|
جلسة أولـى
خانني أحد الأصدقاء حين أرشدني إليه
..
دخلت مكتبه بتردد، لم أره
مباشرة، وقع بصري على صورة كبيرة معلقة خلفه لرجل يملأ
المساحات ضحكا، ابتسمت، ثم نظرت إليه..
- الابتسامة، أول ما أرغب رؤيته
على وجوه أصدقائي ..
- تقصد زوارك
أو مراجعيك ..
- لن أخوض معك في نقاش أنا واثق
منه..
تحدث في كل المواضيع الطريفة، ثم
في كل المواضيع الكئيبة، وسرد على مسمعي تفاصيل حياته، ضحك
وبكى، غضب واسترخى، ثم ضرب لي موعدا لمراجعته. حاولت أن أقول
شيئا لكنه منعني، ونصحني أن أتحدث في المقابلة الثانية، ولن
يتقاضى على هذه الزيارة شيئا من المال..
لم احتر في أمره، فلدي ما يكفي من التصورات لكيفية عمل
الطبيب النفسي، لكنني أعترف، أنه استحوذ على تفكيري لوقت ليس
قصيرا. تأكدت أنه بارع في القص وصياغة الأحداث، وأراد أن
يقلل من مشكلتي أو يصرفني عنها للتفكير بمشكلاته أو تفاصيل
حياته، ظنا منه أن من يرى مصيبة غيره تهون عليه مصيبته،
وأيضا ليجعلني أخرج من دائرتي التي أغلقتها كما يعتقد، ولا
أرى دونها شيئا، وسيطرت علي كسكون الجنيّ في الجسد.
الموعد الثاني كان بعد
أسبوع، وأظنه قد أخطأ في عدد الأيام، فأنا لم أفكر بكلامه
سوى في اليوم الأول، وحين عدت ثانية، ولم تكن الابتسامة على
وجهي، رسم عقدة في وسط جبينه وفكر مليا قبل أن يسألني:ماذا
تعمل؟
لم أجبه، وبدلا من ذلك، حدثته عن جودة أسلوبه وذكائه، قلت له
أن الناس لا يعاملون بطريقة واحدة، اندهش عندما أخبرته بوجود
حلول لدي للمشاكل التي يعاني منها.
خرجت من عيادته بعد نصف ساعة تقريبا، لم نصبح أصدقاء، لأنني
نصحته أن يكتب كل القصص التي يفتعلها أو يفبركها أو يؤلفها
أو ينقلها من مراجع لآخر، وسيصبح قاصا ناجحا، وغادرت المكان،
تاركا الرجل الذي يملأ اللوحة ضحكا خلف الرجل المتجهم أو
المتأمل، لكنني عدت فجأة لأسأله إن كان قد أصيب بمس من الحب
في حياته، فقال أن معلوماته تقول أن الناس يصابون بمس من
الجنون. عندئذ، غادرته بسرعة دون أن أضرب له موعدا جديدا،
وقررت أن أكونه وقتما أريد
..
حفلة حــرق
دفع إليّ بالرواية: مستحيل، عليك أن تعيد الكتابة ..
صعقني: استغرقتني أكثر من سبع سنوات
..
تساءلتُ بإحباط مرير : كل
الرواية !؟
بلغة أقل عصبية: كلا، الرواية تحتضن مشاهد مثيرة للغاية،
ومواقف استثنائية، وفلسفة لم أقرأ مثلها من قبل، زدها جنونا
إن استطعت، رغم أنك لامست حدود الجنون.
أربكني تناقضه وشجعني على الحوار: أنا لم أكتب فلسفة و ..
قاطعني : أنت مارست الفلسفة أيها المجنون، كيف تتوحد بجسد
امرأة فتكون جلدك وتكون جلدها، وتهبها أعصابك وتهبك أعصابها،
وتشعر في ذات اللحظة أنك تتعبد في محراب عشقها، بل كيف
يغلفكما ماء جسديكما، وتشعر أنك عانقت روحها حد التلاشي
.
واقترب هامسا : هل هي امرأة.. أعني مثل كل النساء .. من لحم
ودم ، أم أنك تحلّق وبعيدا، وتدرب خيالك ، أم أنك مريض
بأحلام اليقظة..
