن هذا الاشتقاق (معتسف) فلم نجده . وفي (حديث) يرد هذان البيتان:
لم يلق شعري منك قلبا راضيا فلقد سقته مآتمي حتى ارتوى
فلتهتفن بكل نغم ساحر مما تفيض عليك أيام النوى
يمكن أن نلاحظ أن الوزن لا يستقيم مع كلمة (نغم) إلا بتسكين الغين .
حرية الصورة:
ربما كانت الصورة أهم ما يجعل الشعر شعرا، وقد تنبه القدماء إلى أهميتها وذهبوا في تطويرها كل مذهب. فالجاحظ عرف الشعر مرة بأنه (( صناعة من النسج وجنس من التصوير ))[33] ، وابتكروا لبنائها كثيرا من التقنيات التي تجمعها كتب البلاغة في باب البيان . ولكننا نريد هنا أن نبين أن كل تلك التقنيات مبنية على أساس ثنائي ، ذلك لأن أصلها جميعا هو التشبيه المكون من طرفين ؛ مشبه ومشيه به ، وهناك أداة التشبيه التي تفصل بين الصورة الواقعية والصورة التخييلية . فإذا نظرنا إلى قول المتنبي الآتي مثلا:
بليت بلى الأطلال ان لم أقف بها وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه
نلاحظ أن ثنائية البناء التي تسيطر على ذهن الشاعر تدفعه إلى أن يبني البيت من صورتين ؛ واقعية وتخييلية ، ويضع كل منهما في شطر من البيت في تقابل ثنائي هندسي .
ثم إن الصورة في الموروث النقدي العربي كانت ضربا من ضروب البيان ، ولم يصبوا كبير اهتمام على المدلولات الانفعالية والنفسية لها ، ينقل صاحب الخزانة عن الرماني قوله : ((التشبيه هو العقد على أن أحد الشيئين يسد مسد الآخر في حال وهذا هو التشبيه العام الذي يدخل تحته التشبيه البليغ وغيره والتشبيه البليغ هو إخراج الأغمض إلى الأوضح مع حسن التأليف ))[34]
أما الصورة عند بدرفقد أصبحت (( عنصراً مهماً من عناصر بناء القصيدة فضلاً عن كونها الشكل الراقي للغة الانفعالية والعاطفية ))[35]، والواقع أن استخدام الصورة أداة انفعالية لم يظهر في الشعر الحر ، بل في الشعر العمودي بينما كان السياب يتجه نحو حرية الشكل .
تبكين .. والريف الجميل يكاد يرقصه الغروب
والليل يدنو .. والغيوم بجمرها الخابي تذوب
أرخى يديه على أبيك .. فكف منجله الدؤوب [36]
للصورة هنا مفهوم آخر ، فقد اختفت تماما تقنيات التشبيه وتحول مفهوم الصورة إلى رؤيا تخييلية للأشياء فكأن الشاعر ينظر بعين ملكوتية تريه الكون بصورة لا يراها غيره ، هذه الصورة الحانية لليل رسمت بالرؤيا التي يسترسل معها الشاعر لأبيات عدة.
ولبدر قصيدة أسماها (شاعر) مطلعها:
كفن بالأوراق آهاته وارتد يرثيها بآياته [37]
هنا يقدم الشاعر صورته بلغة شديدة الكثافة ، تحمل شحنة انفعالية كبيرة ، فالبيت يصور شاعرا كتب قصيدة ثم راح يقرأها أو يراجعها , ولو شئنا نثر البيت بالتشبيه التقليدي نقول : كأن الأوراق التي كتب عليها الشاعر قصيدته كفن وكأن كلماته التي كتبها آهاته وكأنه كفن آهاته بهذا الكفن ، فلما قرأها كان كأنه يرثي تلك الآهات بآيات من الشعر. وثمة معنى آخر هو المعنى الانفعالي، إذ إن تصوير الأوراق والكلمات بالكفن والآهات، إنما هو تصوير انفعالي أراد به التعبير عن يأس هذا الشاعر وإحباطه.
