|
17:36 مساءاً
كالرعد.. ومن بين
الضجيج الذي يملأ المكان.. شق صوت قائد الشرطة الجو:
- (نبيل)
.. انزع ذلك السلك اللعين من مؤخرة رأسك فوراً.. وأنتِ كذلك
يا (رحمة)!
و كأنه لم يقصد بتلك
الصيحة سوى استقطاب انتباه الجميع.. إذ رفع يديه مواجهاً
الأعين المسلطة وهو يهدر أكثر:
-
كل من يتصل بالشبكة
المركزية عبر شريحة حيوية عليه أن يقطع الإرسال وينـزع السلك
من مقبسه فوراً.. هذا أمر !
تبلدت الوجوه المطلة
على القائد للحظة.. في مكتب الاستقبال بمركز الشرطة الرئيسي
بالمدينة.. قبل أن يرفع كثيرون أياديهم في تلقائية..
ويخُرجوا الأسلاك الدقيقة المغروسة في مقابس خاصة بمؤخرات
رؤوسهم.. وخلف آذانهم.
لكن القائد لم يكتف
بإلقاء الأمر الفوري.. بل عمل على أن ينفذه بنفسه أيضاً..
فانقض بجسده الضخم على موظف ناعس لم يزل موصلاً بالشبكة
منكفئاً بوجهه على ذراعيه.. وانتزع طرف السلك من رأسه عنوة
وهو يصيح:
- قلت
لك الآ…
تباً !
جمد القائد في مكانه
في وجوم في حين تعالت صيحات الذعر من الرجال والنساء
العاملين بمركز الشرطة وقد راعهم منظر الموظف الذي جذبه
القائد.. لتبدو عيناه المقلوبتان.. وفمه المفتوح بلا إرادة..
وخيط اللعاب الذي يسيل على ذقنه.
غمغم القائد بينما
الآخرون يهرعون لتفقد زميلهم:
-
تباً.. يجب أن نعرف
مالذي يحصل بالضبط !
. . .
17:47
- أريد
إجابة على السؤال يا (عبد الملك).. وسريعاً جداً.. إن الحاكم
يواجه موقفاً عصيباً للغاية لأن الفكرة كانت فكرته منذ
البداية كما تعلم.
- كم
ضحية فقدنا إلى الآن ؟
- لا
نعرف تحديداً.. إنما حسب ما يظهر لنا هناك ثلاثون موصلون
بالشبكة إلى الآن.. لقد أرسلنا لهم جميعاً نطالبهم بفصل
الإرسال. لكن عدم تجاوبهم معنا للآن لا يترك لنا سوى افتراض
الأسوأ.
مط الرجل شفتيه في
امتعاض:
- ثلاثون
! هذا رقم كبير..
غمغم الجالس بجواره
في السيارة:
- أظن
الحاكم مضطر للبحث عن وظيفة جديدة والحال كذلك !
زعق القائد الشرطة
عبر جهاز الاتصال:
- لقد
سمعت ذلك يا (فهد) .. وأقسم أن تلحق به أنت أيضاً ما لم تغلق
فمك عن السخافات وتعمل بجد في هذا الموضوع!
قال الفتى وهو يكتم
ضحكة:
- مهلاً
يا سيدي.. لماذا تُحملون الموضوع كل هذا الاهتمام.. أظن
الأسوأ قد حصل وانتهى الأمر!
قال (عبد الملك) وهو
يواصل القيادة:
-
لا أظن أنا ذلك..
هناك شيء ما.. عاقل.. يعبث بالشبكة المركزية.. وإذا استطعت
اختراق الشبكة المركزية فأنت تستطيع أن تفعل الكثير.. ربما
كل شيء في الواقع!
اعتدل الشاب (فهد) في
جلسته وهتف:
ومن قال أن أحداً قد
تسلل إلى الشبكة المركزية؟ أنا أكيد من أن الأمر لا يتجاوز
عطلاً فنياً أصاب برنامج الموصلات العقلية الأخرق.. لقد كان
ذلك المشروع عبثاً منذ البداية!
-
إننا نفترض الأسوأ دوماً.. وسنصل على كل حال
لمبنى المتابعة لنعرف…
لم يكمل (عبد الملك)
عبارته لأنه انقض بقدمه على دواسة المكابح.. وأدار المقود
بعنف محاولاً تفادي السيارة التي اعترضت طريقه بغتة.
ولم يحس الاثنان إلا
وسيارتهما تدور.. ثم ترتج بعنف قبل أن تتوقف.. مع ضجة عنيفة
وفوضى تملآن المكان.
صرخ (فهد) وهو يتمالك
نفسه:
-
تباً.. مالذي حدث ؟!
هتف به (عبد الملك):
-
أنت بخير ؟!
لكن الفتى تجاهله
تماماً وهو يقفز خارج السيارة ليحملق في المشهد حوله بذهول
وهو يواصل الصياح:
-
تباً.. مالذي يجري
هنا ؟
مسح عبد الملك الشارع
بنظره قبل أن يختطف سماعة جهاز الاتصال في سيارته و يخاطب
رئيسه من خلالها:
-
من أ-ش-5 إلى
القيادة.. نحن في تقاطع الشارع الثالث مع الثاني عشر.. وقد
علقنا في حادث جماعي غريب.. هناك ما لا يقل عن خمس عشرة
سيارة مصطدمة ببعضها هنا.. حوِّل.
تعالى الصوت الهادر
لرئيس الشرطة:
-
أسمعك يا (عبد
الملك).. هذا هو الوضع عند كل تقاطعات المدينة يا رجل.. لسبب
ما فالإشارات المرورية كلها خضراء.. وكأن برنامجها قد تعطل
بغتة إلا عن إعطاء الضوء الأخضر !