أم أنها جنية وأصبتَ بمس من
الحب ..
ارتفع صوته: هل مارست العشق حقا، أم أنك تعشق ملاكا أو نصف
إلهة، أم إنها مجرد تهويمات شاعر ؟!
وجن جنونه : أين تلك المرأة التي تغسلك من الوريد إلى
الوريد، وتمنحك وطنا تحتمي بحدائقه وسواحله ونخيله وغاباته،
ثم تطرز الغربة على وجه..
-
ليس تماما يا سيدي ..
وهدأ : أتمنى أن تكون كاذبا، أو محترف تهيؤات، أنت كاذب أليس
كذلك، محترف حرائق، مدجن توحش .. قل ولا تقتلني بثلجك ..
أرجوك..
بعد فترة صمت: هل ستنشر الرواية أم لا ؟
عاجلني مرة أخرى: عليك أن تعيد كتابتها، هذه المرأة أو الروح
أو الجنية أو الجسد المتجدد أو الوطن أو الأم أو الملاك أو
الإلهة ، كما يحلو لك نعتها، يجب أن تحيا
..
قلت بضيق : لست نبيا كي أحيي القلوب وأعيد البصيرة وأذيب
الجليد، وأنشر الدفء في ثنايا الصقيع
..
قال مؤكدا: بل أنتَ ميت، ميت في الرواية وفي الحياة، ميت
أمامي، أنت مختنق، أنظر إلى جحوظ عينيك، أنت مجرد جسد، تتحرك
ببطء إنسان آلي، تمنيت أن أرى ذلك الرجل الساحر الذي كنته،
الذي يفيض عشقا وحيوية، ذلك الراقص في ساحة الهيام، المنطلق
كوحوش البرية، يطارد الأرانب والغزلان، المغتسل بالمطر،
الضاحك كالأطفال، الباكي كالأرامل، الحالم أبدا، تمنيت لو
قابلتك وأنت تعيش هوسك الذي قتلك
..
قلّب صفحات الرواية، تأملَ في وجهي طويلا، وأنا أنظر إليه
ببرود ميت : لدي فكرة أيها المقتول، اصنعا معجزة، أو اصنع
أنت معجزة، كي تكون النهاية في تألق البداية.. اخطفها،
اغتصبها، ضع في أحشائها بذور حياتك، تكون لك، ألم تحلمان
بطفل أيها الأب التقي، ألم تنادها بأم ذلك الطفل، اذهب وافعل
ذلك، حالا أريدك أن تفعل، خذ هذه الرواية عني.. تكاد تقتلني
..
قلت: هل أصابتك لعنة الرواية، أم استدعت ذاكرتك امرأة عبدتها
وأعادتك كافرا؟ أعترف أيها الصديق، أعترف، من تتسلل صورها
إلى أحلامه يصاب بالحمى، أعرف، هل تشعر بشيء من هذا
..
لاهثا ودون تفكير: أريد هذه المرأة ؟
بصوت
عال : غابت
…
بإصرار
: أريدها ميتة
..
قلت: أقتلك حالا
..
بأدب ورقة: أنت لم تفهمني، وربما لم تفهمها، كيف تدعي أنك
كاتب هذه الرواية، وكاتب عشر روايات قبلها..
بهدوء بالغ : كتَبتني الرواية يا سيدي، كما كتبتني المرأة ..
لم أفكر بحرف واحد، كما لم أفكر بقبلة واحدة، بل لم أكن أشعر
بالمسافات الطويلة التي كنت أقطعها لأقابلها، أو لألمح طرفا
منها عن بعد
..
بجهل شديد : هذا هراء،
تنظير،فلسفة، تريد أن تقول أن صوت تلك المرأة أملى عليك
وكتبت، لغة لا طائل من ورائها سوى هزيمتك، نعم، أنت مهزوم
حتى حبرك، حتى أعماق روحك ..
