!رســولتــي

 

الحُبُّ أكبرُ والحُرُوْفُ بناني
تَأَبَى اللُّغَاتُ بأنْ تَفِيْ أبناءَها، 
       وإذا  اللُّغَـاتُ تَثَـاءَبَتْ  عَنْ فِكْرةٍ،

وقصيدةٍ لا تَرْتَقِيْهَا أَنْجُمِيْ 
       تَخْتَالُ في تَاجِ المواهبِ، طِفْلَةً
    هَتَكَتْ شَبابيكَ الأُنُوْثَةِ شمسُها،
      إنْ تَفْنَ فلسـفةُ الجَمـالِ بلَوْحَـةٍ،

وتَفَتَّحَتْ في لَيْلَةٍ قَدْرِيَّـةٍ  
            صَوْتٌ سَمَاوِيُّ التَّدَفُّقِ نَبْعُهُ
  مِنْ أَيْنَ يَبْـدَأُ نَبْضُـهُ أو يَنْتَهِـيْ؟!

يا سُؤْلَ رُوْحِيْ.. سَلْسَبِيْلَ عُرُوْبَتي،
    هُلِّي بَدَفْتِرِ أُغْنِيَاتي، فالثَّرَى
 كَمْ دَلَّهَتْني، أحرفًا وفواصلاً،
 فرسولتيْ لا شِعْرَ يَلْمَحُ صَرْحَهَا
    ماءُ السَّمَاءِ رَهِيْنُها لكنَّها
      تُغـْوِيْ  الملائكَ في فُؤادي تـارةً،
 مِنْ جِـدِّها ودَلالها  تَبْـنِيْ المَـدَى


ليْ في هَوَاهَا قِصَّةٌ شَعْبِيَّةٌ
         تَرْوِيْ حِكَايَةَ سَيْفِهَا في مُهْجَتِيْ
   تَرْوِيْ بِأَنِّيْ في سَمَاها أَلْتَقِيْ
  أَنْفَقْتُ صَوْتِيْ كُلَّهُ في سُوْقِها
      فَهِيَ البِدَايَةُ والنِّهَايَةُ، لا غَدِيْ
 سَأَحُطُّ رَأْسِيْ  فَوْقَ  صَدْرِ  قَصِيْدَتِي
ْ

 

 
 

 
 
 
 
 

 
 
 
 
 

 

 
 
 
 
 
 
 
 

 

 
 
 
 
 
 
 

فبما أصـوّرُ عالـَمَ  الأشجانِ؟!
 إنَّ اللغاتِ لئيمةُ الأَلْبَانِ!
       فالصَّمْتُ صَوْتِيْ والسُّكُوْتُ  بَيَاني
!

فَلَكٌ مِنَ الوِجْدَانِ والتَّحْـنَانِ!
 طَمَّاحَةً، مِنْ عَرْشِها تَغْشَاني!
 فاستيقظتْ كُلُّ الرُّؤَى بكيَاني! 
فهِيَ الجَمَالُ ورِيْشَـةُ  الفَـنَّـانِ!
 

طَاقَاتُ قَصْرٍ شَامِخِ الإِيمَانِ!
 يَنْثَالُ مِنْ قَلَمِيْ إلى شِرْيَاني! 
فلقد  تَكَوْكَبَ  في ذُرَى دِيْـوَاني!

إنْ في الوُجُوْدِ وُجُوْدُها أَعْيَاني!
  مُهَـجٌ  تَحَـرَّقُ والحياةُ  تَفَانِي!
 ورَمَتْ شِبَاكَ الصَّمْتِ في شُطآني؟!
 مهما استطالَ مبانيًا ومعاني!
ليستْ تَرِقِّ لسَكْرَةِ الظَّمْآنِ
 وتَرُوْضُ طَوْرًا في دَمِيْ شَـيْطَاني
!
 مُدُنًا شوارعُها بلا عُنْوَانِ! 
 

وبها تَسِيْرُ قَوَافِلُ الرُّكْبَانِ!
وطُمُوْحَ خَيْلٍ تَعْتَرِيْ مَيْداني!
 نِصْفِيْ الطَّلِيْقَ.. وأنَّهُ يَلْقَانِي!
 وسَكَبْتُ حِبْرِيْ في لَظَى أَلْحَانِي!
 مِنِّيْ غَدَا، لا الأَمْسُ مِنْ أَحْزَاني!
 وأَهِيْمُ.. أَنْسَى أَحْرُفِيْ.. أَنْسَـاني!

 

 


 

!متاهات أوليس

شعر: د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

وأسيرُ..