نظر (عبد الملك) و
(فهد) لبعضهما في صمت قبل أن يعودا للجلوس في السيارة ..
وقبل أن يعيد (عبد الملك) تشغيلها ويعتلي بها رصيفاً ثم
يخترق حديقة للمشاة متجاوزاً زحام الحادث الشنيع.
-
على كل أرسلوا
تعزيزات إسعاف سريعاً فهناك مصابون ولا شك.. نحن في طريقنا
للمركز.
-
مصابون !! هناك
تقارير عن قتلى يا رجل!
. . .
18:05
-
وهذا السلك ؟
- هذا؟!..
هذا الذي نبهت عليه لتوي.. قلت أن هذا يلقى بلا فائدة.. دعيه
هكذا متدلياً من مؤخرة الجهاز أو احتفظي به ذيلاً للمستقبل
لا يهم.. أظنني أكرر هذا التعليق للمرة العاشرة !!
احمر وجه المرأة التي
طرحت السؤال في خجل.. وانشغلت أكثر في تركيب الطبق الفضي
اللامع بجهاز الكمبيوتر المحمول.. في حين هتفت المرأة
البدينة التي كانت لتوها تُقرعها بالجمع المتواجد في ساحة
مفتوحة على الهواء الطلق:
- لا
وقت لدينا نضيعه يا جماعة.. نحن نواجه أول تحد حقيقي لنا منذ
أن تأسست الفرقة و علينا أن نثبت أنفسنا.. عليكم أن تفتحوا
عقولكم و آذانكم معي لأنني لن أكرر شيئاً مما أقول.. كما سبق
وقلت !!
اعتدل (عبد الملك) في
جلسته على الأرض العشبية.. رشق لوحة المفاتيح بعدة ضربات قبل
أن يغمغم:
- حسنٌ..
إنه يعمل.
- ممتــاز!..
قالت المرأة البدينة
قبل أن تعلن:
- من
المفترض أن تستطيعوا كلكم الاتصال بالشبكة المركزية عن طريق
القمر الصناعي. هكذا لا تحتاجون للمخاطرة بالدخول بعقولكم
ولا لأن تكونوا تحت رحمة أي عابث بخطوط الهاتف.. إذا افترضنا
وجود واحد.
كان الكل قد انشغل في
حوار محموم مع لوحة المفاتيح أمامه. والمرأة.. رئيسة فرقة
أمن الشبكات تستطرد وهي تعدل الحجاب حول رأسها:
-
كما تعرفون فقد بدأ
الأمر منذ حوالي ساعتين.. وبدأ تحديداً مع أولئك المتبرعين
الذين تمت زراعة شرائح الاتصال الحديثة في رؤوسهم.. كثيرون
منهم فقدوا عقولهم بغتة وهم متصلون بالشبكة عبر القناة
الحيوية.. كلهم يعانون من أعراض متشابهة.. ذهول مطبق و تعطل
في وظائف المخ و في التحكم بالأعضاء. شيء هو خليط من
الغيبوبة و الصرع لا أفهم كثيراً في أمور الطب هذه..
هتف الفتى (فهد):
- الثلاثون
المتصلون بالشبكة عبر رؤوسهم.. لا أرى بعضهم الآن على
الشاشة!!
قالت مراقبة أخرى:
- بالضبط..
هناك اثنان انفصلا.
-قالت
الرئيسة:
- أجل..
لقد أرسلنا بعض فرق الإسعاف لتفقد أولئك الذين لم ينفصلوا عن
الخدمة بعد.. غالباً فكلهم أصيب بالعاهة العجيبة.. و غالباً
هم يقيمون وحدهم إذ لم يساعدهم أحد للآن لذا فلا داعي
للقلق.. ما نريده هو أن نعرف الشيء.. أو الشخص.. اللعين الذي
يسبب كل هذا !
هتفت (عبير):
- لماذا
لا يكون واحداً من المتصلين الآن بالذات ؟!
ساد صمت مباغت بعد
عبارتها.. رمقها (فهد) في فضول قبل أن تقول الرئيسة وهي
تتطلع للفتاة التي لملمت عباءتها في خجل:
-
فكرة ممتازة.. إذن سنقسم بعضنا لفآت ونقوم
بزيارة هؤلاء المتصلين لنتأكد من أنهم كلهم مختلون عقلياً
فعلاً لا مسببون للاختلال.. وسوف…
اختفى النور فجأة من
العالم حولهم.. هبط ستار ظلام سريع ..ولم يتمالك البعض
أنفسهم من أن يهتفوا في ذعر.. بينما انطلق صوت الرئيسة:
- هدوء
.. مهلاً.. سيعمل المولد الاحتياطي خلال ثوان.
ما أن حصل ذلك حتى
كان الكل يتطلع حوله في قلق في حين كان آخرون يرمقون الأفق
.. في حديقة مبناهم المفتوحة التي تجمع فيها أعضاء فريق أمن
الشبكات ليكونوا على اتصال مباشر بقمر الاتصالات الصناعي.
قال (صلاح):
- يا
إخوان.. أظن أن كل ذلك هو من فعل نور!
قالها وهو يشير
للمدينة.. أو لخيالها الذي يبدو تحت القمر.. وقد انطفأ كل
مصدر ضوء كهربائي فيها وغرقت في ظلام تام.
تناولت الرئيسة
هاتفها المحمول الذي يرن و أجرت حواراً سريعاً قبل أن تعلن:
-
هذا رئيس الشرطة..