وكمن اكتشف أمرا: أنت عبد لها إذن، وما زلت، عليك أن تحييها
كي تتحرر، كي تبقى في وهج الارتفاع، كي لا تسير كما يسير
الناس، وتتحدث وتأكل وتشرب وتنام وتتنفس وتذهب إلى السوق
وإلى بيت الراحة، والحلاق والجزار و و و و و و و
ضغط زرا على مكتبه، شعرت أن امرأة دخلت المكتب، سبقتها رائحة
عطرها.
- هل هي بهذا الجمال؟
دون أن أنظر : كلا
..
مندهشا : كيف عرفت
..
متفلسفا : رأيتها في رجفة شفتيك واهتزاز صوتك ..
ساخراً: وكيف تكون هي ؟
بثقة : عليّ أن أجلس مكانك، وعليها أن تشرق
..
متوقعا شيئا غريبا: وماذا سيحدث
..
بحيرة، محاولا أن أستعيد ما كان يحدث: كان يحدث أمرا مختلفا
في كل مرة
..
بنفاذ صبر : قل لي، قل لي، ماذا كان يحدث في كل مرة ..
شعرت أنها تعود إليَّ بعد اعتيادي على موتها: كنت أحتضن
وجهها وأبدأ القراءة
..
بعصبية : ماذا كنت تقرأ يا مجنون ؟
كأنني أراها: كنت أقرأ وجه أمي في خوفها علي، وأتهجى وجه روحي وهي تغلفها، وأتابع حروف عينيها
وهي تكتبني .. وكنت اعلم أيضا أنها
الجوهر، ومنها توالدت النساء، فأشعر أني جوهر الرجال، كنت
أشم رائحتها وهي تتحرك في بيتها، وعندما تقترب من مكاني،
أتحول إلى رجل خارق، أشعر أن رجولتي ستتفجر بداخلي، وكنت
أرقُّ كطفل في حضن أمه، يغمرني طوفان حنان، فما أن أغلف
وجهها براحتي حتى تذوب، وننطلق في سماء الدفء، أنت تقتلني عن
عمد يا سيدي .
بهدوء واثق: وهل تريد أن أصدق أنها
تحولت إلى مجرد حكاية في كتاب؟ كيف
تخلَّصَتْ من الماء والنار بهذه السهولة، كيف نجَتْ من الغرق
والحريق، قل لي بربك، ماذا ستفعل
..
مدافعا : لم تنج، كيف أشرح لك
. ..
بذكاء: إذن، أنت لم تكتب كل شيء، أنت تخدعني، سأدفع لك مبلغا
خياليا من المال إن كتبت كل شيء..
بعد صمت : أريد أن أحرق الرواية أمامك .. أشعر أن ما كتبتُ
ضئيلا أمام ما كنا نكتب
..
بإصرار : هل رأيت، أنت تخفي رواية أخرى في داخلك، أنت
تخدعني، سأضاعف المبلغ، ستكون رواية العصر أيها الغبي،
أرجوك، دع حناياك تعانق السطور، ودع الأحداث تصعق العيون، دع
الناس يحيون بعد موت، النساء الرخيصات أصبحن بطلات للروايات،
اكتب، لقد أُصِبْتُ بالقرف
..
بعناد وتهديد : ستكتب رغم أنفك
…
متحايلا : هل تعلم بماذا أفكر ؟
لم أجب، كنت أخطط لخطف الرواية من بين يديه
..
استرسل : أن أخطف تلك المرأة، وأحضر الأخرى
..
بقرار قاطع: الموتى لا يُخطفون، لن تحصل على نتيجة ..
باستفزاز : هل أنت ملجم إلى حد الجبن .. هي الأجمل والأكثر
جاذبية بين كل نساء المدينة..
كشفت له : هي ليست بالجمال الذي تتخيل، لكنك لن تتصور الجمال
في خيالها، في أمواج دفئها، في المدى الذي تشكله نظرتها، في
الحياة التي تصنعها طلتها، والحنان الذي تصوغه التفاتتها،
وعطر لغتها،
ولن تصل إلى حدود إحساسي بحريتي معها. على
صدرها، هنالك، ألقي بثقل رأسي، فيبدأ يخف حتى يتحول إلى ريشة
طائر يرسم على نهديها مدى لا يحد من الاطمئنان، وتتحول يداي
إلى أنامل عازف محترف لموسيقى الجبال والأدغال
..