أسيرُ وأحملُني،

قَدَرًا،

وعلى كتفيهِ رُبَى قَدَري

 

سِيْزِيْفُ يُؤَسْطِرُنيْ

آنـًا

ونَفَرْتِيْتِيْ بذُرَى التاريخِ

تدوزنُ فيَّ طلاسمَ موعِدِها الأَثَرِي

 

ويسيرُ بيَ المجهولُ

إلى المجهولِ

بلا زادٍ

وبلا ماءٍ

وبلا وَطَرِ

 

فأنا أبدًا وحدي

وهنا وحدي أبَدًا

سيسيرُ بيَ السيرُ بلا أَثَرِ...

 

للهِ أنا،

في تُوْتِ النَّزْوَةِ

مسَّتنيْ

حُمَّى العُرْيِ الملعونِ

اغتالتنيْ

في مُدْيَتِها

أُوْلَى ثَمَرِيْ

 

فإذا الذاويْ

مِنْ غُصْنِ الخُلْدِ

براحةِ أيّاميْ

يَلْتَاحُ شَذاهُ على

ساريْ وَتَرِي

 

وإذا موتيْ..

 ويناديني:

أوليدَ الموتِ

يتيمَ المولدِ

والسَّفَرِ

 

اِبْكِ

بتجاعيدِ العيدِ

يَدَكَ

الـ كتبتْ

بدمٍ شَفَةَ الخَبَرِ

 

فبأيَّةِ حالٍ عادَ العِيْدُ..

فلا..

لا مَنَّ ولا سَلْوَى!

أ تُرَى يُرْدِيْ برصاصتِهِ

 عَوْدُ الأعيادِ

هناكَ

سِوَى طفلٍ

يَتَأَرْجَحُ في عُمُرِي؟!

 

رحلتْ كُلُّ الأعيادِ بخارطتيْ

تَطْوِيْ

رِيْفَ القلبِ الطَّاويْ

قَفْرَ المطرِ

 

ولها سفني

سارتْ جَزْرًا

ولها بحري

بي حنّ إلى

نائيْ جُزُري

 

قلتُ، لمّا هبطتْ طيريْ

في واحةِ قلبي الكِسَرِ:

يا موتُ،

سألتُكَ

أنقذني

مِنْ سكِّينِ الصوتِ الخَدَرِ!

  

مِنْ موتِ حياةٍ

لا كالموتِ..

حياةٍ / موتٍ

مِنْ بَشَرِ

 

فمتاهاتُ  أُوْلِيْسَ

بحرٌ لجيٌّ

وبقاعِ البحرِ تَوَارَتْ

أصدافُ الحَذَرِ

 

آمنتُ

بأنَّ منامي ليْ

أشهى

من هامشِ شعري هذا

مِنْ فِكَرِي

 

آمنتُ

بأن العتمة أعلى في أُفُقيْ
من كُلِّ عناقيدِ

الصُّوَرِ

 

من كُلِّ لواءِ شكسبيرٍ

مَتَنَبٍّ،

يخفق فِـيَّ

على لحنِ النايِ الحجري

 

بهواهُ

يُغَنِّيْ ليلاهُ

يمضيْ

تمضيْ ليلاهُ..

هواهُ

يظلّ يرفرفُ طائرُهُ

كغرابِ البَيْنِ على الشَّجَرِ

 

آمنتُ بأن الوقتَ

- تبوحُ دواتي -

 دربٌ في لا دربٍ

أو

قدمٌ عمياءُ تَرَنَّحُ مِنْ خَطَرٍ

وإلى خَطَرِ

 

ولأنّ الذكرى

شادتْ لي ركنيْ الدافي

في بَرْدِيْ..

ليْ مدّتْ

ظلّي الضافيْ

بلَظَى سَقَري

 

لا الفجرُ الصادقُ يلقانيْ

في ردهةِ هذا المبنى التاريخيِّ

ولا قَمَري

 

إني أَتَلَفَّتُ في المَوْمَاةِ بلا عُنُقٍ

جُذّتْ عُنُقيْ..

ولقد أَتْلَفْتُ شبابيْ

إذ صدّقتُ كتابيْ

ثًُمّ نظرتُ هناكَ هنا..

وبلا عينين.. بلا نَظَرِ

 

وهو الحُبّ،

فاسْلَمْ تَسْلَمْ..

لكنْ حبّي:

كـ"قِفا نبكِ" و"ألا هُبِّي"..

أبياتًا تَتْرَى

من تَتَرِ

 

لا لستُ معيْ

إنّي وحديْ..