هناك عطل ما أصاب الكمبيوتر المركزي لمحطة الكهرباء.. وهو لا
يعمل و لا يستجيب لمحاولات إعادة التشغيل.
عاد الأعضاء يتطلعون
لبعضهم في وجوم.
قفز (فهد) واقفاً:
-
رئيسة.. قلت أنك
ستوزعيننا عل فرق ؟!
. . .
18:18
قطَّب (عبد الملك)
حاجبيه في امتعاض بينما كان أفراد فريق الإسعاف يحملون الرجل
الذاهل على محفة وينقلونه لسيارتهم.
كان يعاني من ذات
الأعراض.. نفس النظرات الذاهلة.. نفس العقل المفقود.. و نفس
الجسد الخارج عن نطاق التحكم.. لاحظ (عبد الملك) أن خيطاً من
سائل ما كان يتقاطر خلف المحفة على الأرض فأشاح بوجهه وهو
يغمغم:
- هذا
مقزز.
داخل بيت الضحية..
كان (فهد) يعبث بجهاز الكمبيوتر الذي لم يزل يعمل.. عارضاً
على شاشته آخر ما كان المسكين يتابع.
قال (فهد):
-
لا شيء غير طبيعي..
لقد كان يمارس لعبة جماعية عبر الشبكة عندما حصل ما حصل..
والاثنان الآخران اللذان كانا يلعبان معه.. لا أرى اسمهما
ضمن الثلاثين المنحوسين.
قال (عبد الملك) وهو
يحرك كشَّافه في الغرفة الملتفة بالظلام.. كما كل أنحاء
المدينة.
- ليس
من الوارد أن يكون أحدهما سبب المصيبة لأن الفاعل لا يزال..
بالتأكيد.. متصلاً بالشبكة.
-
ماذا لو كان يتعمد
الهرب من الشبكة عقب كل ضربة.. قبل أن يعيد الاختراق مرة
أخرى؟
- (فهد)
!.. كن واقعياً.. هل تعرف كم هو صعب اختراق نظام الشبكة
السري لو لمرة واحدة؟.. غالباً هذا يحصل بالصدفة.
توقف القرص الضوئي
المتقافز عبر الجدران عند هيكل خشبي لديناصور..
- ماذا
كان صاحبنا يعمل؟
- أممم..
لحظة…
تك
تكتك..تتك…
- ياه..
الأخ كان أستاذاً جامعياً.. في الجيولوجيا..
مط (عبد الملك)
شفتيه.. واصل العبث ببقعة الضوء على الجدار..
-
خسارة.. فقدنا عقلاً
نافعاً.
تأكد (فهد) من تثبيت
قرص الهوائي خارج النافذة قبل أن يواصل الطرقعة على الجهاز..
-
في الواقع.. فقدنا
عدة عقول.. لاعب كرة.. شرطيين ولواءاً في الجيش!! هع هع..
تباً .. هكذا سيطير الحاكم إلى المريخ!
رمق (عبد الملك) شاشة
رفيقه لبرهة قبل أن يلاحظ شيئاً:
-
لماذا لم يزل كل
هؤلاء متصلين بالشبكة للآن؟ من المسؤول عن هذا القطاع؟
وضع (فهد) كفيه على
صدره وهو يهمس:
-الأخت
(عبير) !
رماه (عبد الملك)
بنظرة باردة قبل أن يضغط أزرار جواله بسرعة:
-(عبير)
.. ماذا تفعلين عندك؟! لماذا لم يزل رقم 23 متصلاً للآن؟
وصله صوت الفتاة من
بين شهقاتها:
-عذراً
(عبد الملك).. لكن الرجل.. ياإلهي لقد كان ميتاً..
-
همم.. هذا فظيع.
-
أجل .. كان منظره
رهيباً إذ اقتحمنا عليه أنا و (هبة) غرفته.. عندما وقع ضوء
مصابيحنا على وجهه الشاحب وعينيه الآفلتين.. إن (هبة) لم
تتمالك نفسها إلى الآن.. هي لم تزل ترتجف في السيارة و أخشى
أن تنهار.. لذا فنحن لم نلمسه ولم نبلغ عنه.. ربما لاحقاً يا
(عبد الملك) !
-حسنٌ..
أعرف أننا لم نتدرب على التعامل مع ثمة مواقف.. أنا آسف على
كل حال وداعاً.
غادر المكان سريعاً
بينما قفز خلفه (فهد):
-
ماذا حصل ؟
-وجدوه
ميتاً.
-ماذا
حصل لـ (عبير)؟!
اتسعت الابتسامة على
وجه (عبد الملك) وقال دون أن يواجه الفتى القلق:
-أوه..
هذه ما تزال حية!
. . .
18:15
كان رئيس الشرطة
يعتصر السماعة وهو يهدر في الهاتف:
- ماذا
تعني بأنه لم يفقد عقله بعد؟ هل هو المجرم أم لا هذا ما
يهمني!!
تلعثم (هشام)
-لا
أظن ذلك يا سيدي.. لكنني ظننتها معلومة قيمة على كل حال..
هذا هو أول ضحية نجده مصاباً بفقدان ذاكرة وحسب.. إنه لم يصل
لمرحلة التدهور التي يعانيها الآخرون.
ترجرج صدر الرئيس في
زفرات حانقات قبل أن يجش عبر السماعة:
- على
كل حال.. بَّلغ هذه المعلومة القيمة لرئيستكم.. أريد معلومات
أكثر قيمة سريعاً.
وهمد السماعة.
. . .
18:22
- فقدان
ذاكرة ؟!