شعرت أن المرأة تسللت من جديد
..
أخبرته : عادت
..
لم يعلق
..
وصفتها : امرأة تلف جسدها بعباءة حريرية داكنة الزرقة، صدرها
مشرئب كتحفز فهد جائع يكاد أن يحرق الحرير، وشعرها منسدل على
ظهرها وكتفيها بنعومة النسيم، امرأة عاصفة، أعلم، تقتلع
الرجال من جذورهم..
مستغربا : كيف ولم ترها
..
متفلسفا : لأنها قاتلة، والقتلة لهم رائحة تسبقهم دائما ..
باندهاش : أنت
مجنون، هذه تهمة كبيرة
..
مؤكدا : نيَّتُها قتلها في داخلي، فكرت في قتلها، فكرت أن
ألقي بها في البحر، فكرت أن أحرقها، أن.. وفي لحظة ما، على
صخرة عالية أمام شاطئ البحر ، قالت أنها تشعر بالبرد، ففكرت
أن أحرق جسدي كي تتدفأ....
منتصرا: لقد وقعت، غير قادر على النظر إليها.. غير واثق من
عشقك، من امرأة تسكنك، مما يسكنك.
ساد صمت، التفت ، اختفت المرأة
..
بحزم وكلام يشبه القرار: عليك إعادة كتابة الرواية، إذا لم
تقم بمعجزة، إذا لم يؤد ذلك العشق الإلهي الشهي والحب
الملائكي والعشق المجنون إلى عناق أبدي، ستحبط كل
القراء..وستهزم كل المحبين، أنت تقول أنها كانت تستقبلك
كأرضك، ترفع أعلام الخضرة الموغلة في جاذبيتها، في هذه
الحالة، لن يثق أحد بأرضه، أنت تقلل من قيمة الانتماء يا
سيدي، انتظر، عليك كتابة الرواية من جديد، إن كنت لا تستطع
القيام بانقلاب، إذا كنت متأكدا أن النار قد خبت، وبما أنني
أرى ميتا أمامي، فأنا مضطر أيها المغدور أن أقول لك، أنك كنت
تعانق وهما، لتكن وهما، هذه فكرة رائعة، لتكن خيالا، صورة،
تهيؤات، حلما، لتكن أي شيء غير ملموس، لتكن أنت دجالا أيضا،
وهي جنية أصابتك بمس من الحب أو الجنون ، لتكن محضر أرواح،
وهي أميرة ميتة منذ قرون، أصابتك لعنتها، حضرت إليك ولبستك
وخلعتك فجأة وتركتك بهذا المرض، وستموت، لا بد أن تموت،
اللعنة نهايتها الموت، هذا تفسير منطقي، مثير وعقلاني في
الوقت ذاته، عليك أن تكتب الرواية من جديد، فكرة أخرى.. دعها
امرأة، أعني إنسانة مثلي ومثلك، وحتى يستوي الأمر، عليك أن
تمرر بعض أحاسيس الشك، أن تنتهي إلى الحيرة، وتختم بالخيانة،
عندئذ تقتلها، وتسلم نفسك لأقرب مصحة عقلية ، أعتقد أنه حل
يناسب الطرفين
..
قلت : أنت لم تقرأ الرواية يا سيدي، والدليل أنك لم ترتجف من
البرد، الآن، أنت تجبرني على الشك في قدرتي لتوصيل نارها، هل
طغى ثلج العائلة على دفئها وجمري، وألسنة اللهب في حروفي،
ألم تشعر بالبرد في أي مكان في الرواية، أنت تزلزل بنية لغتي
..
تأملني ، وكدت أرى صفحات الرواية
تقلب ورقة ورقة، وسطرا سطرا، لكنه خذلني ببروده حين أفصح
بهدوء: كلا ..
تقدمت من مكتبه بغضب، كدت أصفعه أو أخنقه، كظمت غيظي، حنيت
جذعي قليلا، مددت يدي إليه : أنت رجل عبقري ..