لا أوّل لي

لا آخر لي

إلاّ

إلاّ

هي في بَصَرِيْ

هي في بَصَرِيْ

 

قالتْ:

إنْ تُحْكِمْ متنَ جوادي،

تَهْزِم متنَ الحَيْرَةِ

فيَّ

وفي سِفْر الأيّامِ

وفي سَفَريْ!

 

إني أَسْلمتُ عناني

للسَّاري منكِ..

الضاريْ لغَدٍ..

ومشيتُ على

ظِلِّي الذاويْ

بثرَى الحُفَرِ !

 

 

!ويصحو السؤال أشجاراً

( حواريّة أُولى )

شعر: د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

أصحو على إيقاعِ قلبي

حينَ  يدركني المساءُ

وأَلـُمُّ من وَجـِعِ السنينِ

براحـتي ما لا أشـاءُ..

 


أتردُّني خيلُ الحروفِ

لنخلتي الأُولى،

وبسـمةِ أُمّيَ الأُولى،

إلى بيتي المعلّق بين أشواقي

على صَـدْرِ المعاني الشاعريَّةِ،

حيث تحضنني السماءُ؟

أتردُّني خيلُ الحروف الجامـحاتُ

إلى جفونِ الـماءِ، أنـْقَى

من عيون الغـِيدِ، أرْقَى..

يسـتبدّ الوجدُ أحيانًا ويغمرني الصفاءُ؟

أتعيد لي نبعاً تكفّن بالحليبِ

إلى الحبيبِ،

لمبعثٍ حُرٍّ،

رأيتكِ فيه ديوانًا،

يُرَوَّى الصيفُ منه والشتاءُ؟

أتُعيد شامًا صار أندلسًا،

وتصنع من عراق الفجرِ إيوانًا

يُجَلِّل صرحَه الأبدُ المسجَّى والبهاءُ؟

 

ماذا جـَنـَى المتنبئُ، المحمومُ شعراً،

غيرَ خيلٍ إذ تكوسُ..

ويهطل الـمطرُ / الدماءُ؟!

أَ وَلَمْ تعلّمك السنونُ بأنّ عصرَ الحُلـْمِ ولّى،

أنّ عاقبةَ الـمغامرةِ الشَّقاءُ؟

فتظلّ تغزلُ نهركَ الأبـَدِيَّ

من دمع القبيلةِ،

ثم تهرقه فراشاتٍ ملوّنةً،

وترحـلُ

أيـها اليَفَـنُ الـمضاءُ!..

 

قال القصيدُ:

أنا الزَّمانُ،

وما تبقّى من رغيفِ الرُّوحِ،

والدنيا هـباءُ..

وأنا انبثاق النار من قلب الظلام السرمديِّ،

أنا الثـريّا والثرى،

وأنا البناءُ!..

وأنا ابن آدمَ،

بنتـُـهُ،

يخـتار عالـمَهُ البديعَ بنفسهِ،

ويُؤثــّث الســاعات من ألـقِ الرُّؤى الأبـكارِِ،

يرسلها الغـناءُ!..

سـيُحِبُّ فـي رئـة الليـالـي

من ظباء البيد غانيةَ الحضارةِ،

هـِـرَّةَ الأعـشى

جَلَتْ ولاّدة الأشـْهَى

من الأفـقِ الغريبِ،

يحوطـهُ الأرْطــَى

ويعلو الكسـتناءُ!

فأنا الذي يسـتلّ غايةَ سـيفهِ

من هُـدْب أُنـثـى،

أوقدتْ ثـوبَ الـمَجَالِ

إلى الـمُحَالِ

بأقحـوان صباحها البضّ المعـتــّق بالشـموسِ،

فيُـغـْرِقُ الكونَ الحريرُ / الإشـتهاءُ!..

ليرفّ فوق هـيادب الرِّمم المحنـّطة الصـُّـوَى،

حلـمًا يســافرُ فوقَ تمثـال الأنوثـةِ..

حينَ يسكنه الجليدُ قَطـًا..

ويقطـنُ بين أظـلعـهِ الخَـواءُ!

يسـتـنـبتُ الآتي

من الـماضي المكدّسِ في جماجمنا،

جذاذاتٍ من الأشـباحِ،

والألواحِ،

والأرواحِ،

تأكلها الريـاحُ الموسـميةُ..

ثم يشربها العَـفـاءُ!

 

في البدء كنتُ أُكـَوِّنُ الأكوانَ..

أحلامًا وأيّـامًا

عـذارى في يـدي..

أم هل تراني قد كَبِرْتُ؟

ألا فكلاّ..

إنني إن شـئتُ كنتُ كما أشـاءُ!