حاول (فهد) أن يتجاهل
صوت تيارات الهواء التي تهدر بأذنيه إذ تخترق السيارة
الطرقات التي مُنع التجول فيها.. وهو يمسك بقرص الهوائي
الكمبيوتري خارج الشباك.. ليصغي لـ (عبد الملك) يجري حواراً
مع القيادة بيد ويقود بالأخرى.
- وماذا
يقول الأطباء عن الآخرين..؟
-
………
- همم..
حسنُ على كل حال نحن في طريقنا للموقع الآخر لنفصل جثة أخرى
أو معتوهاً آخر.. وافونا بالتطورات.
عاد يركز في القيادة
غارقاً في تأملاته.. ومرت فترة قبل أن يهتف به (فهد):
-
مــاذا؟
-
ماذا ماذا ؟
- هيه..
مرحباً.. نحن في ذات الفريق.. وأنا لم أحصل على القدرة على
قراءة الأفكار بعد.. أخبرني بما أخبروك يا رجل!
ابتسم (عبد الملك)
للأسلوب الجامح للفتى قبل أن يقول:
- وجدوا
أحد الضحايا محطماً أقل من سواه.. لقد تعرض لفقدان ذاكرة و
حسب.. ويظنون أن هذا ما يحصل للآخرين أيضاً قبل أن يغرقوا في
الضياع.
- يا
للعنة.. هذا مرض نمطي إذن يمر بخطوات متسلسلة.. و كأنه كود
برنامج!!
-
بالضبط.. ذاك كان
محظوظاً فلسبب أو لآخر لم تكتمل معه خطوات البرنامج المدمر.
- ألف
لعنة.. فقدان ذاكرة مرة واحدة.
لبث الاثنان صامتين
لفترة..
(فهد) قابضاً على
الهوائي مبرزاً إياه من الشباك المفتوح و الهواء يتشاجر مع
خصلات شعره.. و (عبد الملك) مدلياً شفتيه مغرقاً في التفكير
و القيادة معاً.
لم
يكن قبل دقيقة…
أن راح حاجبا (عبد الملك) يلتصقان.. وتبرز تفاحة آدم في
حنجرة الفتى أكثر..
بصوت متحشرج سأل (عبد
الملك):
- (فهد)..
ماذا قلت قبل برهة ؟
- أيهما
تقصد.. قراءة الأفكار أم موضوع اللواء في الجيش ؟
صرخ (عبد الملك):
- اللهم
رحماك..
قالها وهو يدير مقود
السيرة بجنون مغيراً اتجاه انطلاق المركبة.
. . .
18:40
بدا منظر أعضاء فريق
أمن الشبكات ضئيلاً و مضحكاً وقد تجمعوا حول أجهزة الكمبيوتر
محاطين بكتل العضلات المكسوة بالأخضر: الضباط والجنود الذين
يرمقونهم بشك وغل.
قُطع الصوت الرتيب
للقرع على مفاتيح الكمبيوتر.. قطعه صوت قائد القاعدة
العسكرية الرصين:
-
لا زلت غير مقتنع يا
سيدة (ميساء) بجدوى تدخلكم في قاعدتي.. إنني أمتلك فريق
فنيين مؤهلاً بشكل ممتاز ويمكنهم حتماً فعل ما تفعلون..
ولولا طلب السيد الحاكم لما سمحت لكم بأن تمضوا دقيقة واحدة
داخل هذا المكان المحظور على المدنيين.
رمقته المرأة البدينة
القوية لثوان قبل أن تعتدل في وقفتها ثم تنطلق:
-
أولاً: هؤلاء ليسوا
فنيين لتقارنهم بمجموعة الجنود المتلقين لعدة دورات تدريبية
حول عدم الخوف من الكمبيوتر عندك.. هؤلاء محترفون.. بل
اختصاصيون في مجالهم. ثانياً: أنت لا تعرف أساساً ما هو
الخطر الذي يهدد قاعدتك لتحميها.. نحن نعرف.. نحن سنتصرف.
ثالثاً: نحن لم نكن بحاجة لموافقة الحاكم أو غيره لنمارس
عملنا هنا. إن وحدة أمن الشبكات هي وحدة رسمية تملك كافة
الصلاحيات لحماية مصالح الوطن ضمن تخصصها.. أينما كان ذلك.
كان صوتها قد وصل
لدرجة من الارتفاع مع كل كلمة حتى أن الكل قد ترك ما بيديه و
راح يتطلع لها في قلق.
انسحب القائد قبل أن
يفرغ مسدسه في حلقها في حين دارت هي حول محورها في إباء
وواصلت قيادة أتباعها دون أن تلتفت لأحد.
كان دور نائب قائد
القاعدة ليتنحنح ثم يسأل بأدب:
- على
الأقل يمكنكم أن تشرحوا لنا ما الذي يجري؟
لم تعره الرئيسة
(ميساء) التفاتة في حين هب (صلاح) ليدرأ الحرج :
- نحن
نعتقد أن هناك متسللاً استطاع اختراق الشبكة.. وبطريقة أو
بأخرى توصل لسحب المعلومات من عقول المتصلين عبر الشريحة
الحيوية.
- ذلك
المشروع الأخرق…
قال النائب من بين
أسنانه.
غمغم (صلاح):
- إنه
كان مشروعاً تجريبياً على كل حال !
- تابــع…
تابع وهو يستشعر
اللهجة الآمرة المتسللة لصوت النائب:
- غالباً..
فإن ذلك المتسلل يستفيد من المعلومات التي يحصل عليها من
عقول الضحايا.. حتى الآن فقد اكتشفنا أن أرصدة أربعة منهم
سُحبت تماماً من البنوك هذه الليلة.