وبإمكاننا استخراج مئات الصور من هذا النمط من شعر بدر العمودي ، لكننا نترك هذا للقارئ خشية الإطالة .
الحرية من خلال الفعل الدرامي :
واحدة من أهم التقنيات التي اهتدى إليها الشاعر في بحثه عن الحرية اعتماد الفعل الدرامي وسيلة لذلك ، فكان يبني كثيرا من قصائده على خلق توتر درامي انفعالي بين شخصيتين ، ومن ذلك قصيدة (أغنية الراعي)[38] ، فحين نقرأ عنوان القصيدة نعلم أن هناك شخصية الراعي وهذه أغنيته :
دعي أغنامنا ترعى حيال المورد العذب
وهيا نعتلي الربوة يـــــا فاتنــــــة القلــــــــب
ومنذ المطلع تدخل الشخصية الأخرى إلى وعينا، فأغنية الراعي خطاب لحبيبته. وفي أبيات تالية يرسم الراعي صورة انفعالية للقائه حبيبته ، لكن التوتر يبدأ بالتصاعد ابتداء من :
سئمنا العالم الفاني والناس ومرعانا
لقد سجنوا بأغلال من الأنظار نجوانا
وهنا يبدأ بتركيب الفعل الدرامي الذي يتجه نحو حل التوتر:
سننشد في أمان من عيون الناس مأوانا
وبعد أن يصور عدة حلول لحل التوتر يختتم القصيدة بهذه الصورة:
ضعي يدك الجميلة في يدي ولنذهب الآنا
وفيما كتب السياب في عام التجريب كما نسميه وهو العام 1944 كتب قصيدة طويلة فقد معظمها ، هي قصيدة (بين الروح والجسد)[39] ، والتي نرى فيها تجربة درامية ناضجة ، فهي نص مبني على تعدد الأصوات ، إذ هناك شخصية الراوي الذي تبدأ القصيدة به وهو يصف شاعر الروح :
هذا الجريح وجرحه لا يضمد جار الغرام عليه فهو مسهد
صب أطار الصفو من أضلاعه قلب يمر به الهوى فيعربد
ثم يصف شاعر الشهوة:
تلك الدماء بقلبه المتضرم تغلي فتدفع جسمه للمأثم
وهكذا يقدم بعد ذلك وصفا للفتاة موضوع النزاع بين الشاعرين ’ وبعد ذلك تدخل أصوات الشاعرين في حوار يصور الصراع الدرامي بينهما.
هذا النوع من التقنية أعطى بدرا قدرة واضحة على التحرر من ثنائية الشعر العمودي وبناء نص طويل على أسس جديدة أهمها ملاحقة الفعل الدرامي عبر أبياته غير آبه بالطول ولا ما يتطلبه من حرص على الحفاظ على التقنيات الثنائية للبيت.
خاتمة:
خلاصة القول أن حركة بدر شاكر السياب نحو الشعر بدأت منذ وقت مبكر في شعره العمودي ، عبر مجموعة من التقنيات مكنته من الانعتاق من سطوة الشعر التقليدي ، لكن ما أردناه هو إثبات أن حرية الوزن والقافية هي آخر ما تحقق في الحكة نحو حرية الشعر
بقي أن ننبه إلى أن بدرا كتب ثمان قصائد عمودية بين العامين 1952 و1964 ، أي في الوقت الذي وصل فيه إلى إنضاج الشكل الجديد ، وهذه القصائد بحاجة إلى دراسة أخرى تبين الدواعي التي دفعت الشاعر إلى العودة بها إلى الشكل التقليدي .