 

أنا لغتي أنا

د. عبدالله بن أحمد الفَيفي


اللغة: هُويّة الإنسان، بل هي ميّزت الإنسان على الحيوان، وكانت أوّل درس تلقّاه آدم عليه السلام؛ إذ علمه الله الأسماء كلها.

ومن هنا ليست اللغة بوعاء الفكر فحسب، كما يُقال، أو مجرد وسيلة تواصل، بل هي أكثر من ذلك، من حيث هي أداة الفكر، فلا تفكير إلا بلغة.

ولذلك فإنها تُكيّف العقل وتُشكّله وفق نمطها الخاص، ومن ثمّ تنسج الذهن والوجدان على منوال الثقافة التي تنتمي إليها اللغة، فاللغة العربية تصنع عقليةً عربيّةً، وتصوغها فكرًا وروحًا وانتماءً، وتطبعها بطابعها، والإنجليزية تصنع عقليةً إنجليزية، وتصوغها فكرًا وروحًا وانتماءً، وتطبعها بطابعها، وإن كان مكتوبًا في هويّة صاحبها: عربيّ، أو هندي، أو صيني.

تلك هي اللغة، وكذلك تعمل فينا.

الإنسان هو لغته.

وهذا ما عبّر عنه محمود درويش بعمق شعريّ في قصيدته (قافية من أجل المعلّقات)، من مجموعته الشعرية (لماذا تركتَ الحصان وحيدًا):

ما دلّني أحدٌ عليَّ.

أنا الدليلُ، أنا الدليلُ إليّ بين البحر والصحراءِ.

من لغتي وُلدتُ على طريق الهندِ بين قبيلتَين صغيرتين عليهما قَمَرُ الديانات القديمةِ، والسلامُ المستحيلُ وعليهما أن تحفظا فَلَكَ الجِوار الفارسيّ وهاجس الرومِ الكبيرَ، ليهبط الزمنُ الثقيلُ عن خيمة العربيّ أكثرَ.

من أنا؟ هذا سؤالُ الآخرين ولا جوابَ له.

أنا لغتي أنا، وأنا معلّقةٌ..

معلّقتانِ..

عَشْرٌ، هذه لغتي..

أنا لغتي، أنا ما قالتِ الكلماتُ: كُنْ جَسَدي، فكنتُ لنَبْرِها جَسَدًا.

أنا ما قلتُ للكلمات: كُوني ملتقَى جَسَدي مع الأبديّة الصحراءِ.

كُوني كي أكونَ كما أقولُ!

...

فلتنتصر لُغَتي على الدَّهْر العَدُوِّ، على سلالاتي، عليَّ، على أبي، وعلى زوالٍ لا يزولُ هذه لُغَتي ومعجزتي.

عصا سحري.

حدائق بابلي ومسَلَّتي، وهويّتي الأولَى، ومعدني الصَّقيلُ ومقدَّسُ العربيِّ في الصحراءِ، يعبُدُ ما يسيلُ من القوافي كالنجومِ على عباءَتهِ، ويعبدُ ما يقولُ..

...

وتشظّي لغتنا العربيّة بين عاميّة وفصيحة تركة ثقيلة، خطيرة على الوحدة اللغويّة والوحدة القوميّة..

على الرغم من أن الفاصل بين بعض العاميّة ذات الأصل الفصيح والفصحى ليس بكبير، ويجب إلغاء الجدار العنصري بينهما، شريطة أن تكون المفردة العاميّة عربيّة الأرومة.

أمّا من يقيس اللغة العربيّة بلغات أخرى في حراكها وتناسلها، فحريّ به مراجعة العواقب.

فلو استشهدنا باللغة الإنجليزية مثلاً، وقسنا على لغة شكسبير التي لم تعد سائغة في إنجليزية اليوم، لكان قياسنا قياسًا مع الفارق الكبير؛ من حيث إن الإنجليزية لغة متحرّكة، لها كل يوم معجم، فلو أخذنا بمقياس شكسبير ولغته، إذن لاحتاج المتنبي إلى ترجمان، وإذن لألغينا من حسابنا القرآن، فهو أقدم، ناهيك عن أدب ما قبل الإسلام.

إن العربيّة لغة دينٍ وتراث وحضارة، والقياس بغيرها غير وارد، إلا إنْ رضينا أن نكون بلا ماضٍ ولا تراث متصل ولا تاريخ ثقافي وروحيّ.

كما لا يشكّ عارف بتأثير اللغات الأجنبيّة في الفكر وحياة الإنسان والشعوب، وأن تدريس اللغة الأجنبية في مراحل عمريّة مبكرة يعني تغريب العقل والروح والفكر! وهو ما لا تفعله أمّة إلا وقد سَفِهَتْ نفسها، ورضيتْ أن تكون تابعة لأمة أخرى.