- هذا
مخيف..
- هذا
لا شيء…
غمغم (فهد).. نظر
إليه النائب في ريبة قبل أن يسأل (صلاح):
- ماذا
بعد ؟
-أحد
الضحايا كان قائداً في الجيش.. اللواء (فخر الدين) !
- اللواء
(فخر الدين) !!
- أظنه
من القلائل المطلعين على جزء من الشفرة السرية للترسانة
النووية!
شحب وجه النائب وكل
الجنود المحيطين به وهو يتحشرج:
- اللواء
(فخر الدين) !!
زعقت (عبير) فجأة:
- إنه
هنا…
آآع.. إنه هنا..
انقض الجميع على
شاشتها في حين تساءل نائب القائد وهو ينتفض:
-
ماذا يجري هنا بحق الله؟
قال (صلاح) وهو يأخذ
مكانه بين المنقضين:
- الملعون
سيحاول فك شفرة إطلاق الأسلحة النووية!
استل الجنود أسلحتهم
بلا شعور و قائدهم يقبل صارخاً:
-
حالة طوارئ..
استنفار..
انقض على (ميساء)
وأمسكها من تلابيبها:
- هل
هو جاسوس من دولة معادية ؟
- لا…لا
أعرف.. علينا أن نوقفه الآن أولاً.
بإشارة من عيني
النائب.. اصطحب جنديان قائدهما للخارج.. وبقي أعضاء الفرقة
وحدهم في غرفة التحكم بالقاعدة العسكرية.
. .
18:53
قال (عبد الملك):
-*إنه
يحاول اختراق الجدار الناري
للقاعدة.. هذا سيكون مستحيلاً يا أحمق!
قال (صلاح):
- لا
تنسَ أنه يمتلك بالفعل جزءاً من الشفرة.
قال (فهد):
- هذا
لن ينفعه في شيء.. إدخال الشفرة يأتي بعد اقتحام موقع
القاعدة على الشبكة.. وهذا ما سيحصل…
في الأحلام!!
قال (عبد الملك):
- (عبير)…
سنحاول كلنا تعقبه مباشرة عبر خطوط الشبكة مباشرة عليك
الانتباه جيداً.
قالت (ميساء):
-أين
(هبة)؟
قالت (عبير):
- إنها
في السيارة عند منزل ذلك الميت.. أغمي عليها من الرعب فركتها
وشأنها.. أظنني لم أخطي ؟!
قال (فهد):
-
حتماً لا !
قال (هشام):
-
ما هي احتمالات أن
يكون كل هذا من خارج الشبكة الحيوية.. مشتركاً عادياً من
خطوط الهاتف العادية ؟
صرخت (عبير):
-إنه
يـتقدم !!
صرخ (عبد الملك):
-(فهد)..
جهز عدداً من الشفرات المركبة وألقها في طريقه.. افعلها
سريعاً..
صرخ (فهد):
- هذا
ليس سهلاً أتعرف ؟!
صرخ (عبد الملك):
-أعرف
أنك عبقري!
ابتسم (فهد).. في رضى
عجيب..
قالت (ميساء):
-
سؤال (هشام) كان مهماً.. أيمكن لأي مشترك
عادي أن يحاول اقتحام الشبكة.. لكننا نعرف أن هذا يمتلك
اشتراكاً حيوياً عبر المخ.. وحدهم المشتركون حيوياً يمكنهم
العبث بالمشتركين حيوياً على النحو الذي حصل…
صرخ (فهد):
- ألف
لعنة..
التفت إليه الجميع..
قال (فهد):
- هذا
الوغد ساحر أو شيطان.. إنه يتجاوز شفراتي و كأنها مكشوفة له
منذ الأزل.. إنه يفكها في ثوان..
ابتلع الجميع ألسنتهم
في هلع..
ارتجفت (عبير):
- هل
هو أكثر من واحد ؟
قالت (ميساء) وقد
احتقن وجهها:
-
بالتأكيد.. أكثر من
واحد يسيطرون على شبكات الكهرباء والطرق والبريد و المصارف
والهاتف و الجيش والجامعات و المطاعم و مديرية الصرف الصحي!
هتف (صلاح):
-
كم واحداً لا يزالون
متصلين عبر رؤوسهم ؟
صاحت (عبير) باكية:
-
ثلاثة.. من ضمنهم
الجثة التي رأيناها أنا و (هبة).
هدرت (ميساء):
-
ولماذا لم يفصل أحد
الاثنين الآخرين ؟
تمتم (هشام):
- لأننا
كلنا هرعنا إلى هنا عندما تلقينا خبر التسلل لشبكة الجيش.
هتف (فهد):
-
ليس تماماً.. (عصام)
و (المنتصر بالله) في طريقهما الآن لواحد منهما.. إنه يسكن
خارج المدينة.
ظهر صوت نائب قائد
القاعدة بغتة:
-
ربما يصلان إليه بعد
فوات الأوان!
التفت إليه الجميع…
قال:
-
لقد أصدرت أوامري..
سيتم قصف موقعه تحديداً..
تقلصت وجوه الجميع..
بينما لعلع صوت الرئيسة:
- بالطائرات؟
هز رأسه يميناً
فيساراً:
- بالقمر
الصناعي الدفاعي.. سيتم تحديد موقعه خلال ثوان ثم يقصف
بالليزر من الفضاء.
خرس الجميع في خوف..
همست (عبير):
-
لكن ماذا لو لم يكن
هو ؟..
