تبذُرُنا شمسُ آب

الشاعر علي الحازمي

يا حَبيبةُ مُرِّي على الغَيْم

دَعِينا نُطَوِّحُ بالأُمنياتِ على مَفْرِقِ السهلِ

حين وُلِدْنا

كما العُشْبِ بين صخورِ التلالِ القريبةِ

كُنَّا قريبَيْنِ من سِرِّنا

قَابَ قوسينِ من مُنتهىَ الأغنياتِ

التي يأسرُ النايُ غُربتَها في أَنينِ القَصَب

كان طفلُ هوانا ندىً وشذًا مُمكنا

 

حينَ تَبْذُرُنا شمسُ آب

على أَوَّلِ الحقلِ ما بينَ رُمَّانتينِ وتنأى بعيداً

تصيرُ دروبُ سماواتِنا فِضَّةً للأَناشيدِ

تأخذُنا من يَديْنا إلى أَوَّلِ العمرِ

في عَسلِ النحلِ ، نمضي إليه

نُلامِسُ سِدرَ عذوبتِهِ في خُطانا الصغيرة

كم نظلُّ نراقبُ خلفَ البعيدِ

فراشاتِ أرواحِنا

وهي تصعدُ فوقَ هديلِ الحمام ،

خِفَّةُ الكائناتِ الصغيرةِ تلك التي

تتقافزُ بينَ كفوفِ السنابلِ

تأخذُنا في جَنَاحٍ من الركضِ

كُنَّا نُغنِّي

وكُنَّا نُمنِّي غصونَ طفولتِنَا

ونُخبِّيءُ في ظِلِّها السوسَنا

 

يا حَبيبةُ مُرِّي على الغَيْم

أَرْخِي العنانَ لخيلِ هَواكِ

لنُفْلِتَ من ويلِ قَنَّاصةٍ ينثُرون

سِهامَهُمُ حولَ تلكَ التلالِ القريبة

دَعِي الخيلَ تُشْرِعُ من رغبةٍ

في جناحِ قَوائمِها

كي تُعانقَ من غُربةٍ في دَمِي ... وَطَنا

 

يا حَبيبةُ مُرِّي على الغَيْم

خُذيني إلى شَجرِ الوقتِ تلويحةً

للمنافي البَعيدةِ في ظِلِّكِ

دَعِيني أُجرِّبُ حظي مع الريحِ

حينَ تَهبُّ على عُشْبِنا الحرِّ

لعلِّي انتزعتُ السماءَ الأَخيرةَ

من ريشِها

وأَتْممتُ سَيرِي لِقِبلةِ روحِك

فكُلُّ الدروبِ التي سَوفَ تحمِلُني

باتِّجاهِ هوانَا الجنوبِيِّ ... تبدأُ من هَاهُنا

 

يا حَبيبةُ مُرِّي على الغَيْم

يأخذُنا التعبُ القرويُّ

إلى تَعَبٍ آخرَ مثلِنا

مُذْ ولِدْنا ...

ونحنُ نعيشُ معُ القَمحِ والنخلِ

أرواحُنا ... لم تغادرْ ماضِي القبيلةِ

في السِرِّ حينَ يَضيقُ الزمانُ بها ... وبِنَا

غيرَ أَنَّ الرُواةَ يَسيرونَ في حُلُمِي

إِنْ غَفوتُ على رمشكِ ويقولون لي :

ليسَ في العُمرِ مُتَّسعٌ

كي نَسيرَ على ضِفَّتين

ولن نتمكَّنَ من سَرْدِ سيرَتِنا

في كتابينِ منفصلينِ

عن الوقتِ والروح

وليس لنا من خيارٍ أَخيرٍ

سِوى أَنْ نُخبِّيءَ

في جَسَدٍ جَسَدَين

 

فلا بُدَّ لي أَنْ أكونَكِ أَنْتِ

ولا بُدَّ مِنْ أَنْ تكوني ... أَنا