هذا ليس كلامًا عاطفيًّا، لكنها منذرات علم اللغة وعلم التاريخ.

على أنه يجب التفريق في هذه الجدليّات بين مبدأ تعلّم اللغات الأخرى، وهو أمر مشروع بل مطلوب، وتعليمها في مراحل عمريّة مبكرة.

لقد أحيت إسرائيل - على سبيل المثال - لغة ميتة، وفرضتها على شعبها، ولا تعبأ بالإنجليزية، مثلما نفعل، لتعيش ازدواجنا، أو لتجعلها مصيرها المحتوم؛ لأنها تدرك أن العبرية تعني: إسرائيل.

فمتى ندرك نحن أن العربيّة هي: العرب؟ أمّا الباحثون عن الحياة الخدميّة وطلبتها فكُثر، والإنجليزية أداتها اليوم، غير أن شأن اللغة، لدى من ينظر إلى أبعد من قوت يومه، هو شأن آخر.

ثم من قال إن الإنجليزية قد أصبحت الطريق الصحيح لتلقّي المعارف والعلوم المختلفة، كما تسوّق هذه اللازمة الدعائية؟ هذا امتداح لا يقوله الإنجليز أنفسهم، بل هم يصفون لغتهم بأنها (لغة مجنونة Crazy Language)، والأكاديميات الأمريكية تشكو اليوم من تخلّف طلبتها في العلوم والمعارف قياسًا إلى الألمان أو اليابانيين، فهل أنقذتهم الإنجليزية؟! واليابان - من جهتها كذلك - لا تمنح الإنجليزية تلك الأهمية القصوى التي يمنحها إياها بنو يعرب، ولا تراها طريق معرفتها المُثلى، كما يرون.

وأذكر هنا أنني كنتُ وبعض الزملاء في لقاء مع سفير اليابان لدى المملكة، رفقةَ وفدٍ برلماني ياباني، فسألنا عن تعليم طلابنا في اليابان، وعن اللغة التي يتعلّمون بها، (سألنا عن الإنجليزية بالإنجليزية طبعًا، مع وجود ترجمان بين العربية واليابانية، لم يكن له من دور!)، فضحك السفير قائلاً: هناك بعض المدارس الخاصة لمن شاء، إلا أن التعليم الرسمي والعام لدينا باليابانية! إن من حجج المهوّنين من شأن المخاطر المحدقة باللغة العربية، سواء من مروّجي العاميّة أو دعاة اللغات الأجنبيّة، استدلالهم بالآية القرآنية: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).

وكأن في هذا ضمانة أبديّة ببقاء اللغة العربيّة.

وما حجتهم بسوى تأويلٍ موظّف لغَرَض التقليل من تأثير العاميّات أو اللغات الأجنبيّة، وإلا فالنصّ جاء عن (الذِّكْر)، لا عن (اللغة).

و(الذِّكْر) محفوظ، إنْ في اللوح المحفوظ، أو في البلدان الإسلامية، عربيّة وأعجمية، كأفغانستان، أو باكستان، أو إيران، لكن اللغة غير محفوظة في تلك البلدان.

بل لقد صارت لغة العرب أسوأ من لغة أولئك، الذين علّمونا لغتنا ويعلموننا إيّاها، منذ سيبويه إلى سعيد الأفغاني! فليت شعري أين اللغة المحفوظة بحفظ القرآن؟ أم هل نريد أن تغدو العربية كالقبطية لغة صلوات وطقوس فقط؟ كما أن من المغالطات المألوفة كذلك الخلط بين شعار (اطلبوا العلم ولو في الصين)، و(من عرف لغة قوم أَمِنَ مكرهم) - وهما شعاران يعنيان: نقل المعرفة وتعريبها وتوطينها، لا جعلها جسرًا للانسلاخ والتبعيّة والاغتراب - وبين تبرير الهجمة الشرسة على العربيّة من مستعمرٍ غازٍ أو مستعمر وطني، مدافعٍ عن عُقَدِهِ اللغويّة بالتهوين من شأن الازدواج اللغوي، العامي الفصيح، والعربي الأجنبي، دون أن يملك ما يقدّم إلا التقوّل والتأوّل وإظهار التفاؤل.

وها قد خربت مالطا، وشبعت خرابًا، وليس من التفاؤل في شيء دس الرؤوس في الرمال! المفارقة أن تأتي كل تلك الضجة حول أهمية اللغة الإنجليزية والتهويل من عظيم ما ستمنحنا إياه من مستقبل المنّ والسلوى، على الرغم من تعثّر طلابنا في كل اللغات، فلا هم أفلحوا في العربية ولا هم أفلحوا في الإنجليزية، فالخيبة عامة طامّة.