قال (فهد) في جمود:
- عندها
نكون قد خسرنا معتوهاً.. أو فاقد ذاكرة.
همست (عبير) وهي
تدمع:
- وأسرته
؟!
أُلجم الجميع.
قال نائب القائد:
- على
كل حال.. لا وقت للتفكير.. سلامة الكل مقدمة على البعض.
قال جندي دخل الغرفة
مرتبكاً:
-
سيدي هناك طارئ..
ارتجف الجميع في هلع
من جديد.. قال النائب وهو يحاول التماسك:
- ماذا
هذه المرة؟
قال الجندي الخائف:
-
إن القمر الصناعي يرفض الاستجابة للتعليمات..
في الواقع إنه يتحرك وحده باتجاه نجهله و كأنه…
كان النائب و آخرون
من أعضاء فريق أمن الشبكات يتسابقون لغرفة التحكم بالقمر حتى
قبل أن يكمل الجندي الخائف جملته:
- ..
وكأنه تحت تحكم آخرين غيرنا !
. . .
19:12
-
هذه منظمة جاسوسية
هائلة.. لا بل هي إمكانيات دولة.. هذا إعلان حرب.
هكذا كان يزعق قائد
الجيش وهو يدور محله.. في حين تجمع أعضاء الفريق الموجودون
في القاعدة وهم يرمقون شاشات أجهزتهم في ذعر.
كان العرق يغمر وجه
الفتى (فهد) وهو يحاول التحكم في ارتجاف أطراف أصابعه إذ
تتساقط على أزرار لوحة مفاتيحه:
- لن
يأخذ الوغد أكثر من نصف ساعة ليفك كامل الشفرة.. بعدها
يستطيع أن ينسف العالم بالذرة.
قالت (عبير) وهي
تبكي:
- هذا
أسرع من الكمبيوتر الكمي.
من بحق الله يستطيع أن يفك شفرة السلاح النووي في أقل من
ساعة ؟!
صاح القائد :
- لماذا
لا تفصلون كمبيوتر الجيش عن الشبكة.. هكذا لن يستطيع أن يصل
له بأي حال وينتهي الأمر.
قال (عبد الملك):
- إنها
ليست مسألة إزالة سلك واحد.. الكمبيوتر متصل بملايين الأجهزة
الأخرى عبر الشبكة المركزية.. علينا تعقبها واحداً واحداً لو
أردنا عزل كمبيوتر الجيش عن العالم الآخر.
قالت الرئيسة (ميساء)
وعيناها تدوران في محجريهما:
-
ينبغي أن نفعل شيئاً
أي شيء.. لقد سحب هذا الشيء إلى الآن كل أرصدة البنوك وحولها
للخارج.. محا كل ملفات المرضى في المستشفيات وألغى سجلات
طلبة الجامعات.. إنه يُحيينا في أسوأ كوارث القرن حتى قبل
أن يفجر أية قنبلة ذرية.
هدر (عبد الملك)
بغتة:
-
تباً.. أين هما
(المنتصر بالله) و (عصام)؟ ألم يصلا لموقع اللعين بعد ؟..
. . .
19:14
تعالى فجأة صوت
مكتوم.. بعده بثوان ارتجت الأرض قليلاً.. و صقعت (عبير)
و(ميساء) بالصوت على كل حال.
سأل (فهد) بشحوب:
-ما
هذا .. إنه لم يفك كامل الشفرة بعد.
قال نائب القائد بصوت
متحشرج:
-هذا
القمر الدفاعي.. لقد استُخدم لقصف نقطة ما .. خارج المدينة
بـ 20 كلم.
همس (فهد):
- لقد
فقدنا الاتصال بـ(المنتصر بالله).. لم يعد يظهر على الشاشة.
شهقت (عبير) و (صلاح)
بذعر في حين راح (هشام) يصيح:
-إنه
هو أكاد أقسم.. أرسلوا طائرتين لقصف ذلك البيت الملعون خارج
المدينة فهناك المتسلل.
همس (فهد):
-هل
سيطر على خطوط الهاتف؟
همس (عبد الملك):
-
منذ أمد بعيد !
- هو
يعرف إذن كيف نفكر ويستمع لكل اتصالاتنا.
جمد الجميع في
أماكنهم.. ردد (صلاح) الشهادتين.
. . .
19:15
أضاء ظلام المدينة
الدامس ضوء مبهر.. ناتج عن الانفجار المريع الذي وقع بغتة في
قيادة الجيش.. الناس المرتجفون الذين لم يفهموا شيئاً من
كابوس الليلة ظنوها بداية حرب.. مبنى القاعدة صار أشلاء.
. . .
19:29
-إلى
جميع الوحدات.. توجهوا للموقع المبين ودمروه مباشرة.
كان القائد يقذف
بالكلمات لجهاز الإرسال بينما واصل أعضاء الفريق تحديقهم
بالشاشات المرفقة بكمبيوتراتهم المحمولة.. في المقر المختبئ
تحت الأرض لغرفة التحكم والذي لم يتأثر بقصف الليزر من
السماء.
-
لو كانوا أكثر من
فريق فإنهم بارعون حقاً في عمل أكثر من مهمة في آن..
الاستيلاء على قمر صناعي تابع للجيش وتحريكه في نفس الوقت
الذي يفكون فيه واحدة من أعقد خمس شفرات في العالم.
سأل (عبد الملك):
- ألن يستخدموا
القمر الصناعي لقصف الطائرات المتجهة إليهم.. لقد التقطوا
رسالتنا إليهم ماداموا يتنصتون على كل موجات الاتصال
المشفرة.