وخطفت الرواية من أمامه : هذه الأفكار تناسبك وحدك، أنت رجل
مقيت وجميل وبارد، هل يمشي في شرايينك دم الملوك؟ لقد بدأت
أحبك، لا لأنك تستحق، ولكني تحدثت معك عنها، ولأنك شعرت بي،
ولو بنسبة ضئيلة، اعذر حيلتي ، لقد قررت أمرا ربما يعجبك،
لأنك غير معجب بالنهاية
..
مبديا بعض المودة: أنت مخطئ .. ماذا قررت ؟
قلت بحسم : أنا ذاهب لحرقها
..
قال : رجاء بسيط، لخص روايتك بكلمتين
..
بعتب : تأكدت أنك مجنون الآن يا صديقي، ولم تقرأ كتابا واحدا
في حياتك، أعني رواية واحدة.
دافع عن نفسه : دائما لا تفهمني .. أقصد لخصها في كلمتين..
توقفت بعد أن هممت بالمغادرة: كأنها أنا
..
تابع: وأنت، أنا لا أعرفك من قبل
..
بحت : حارس الكلام
…
وموتي ، ذاهب إلى حفلة حرق
..
تــداخـل
تسللت امرأة فاتنة من مكتب الناشر: تفضل، هل أستطيع خدمتك يا
سيدي؟
ارتبكتُ : شكرا، جئت لمقابلة الأستاذ، واكتشفت أنني نسيت
المخطوطة في البيت.
باهتمام جلي : رغم ذلك تستطيع مقابلته، سيصل بعد ربع ساعة
تقريبا، هو في اجتماع خارج المكتب، أستطيع استقبالك رغم أنني
كنت سأقفل الدار ..
بفكر مشوَّش: منك اللطف، أعني هذا لطف منك يا سيدتي، سأعود
في وقت لاحق..
دخلت المصعد، كأنني كنت نهب عاصفة.أخرجت المشط من جيب سترتي،بدأت بتمشيط ما تبقى من غطاء رأسي..
بصوت ناعم : ألم تعلم بعد بوسامتك في كل حالاتك
..
باستغراب : تخيّلي! يريدني أن أقتلك
..
بهدوء : معذور
..
بتفصيل أكثر: بل يريدني أن أغتصبك، وأضع ذاتي في أحشائك ..
بدلع أنثوي : هل قلت له أنك في أحشائي، وإني حامل بك ومنك ..
واصلت : قلت له " أقتلكَ لو فعلتَ ذلك "، ثم دعا امرأة خارقة
الجمال للدخول
أيدتني: أعلم
..
واصلت : فتنتها طاغية، اعترفتُ بروعتها، وصفتها له فاندهش ..
نظرتُ إلى وجهي مرة أخرى في المرآة، عدّلت من سترتي، تأكدت
من وجودها على كتفي، وفي جيبها الداخلي نظارتي الطبية، وفي
الجيب الجانبي مفاتيحي. تأكدت من جزداني الصغير، أخرجته،
تأكدت من وجود بطاقاتي، رخصة قيادة السيارة، بطاقة العمل،
البطاقة الصحية، البطاقة المصرفية، بطاقة التبرع بالدم،
وبطاقة منها كتبت عليها " أن أحبك.. أن أكون في هذا الكون،
أعيش في مدار الروعة والتألق بك.. ومنك " أعدتها إلى جيوب
الجزدان، شددت حزام بنطالي، خرجت، هبطت الدرجات بسرعة، مشيت
بحيوية نحو سيارتي، اكتشفت عطشي، توجهت نحو البقالة، اشتريت
علبة سجائر وولاعة وزجاجة ماء،عدت، لاحظت غبارا كثيفا على
زجاج السيارة الأمامي، مسحته، تأكدت من وجود مفتاح السيارة
مع المفاتيح، وضعته، اصدر المحرك صوتا غريبا ثم هدأ، انطلقتُ
بهدوء ..
قالت : أشعر أنني أميرة وأنا معك
..
مؤكدا: بل أنت أميرة
..
كرَّرَتْ: أنا أميرة مختلفة، حقيقية، أمتلك شوارع المدينة،
أشجارها، أزهارها، ساحلها وبحرها، الهواء الذي يلامس موجها،
أمتلككَ أنت، من ظفرك حتى أقصى حدود أنفاسك، ومن شعرك حتى
آخر مدى لروحك
..