لماذا؟ لأن من يُتقن لغته الأمّ هو أكثر تأهيلاً لإتقان أي لُغةٍ أخرى، من حيث إن اللغة مهارة ذهنيّة منطقيّة، تُكتسب بمنطق اللغة الأوّليّ في الذهن، فمن يتقن العربية سيسهل عليه تعلّم أي لُغة، بل سيبزّ سواه من المتردّين أصلاً في لُغتهم الأمّ.

 

مسؤولية القارىء


د. عبد الله الفَيْفي

كثيرًا ما تثار قضية الغموض والوضوح إزاء كثير من الأعمال العلمية أو الفنّيّة. وليس من المفيد للقارئ فتح مثل ذلك السجال حول الغموض والوضوح في أي شأن من شؤون الثقافة؛ من حيث هي مسألة نسبيّة، لن يصل فيها المتحاورون إلى حلّ؛ بما أنها في النهاية رهينة اهتمام كل طرف ومشرب وثقافته. فمهما كانت مفاتيح اللغة والبيان والبلاغة سبيلاً إلى تسهيل المسلك وتيسير المدخل لفهم القارئ كما يحتج قارئٌ كسول فليس هنالك مفتاح يسهّل فتح كل المغاليق وييسر ولوج الأبواب ذاتيًّا، بل إن ما يُتوخّى منه من تسهيل وتيسير إنما يعود أولاً إلى استعمال مستعمله في عملية التأتي إلى الفتح.
ولعل ذلك القارئ المطالب بالسهولة واليسر فيما يقرأ لو رجع إلى قصة نشوء العلوم عموماً وهي مفاتيح المعرفة والنور لعرف أنها ليست مفاتيح سحرية، تُغني الإنسان عن التفكّر والتدبّر وبذل الجهد القرائي، ولرأى أن علم النحو على سبيل المثال وهو ما نشأ إلاّ ليفتح على الناس مغاليق التركيب اللغوي السليم فيسهّل المسالك وييسر المداخل قد نظر إليه عامة الناس في بادئ الأمر وربما إلى اليوم على أنه طلاسم، حتى جاء من قال قديماً، وقد سمع نفراً من النحويين يتناقشون مسائله: (أسمع كلاماً عن كلامنا، ليس من جنس كلامنا).
ثم لو أن ذلك القارئ عاد مثلاً آخر إلى كتاب ك(مفتاح العلوم) ليوسف بن أبي بكر السكّاكي (626ه 1229م)، ورأى ما بذل مؤلفه فيه من جهود لفتح مغاليق في دراسة البلاغة العربية وما البلاغة إلا وسيلة بيانٍ وبلاغ ثم ألفَى ما بَذَلَ لاحقوه من جهودٍ مضاعفة لفتح مغاليق (المفتاح) نفسه، لانتفى عنه وَهْم العادة، من أن المفتاح عادة يسهل المسالك وييسر المداخل.. آليًّا!
أقول هذا إقراراً بما قد يكتنف أي كتاب أو نصّ علميّ أو أدبي من غموض يحتاج إلى قراءة ومعاناة فهم. ولا سيما حينما يكون النصّ عملاً أدبيًّا يسعى إلى تخطّي السائد، أو كان الكتاب عملاً علميًا أكاديميًّا، هو للمتخصّص أقرب منه لغيره، وهو للقارئ الجادّ لا لقارئ التسلية.
ولقد درج كثير من القراء على إلقاء الأحكام الجزاف وتعميمها، دون أن يبذلوا مجهوداً يُذكر للقراءة الحقّة، ومن ثم شرعوا في تشريع سُبلٍ مُثْلَى من وُجَهِ أنظارهم للمؤلفين كي يتناولوا بها أطروحاتهم. وإنّ أحدهم ليطلق الحكم على كتاب نقديّ تماماً كما يطلقه آخرون على قصيدة حديثة وبمجرد التصفّح الأول، فإذا رأى إحصاء أو شكلاً تخطيطيًّا في الكتاب، أو أمراً خلاف ما تعوّد، ذهب يقول إن الكتاب الفلاني صعب الفهم على عامة المثقفين وخاصتهم. هكذا إذن نَذَرَ فريق مصادرة أي جهد يحاول أن يتخذ سبيلاً علميًّا يتجاوز كتب الشرح والإنشاء، مما تصدره المطابع العربية تحت عناوين الأدب والنقد.