ــــــــــــــــــــ
المصادر والمراجع
أبو البقاء العكبري ، ديوان أبي الطيب المتنبي ، بيروت ، 1978
أبو الفرج الأصفهاني ، الأغاني ،بيروت ، د .ت ، ط2
بدر شاكر السياب ، الأعمال الشعرية الكاملة ، بغداد ،2000 ، ط3
تقي الدين الحموي ، خزانة الأدب ، بيروت، 1987 ، ط1
ثائر عبد المجيد العذاري ، الإيقاع في الشعر العربي الحديث في العراق ، أطروحة ماجستير ، جامعة بغداد ، كلية التربية ، مخطوطة ، 1989
الجاحظ ، الحيوان ،تحقيق عبد السلام هارون ، القاهرة ، د . ت ، ط2
خليل موسى ، بنية القصيدة العربية المعاصرة المتكاملة ، دمشق ، 2003
ضياء الدين الموصلي ، المثل السائر، بيروت ، 1995
عز الدين اسماعيل ، الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية ، القاهرة ، 1967
عناد غزوان ، أصداء – دراسات أدبية نقدية ، دمشق ، 2000
كاملي بلحاج ، أثر التراث الشعبي في تشكيل القصيدة العربية المعاصرة، دمشق ، 2000
كمال أبو ديب ، جدلية الخفاء والتجلي ، بيروت ،1981 ،ط2
محمد بن سعد الدين القزويني ، الايضاح في علوم البلاغة ، بيروت ،1998 ، ط4
نازك الملائكة , قضايا الشعر المعاصر، بيروت ، 1962 ، ط1
[1] على هذا الأساس بني كل كتابها قضايا الشعر المعاصر ويكفي النظر إلى الفهرس :358
[2] ينظر الايضاح في علوم البلاغة : 1/318 وما بعدها
[3] ديوان أبي الطيب المتنبي : 4/81
[4] للاستزادة ينظر المثل السائر : 1/247
[7] فكرة النسق الإيقاعي واحدة من الأفكار البنيوية ملخصها أن التكرار وحده لا يمكن أن يصنع الإيقاع بل لابد من انهاء التكرار بما يسمى حل النسق . للاستزادة ينظر جدلية الخفاء والتجلي : 108 وما بعدها
[8] ديوان أبي الطيب المتنبي : 4/281
[9] الأعمال الشعرية الكاملة : 409
[10] نفسه :408 ، 410 ، 411 ، 412 ، 412
[11] نفسه : 413 ، 415 ، 416 ، 418 ، 419
[12] الأعمال الشعرية الكاملة : 84، 407 ،407 ،419، 420، 421، 423، 424، 425 ،425 ،426 ،427 ،429 ،459 ،459 ،460 ،462 ،463 ،464 ،465 ،466 ،467 ،467 ،468 ،470 ،471
[13] نفسه: 37 ،86 ، قصائد مجموعة أعاصير 495 – 511
[15] نفسه :57 ،59 ،61 ،62 ،63 ،69 ،74 ،79 ،526 ،527
[16] نفسه : 364 ،523 ،530 ، 532 ،533 ،535 ،537 ،538
[17] ينظر قضايا الشعر المعاصر : 67 - 97
[18] ينظر الايقاع في الشعر العربي الحديث في العراق : الفصل الأول
1 بنية القصيدة العربية المعاصرة المتكاملة ، د. خليل موسى : اتحاد الكتاب العرب ، دمشق ، 2003 ، 7
[20] الأعمال الشعرية الكاملة : 410
[22] الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية : 175
[23] ينظر مثلا ملاحظة المحقق في الأعمال الشعرية الكاملة :471
[24] الأعمال الشعرية الكاملة:429
[25] الأعمال الشعرية الكاملة: 431
[27] الأعمال الشعرية الكاملة: 496
[29] أثر التراث الشعبي في تشكيل القصيدة العربية المعاصرة، كاملي بلحاج : اتحاد الكتاب العرب ، دمشق ، 2004 ، 55
[30] الأعمال الشعرية الكاملة: 470
[34] خزانة الأدب :: 1 / 384
[35] أصداء – دراسات أدبية نقدية : 181
[36] الأعمال الشعرية الكاملة : 511
[38] الأعمال الشعرية الكاملة:421