هز نائب القائد رأسه:
-
في الوقت البسيط
ليصلوا إليهم لن يستطيعوا أن يضربوا أكثر من واحدة من
عشرين.. إمكانيات القمر لن تساعدهم أساساً.
كانت الرئيسة (ميساء)
منهارة على مقعدها على وشك البكاء.
- هذا
لم يكن تخصصنا.. ما كان علينا أن نقحم أنفسنا في الأمر منذ
البداية.
رمقها الآخرون في
غل.. وجلسوا ينتظرون.
. . .
19:37
-
تم تدمير الهدف.. نحن
عائدون للقواعد.. انتهى.
تطلع الجميع (لفهد)
في تأمل في حين كان وجهه يحتقن.. ينظر للشاشة بذهول.. ثم يهب
واقفاً يركل الكمبيوتر المحمول في حقد وهو يصيح:
-
تباً.. لم يزل يفك
الشفرة.. إنه حي ولم يزل يعبث بنا.
انهار الجميع تماماً
..
قالت (عبير) وهي
تبكي:
-
لكن لماذا
قتل(المنتصر بالله) و (عصام)؟.. لماذا فعل ذلك؟!
قال (صلاح) وهو
يرتجف:
- إنه
يفكر كالشيطان.. لقد خدعنا تماماً بحركته تلك.
انقض (عبد الملك) على
النائب:
-
مر قواتك بقصف
الموقعين الآخرين المتصلين بالشبكة.. هذا أملنا الوحيد.
حدجه النائب بنظرة
نارية.. قبل أن تتقدم مجموعة من الجنود ويحيطوا بأعضاء
الفريق شاهرين أسلحتهم:
-
أنتم جميعاً مقبوض
عليكم بتهمة التقاعس عن أداء الواجب.. هذا أمر من الحاكم.
صاح القائد:
-
سنتولى نحن الأمر من
الآن فصاعداً.
ثم صرخ بجنوده:
- فليتم
قصف الآخرين.. وحتى كل متصل عبر خطوط الهاتف العادية..
الآن.. وبجميع الإمكانات المتاحة.. بالطائرات أو حتى
الصواريخ على السفن الراسية على السواحل.
همس (هشام) في أذن
(عبد الملك):
- تعرف..
أظن أن (إيمان) كانت متجهة نحو هذا الأخير الذي لم نفصله بعد
لتتحقق منه.
قال (عبد الملك) وهو
يجلس حيث يأمره الجنود.. يداه خلف رأسه:
-
لقد اتصَلَت منذ
ساعتين وهو أيضاً معتوه.. لا أعرف لماذا لم يفصله الإسعاف
بعد؟
- لماذا
إذن طلبت إلى القائد أن يقصف كل المتصلين؟
- وماذا
بيدنا غير ذلك لنفعل؟
. . .
19:41
-سيدي لقد توقف العبث
بالشفرة..
قالها أحد الجنود في
ذات اللحظة التي بدأت الأضواء تتدفق فيها من الخارج إثر عودة
التيار الكهربائي للمدينة البائسة.
رفع أعضاء الفريق في
أمل رؤوسهم المطرقة.. انفجرت (ميساء) باكية في حين تصاعدت
ابتهالات الحمد.
سأل (فهد) والأغلال
في معصميه:
- ما لأمر ؟
فجاوبه أحد الجنود
الجاثمين قبالة كمبيوتر في تلقائية:
-توقفت
كل نشاطات الفرقة المتسللة بغتة!
قفز الفتى من مكانه
دون أن يعترضه أحد وألصق وجهه بالشاشة أمامه.. هتف:
-
واحد فقط متصل
بالشبكة الحيوية الآن.. لقد تم فصل ذلك الذي في القطاع
الرابع.. ذلك الميت!
قالت (عبير):
- يا
إلهي.. لقد تركت (هبة) هناك!
-أي
عبث تتحدثون عنه.. ماذا يجري في قاعدتي اليوم؟!
قال (عبد الملك) وهو
يترنح فرحاً:
-
كان هناك متصل حيوي
اكتشفنا أنه مات أثناء الاتصال فتركناه ولم نفصله..
تابع (فهد):
-
والآن اكتشفنا أنه قد
تم فصله بشكل ما.
- وكيف
اكتشفتم ذلك؟
سأل نائب القائد..
قال (فهد) في ضجر:
- لأنه
لم يعد يعطي إشارة اتصال عبر مخه على خطوط الشبكة.
عقد النائب حاجبيه
قبل أن يهمس في حيرة:
- وهل
كان مخه يعطي إشارة وهو ميت؟!
فتح فهد فمه ليتفوه
بتعليق ضجر آخر.. قبل أن تتجعلك جبهته ويظهر ناباه في ذعر.
التفت بعنف نحو (عبد الملك) الذي كان يهوي على الجدار
بقبضته.
هتفت عبير باكية:
-
(هبــة) !
. . .
19:35
منذ ساعة.. و(هبة)
ملقاة في السيارة ترتجف كورقة وتقاوم رغبة مزمنة في القيء..
هي تكره الجثث.. تخاف
الموت والموتى.. منذ حبست وهي بعد طفلة في مشرحة للأموات إذ
كانت في زيارة لأبيها الطبيب.
وهكذا فقد كان
تلاقيها وجهاً لوجه مع جثة باردة جاحظة العينين.. فرصة غير
اعتيادية لكل تراكمات و عقد الماضي لتظهر..
ناهيك عن جو الرعب
الذي كانت تعيشه المدينة..
كانت (هبة) على شفا
الانهيار..