كأن هناك نفوراً عربيًّا يعكس قِيَماً من الخمول الذهنيّ والفكريّ من كل ما يكلّف الذهن عناءً في القراءة، وكل ما يشق على النفس بالتفكير والتغيير. وإذا كُنا أحيانًا قد فهمنا الأدب على أنه محض تسلية تُمارَس كل ليلة قبل النوم لجلب النوم، فالدعوى الراهنة التي يطلقها بعضهم تريد للنقد العلمي كذلك أن يكون ضرباً من تزجية الوقت بسهولة، وأن يكون في متناول عامة المثقفين.
و(المثقفون) هذه كلمة مبهمة، مطّاطة، يمكن أن تنطبق على كل من يعرف شيئًا.
نعم، كل مؤلف يحلم لو كان كتابه في متناول المثقفين وغير المثقفين، بل المتعلمين وغير المتعلمين، ولكن هيهات، فلكل مقام مقال، ولكل قارئ كتاب، ولكل ميدان أهله، {ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها}!
ولا تتعلّق التهمة لدى ذلك الفريق من القُرّاء الكسالى بالمؤلّف حسب، ولكنها تتعدى ذلك إلى جهة النشر أحيانًا. فنحن نقرأ ذات تهمة من يتهم نادي جدّة الأدبي الثقافي على سبيل المثال المحلّي بأنه قد دأب على إصدار تلك الكتب التي لا يفهمها كل القراء بسهولة! لماذا؟ لأن نادي جدّة الأدبي الثقافي ربما يميّزه تبنّيه مشروعًا إنتاجيًّا لقارئ جديد، جادّ، ومختلف.
على أن للقارئ مطلق الحق في أن يقرأ ما يشاء، وأن يرى ما يرى، ومن (ألّف فقد استهدف)، كما فهم القدماء. أمّا حين يكتب هذا القارئ ويحكم على ما قرأ، فمن حقّنا عليه حينئذ أن يقول خيرًا أو يصمت! وما يُقصد بالخير هنا الموضوعية في الحكم، والتجرّد في الرأي، والإنصاف في القياس. ذلك أن بعض مواقف القرّاء لا تبدو على كل حال إلا صادرة عن موقف تحيّزي مسبق، فما أن يأنس ذلك القارئ من عنوان كتاب اختلافاً عن المعتاد، أو خروجاً عن الإلِف، أو ازورارًا عن تيارٍ أثير لديه، حتى يمتشق حسام الحكم الخشبيّ، قبل أن يمتشق ذهنه للقراءة فالفهم، أو ينصب ميزانه لحكمٍ عادل، انطلاقاً مما
ينبغي للحكم من معايير وحيثيات.
وثالثة الأثافي تبرز حينما يتصدّر ذلك القارئ غير الكُفء محتجًّا على غرابة مصطلحاتٍ استخدمت في كتاب علميّ، فيطالب فيها بالمألوف من أدوات التعبير. ولا يكتفي بذلك بل يتمنى مع الإلف أن يكون المصطلح ذا طعم وجرس. فهو إذن لا يفرق بين علم وأدب، كما لا يرضى بتطلّب راحة البال من خلال: مسايرة العادة، وسهولة المسلك، ويُسر المدخل، بل يطلب فوق ذلك: (الطعم)، و(الجرس). مع أن القدماء كانوا قد أراحونا من خضم هذا المعترك، ولا سيما في مجال العلم والمصطلح، حينما أرشدونا أن (لا مشاحّة في الاصطلاح)! كما كانوا قد اتخذوا مصطلحات شتى عربيّة وغير عربيّة، لم يجدوا عنها بديلاً، ولم يتطلّبوا فيها بالضرورة توافر الطعوم والأجراس. وإزاء قارئ كهذا، لن يجد مؤلفٌ محيصًا من الاعتذار له عن تلبية كل هذه طلباته؛ لأن طلبات الزبائن ولا سيما في النقطتين الأخيرتين، حول الطعم والجرس غاية لا تدرك! فاختلاف أذواق الناس فيهما أشد تعقيداً من اختلاف أذواقهم في ما يقرؤون أو تباين عقولهم في ما تحسن فهمه.
وليس هذا الوصف لحالة بعض القراء بالوصف المتخيّل أو الافتراضي، بل هو وصف حالات حقيقيّة، دون حاجة إلى ذكر الأسماء أو تحديد الوقائع، فذلك خارج غرض هذه المعالجة.