لكنها في جلستها داخل
السيارة.. كانت تسمع كامل الحوار .. طوال الوقت.. بين أعضاء
فريقها عبر الدائرة اللاسلكية..
وكانت تتابع فشلهم
أولاً بأول.. في محاولاتهم لكشف المتسلل المتسلي بتدمير
المدينة.. وإثبات قدراته الفائقة في اقتحام نُظم الشبكات
وإلحاق الضرر بالمنشآت العامة.. الوسام الفخري الذي يسعى
خلفه كل مقتحم شبكات.
كعضو في الفريق..
كانت (هبة) تحس الخيبة البالغة.. والأسى.. وأكثر من ذلك كان
موقفها السلبي يثير جنونها.. لكنها لم تكن قادرة على أن
تتحرك يسيراً دون أن تتخيل أن جثة موجودة على بعد أمتار
منها.. مكشوفة في الهواء الطلق.. تنتظر منها أن تُبدي أول
حركة لتأتي و تفعل شيئاً ما.. لا يسر .. لها.
ظلت متخشبة مكانها
إلى أن قُتل (المنتصر بالله) ورفيقه قصفاً من الفضاء.. عندها
قررت (هبة) أن تقود السيارة و تنضم للآخرين في القاعدة..
أو أن تهرع صامتة دون
أن تكشف نفسها عبر الراديو و تفصل ذلك اللعين المقيم خارج
المدينة الذي ربما يكون مسؤولاً عن كل ذلك.
المشكلة أن عقدة
الجثة كانت لا تزال موجودة.. و قد استغرقت (هبة) ربع ساعة
لتنتقل زحفاً لمقعد السائق قل أن تنهار مرتجفة ثم تصرخ حانقة
هاوية على المقود بقبضتيها في جنون.. وعندما قررت أن تقضي
على عقدة الخوف من الموتى إلى الأبد.. كانت تقفز بجنون من
السيارة تفتح الحاوية الخلفية وتتناول مفك براغي العجلات
الضخم ثم تصرخ هادرة و تفزر باب المنزل بضربة من قدمها قبل
أن تقتحم المكان كمغولي ضال من جيش (هولاكو).. وقبل أن يكتمل
وقع قرص الضوء على الوجه الميت المخيف.. كانت هي تهشم
الجمجمة الميتة بضربتين سريعتين.
لبثت لبرهة تتأمل
الجثة الملقاة المشوهة قبل أن تفلت المفك ثم تعود للسيارة
لتذهب لمنزل ذلك المتصل البعيد.. كان ذلك في الساعة 19:40
تقريباً.
. . .
بعد أيام
قال (عبد الملك) وهو
يناول الفتى (فهد) كوب القهوة في غرفة الاحتجاز التي
يتقاسمانها:
- طبعاً
لن تُحاكم معنا (هبة).. إنها لم تعد فرداً فعالاً في المجتمع
على كل حال.. لكنها أنقذت الوضع بفضل الله تعالى.
قال (فهد) :
-لا
زلت لا أفهم !!
ثم
رشف من الكوب…
اهتز (عبد الملك)
ضاحكاً.. قال:
-
حسنٌ.. كنت أظن أن
اللعين كان يتظاهر بالموت في حين يقوم عبر عقله المتصل بكل
تلك الأعمال الشيطانية.. لكنني عرفت أن الطبيب الشرعي أثبت
فعلاً أن الجثة قديمة.
-
يعني ؟!
ورشف رشفة من الكوب..
اهتز (عبد الملك)
ضاحكاً وقال:
-
حسنٌ.. هاك النظرية..
لقد مات الرجل فعلاً بأزمة قلبية أو نحوها أثناء الاتصال..
لكن عقله ظل حياً داخل الشبكة.
- استغفر
الله يا رجل!
-
وماذا قلت أنا.. هم
يقولون أن المخ ظل حياً بعد القلب لفترة.. أو أن كياناً آخر
قد تكون له داخل خطوط الاتصال و من خلال الاختراع الأخرق
المسمى بالشريحة الحيوية. المهم أننا كنا طوال الوقت في صراع
مع مخ صرف.. مع خلايا عقل بشري تسعى للتفوق غريزياً وتتصرف
دون أي سيطرة من نفس رادعة.
قال (فهد):
-
على كل.. أصدق أنه
وحده العقل البشري الصرف المتحرر من كل أعباء التحكم
بالجسد.. وحده يمكنه فك رابع أعقد شفرة كمبيوتر في أقل من
ساعة!
ثم
رشف من الكوب…
اهتز (عبد الملك)
ضاحكاً.
. . .
-(عبد
الملك) !
- همم
؟!
-
لماذا تظن العقل
الصرف يحتاج للاستيلاء على كل الأموال في البنوك و على
الترسانة النووية؟
- ………
-
هل تظنها الرغبة
الفطرية في التفوق و حسب.. هل كان العقل يظن أنه لم يزل يخدم
ذاتاً حية .. أو أنه لم يعرف بأنه على وشك الموت قريباً
جداً.. لذا كان لا يزال يعمل لمصلحة الجسد والنفس اللذان
يتبعهما.. وإن بطرق خبيثة ؟!
-
…
ربما…
-
تباً ألا تعرف شيئاً
؟!
-
………
- (عبد
الملك) !
-همم
؟!
-
ما أخبار (عبير) ؟
-(فهد)..
لن أخبرك !
-
لماذا بحق الله ؟!
- لأني
"لا أعرف شيئاً" !
- تباً
!
رشف من كوبه.. واهتز
الآخر ضاحكاً.
|
(نشرت ضمن
المجموعة القصصية "حنيناً إلى النجوم" – الرياض 2000م) |
|