مهما يكن من شيء، فإن الشبهة المثارة من قبل قارئنا النمطي ذاك حول كثير من مصطلحات النقد بالتحديد لا تثار غالبًا لولا الظنّ بها أو بصاحبها سوءًا، وأنها، مثلاً، خزعبلة من خزعبلات الحداثة، مليئة بالأحاجي والرموز، رغم أن الأحاجي تغري كثيراً من الناس في محيطنا الثقافي بالاطلاع وتستأثر بعقولهم للتأمل! بيد أن من المفارقة بعدئذٍ أن يقف قارئ موقفًا من هذا القبيل، جاهلاً أن ما يرتاب في أصله وفصله هو تراثيّ لا حداثيّ! ولعلي أسوق هنا مثالاً محدّدًا مما حدث لكاتب هذه السطور، حين كتب أحدهم يعيب عليه استخدام ما وصفه في أحد كتبه بمصطلحات غريبة. فقال صاحبنا: (الغريب أن مفاتيح القصيدة الجاهلية حتى في المصطلحات التي ظهر بها لم يكن بالمألوف من أدوات التعبير.. فالمقدمة في هذا الكتاب اسمها (فَرْش) وهي إن كانت ذات دلالة خاصة إلا أنها من (التعابير) التي لا طعم ولا جرس لها). ولو كان ذكر غير تلك الكلمة لكان يمكن أن يُلتمس له العذر. إلا أن مصطلح (فرش) من حيث لم يدر قارئنا العزيز ليس بالمصطلح الجديد، فضلاً عن أن يكون من اختراع مؤلف (مفاتيح القصيدة الجاهلية)، بل هو مصطلح قديم. ولو كان عرف كتابًا قديمًا كالعقد الفريد، لابن عبد ربه الأندلسي (246328هـ)، لوجده يكرّر استعمال مصطلح (فَرْش) خمساً وعشرين مرة للإشارة إلى مقدمة كل كتاب من كتب (العقد) البالغة خمسة وعشرين. بالرغم من أن مؤلف العقد هو الأندلسي، المؤرخ، الفقيه، العالم بالعربية، البارع في الكتابة والشعر، العروضي، صاحب المنظومة المعروفة في علم العروض وجرس الشعر، وهو الموسيقي الذي نَسَبَ إليه ابن بسام الشنتريني، والصلاح الكتبي، وابن خلدون، أنه أول من نَظَمَ في الموشح الأندلسي. ومع هذا فإن أحداً فيما نعلم لم يقذفه بالغموض، ولم يعترض على استعماله ذلك المصطلح، بحجة الطعم والجرس، كما فعل قارئنا المعاصر!.
وهذا يعيدنا إلى القول إن بعض النَّقَدَة يتصدّون لنقد الكتابات على اختلافها دون أن يقرؤوا ما يؤهلهم للنقد، لا في قديم ولا حديث. وتلك ملهاة حين يتصدّى للكتابة والنقد كاتبٌ لا يقرأ أصلاً!.
وتزداد إشكالية القراءة تعقيدًا حينما يتعلّق الأمر بالشعر. فقد اعتاد سواد القراء على ألا يميّزوا الشعر عن غير الشعر، إلا بوجود عنصر الموسيقى في الأول وانتفائه في الأخير. ومن ثَمّ فلا غرابة أن يلفي المتتبع كثيرًا من الحسّ النثري في فهم الشعر، مع الموقف المضاد من قراءته على نحو جديد، أكثر اقترابًا من طبيعته المائزة. يصدق هذا على معظم التعامل مع الشعر، قديمه والحديث. فلقد اعتادت معظم القراءات لشعر الجاهليين مثلاً أن تتناوله بالدرس وكأنما قاله مسلمون! مع أن الإنسان الشاعر بوصفه مخلوقاً عاقلاً متفكّراً، ومن حيث هو ضمير مجتمعه وعصره لا بد له من أن يلامس بإبداعه خصوصيّات أسئلةٍ وجودية تؤرق معاصريه، كقضية (الوجود)، (العدم)، (الحياة)، (الموت). وتلك كانت أسئلة ملحّة على ذهن الإنسان العربي ونفسه قبل مجيء الإسلام، غابت عنها لديه إجاباتٌ مقنعة. وسنجد في القصيدة الجاهلية تعبيرات عن تلك الأسئلة بطرائق شتّى، من تصوير الأطلال، والظعائن، والمرأة، والناقة أو الفرس، والماء أو المطر، إلى غير ذلك. ووراء كل أقنوم منها عالم من الإشارات، تحمل معادلات موضوعيّة لأفكار الإنسان الأولى، حول الحياة والكون والمصير. إلا أنه ما أن تطال يد القارئ الحديث مشارف قضايا شعرية ثقافية كتلك، حتى تهبّ في وجهه التهم التقليديّة بالسفسطة والهرطقة، وأقلها تحميل النصوص ما لا تحتمل.
 

 

 

4/1/2008