بعاطفة ساخنة: اشتقتُ إليكَ
..
بانفعال: قطعتُ مسافة طويلة كي أرى عينيكِ، كان وجهك أمامي،
على أوراق الأشجار، على صفحات النسيم، على أجنحة الطيور، على
وجوه المارة، كانت يدك فوق صدري تنتزع بردي، ورأسك على كتفي
كطفلة ..
بعشق : ألست طفلة ؟
بعشق : أنت طفلتي التي ألدها كل لحظة، أنتِ طفلتي وعشيقتي
وحبيبتي وأمي وصديقتي وملهمتي ووسادتي وصوتي وغنائي ودمعي
وفرحي، وكل ما ألامس وكل ما يلامسني
..
باستدراج : هل حقا أنا كل ذلك ؟
بتأمل : وددت لو أُخلق لغة ثانية، ينبت لي لسان مختلف، أن
أعجن كل ما كتب الشعراء من قصائد هيام، وأصوغ لك كلمة واحدة،
يا قاتلتي، وباعثتي، أشعر بقيود تثقل حروفي وأنت معي، أريد
أن تهزج كل المخلوقات معنا..
تأملتُ شفتيها: هاتِ يدك، ضعيها على فمي، سأقبل باطنها،
كأنني أقبل عمق روحك، ما أروعك، كأنها يد طفلة رضيعة
..
شتمت سائقا أوقف سيارته فجأة أمام سيارتي ثم انطلق كالمجنون:
لو كنت قائدا لشرطة المرور لسجنته داخل سيارته لمدة خمس
سنوات ..
أوقف سيارته فجأة مرة أخرى: فعلا يتصرف كالحيوانات ..
بلهفة : انس السيارات وابق معي
..
وضعت كفها على وجهي فهدأت أمواج البحر ورقصت الأسماك.
مرَّرَتْ أنملها على شفتي فارتعشت أعشابي، وتنفس النخل،
عانقتها كأنها ستهرب مني، ضغطت على ظهرها كأن أحدا يقتلعها
من أرضي، تأوَّهتْ، وتوحدنا مع رغوة الموج .
أوقفتُ السيارة، شعرتُ بالجوع، فكرتُ في شراء فطيرة، ألغيتُ
الفكرة، تأكدتُ من وجود المفتاح بيدي، غادرت السيارة، تأكدت
مرة أخرى، أقفلت بابها، مشيت بهدوء. لم يكن لدي رغبة للعودة
إلى المنزل، وقفت في مدخل البناية، مر جاري متجهما، يبدو
منزعجا من شتراوس ليلة أمس، ربما أشعله لهاثنا وبوحنا أكثر،
وربما من فيروز ، جارة الوادي، صباح اليوم، ومن صوتي وأنا
ألقي الشعر عند المساء، ومظفر النواب وهو يبكي في آخر الليل،
وهو ينادي أبا ذر الغفاري
..
مرت زوجة جارنا خلفه، دائما تمشي
خلفه، ابتسمتْ لي، ربما لتجهم وجه زوجها..
مر الحارس مسرعا كأنه لم يرني،
تابعته، توقف فجأة، استدار: حضر المالك، والمياه مقطوعة
..
نجّاني من الغرق
..
مرت امرأة ضاقت بجسدها، بملابسها وهي تحتك بجلدها، ألقت نظرة
جانبية على مدخل البناية، مشيتُ خلفها، شعرتْ بي، أبطأت
سيرها، أبطأتْ، أبطأتُ، ودون أن تنظر إليّ، وبغنج : لماذا
تتبعني، هل أعجبك ؟!
أوقفتُ خطواتي، وبقيتْ تسير بدلال لمسافة عشرين غنجا ،
التفتت فجأة، كأنها وجدتني، بصقتْ، وأسرعت الخطى..
عدت إلى البناية ..المدخل .. مر المالك، رجل قصير ونحيل،
تساءلت: "كيف يمتلك عمارة طويلة"، رفع يده ملقيا التحية،
اكتشفت نعومة صوته وصغر حجم كفه، لم أجبه، خفت أن يسقط أرضا
..
مرَرْتُ بي، رافقتُني إلى المصعد، دخلتُ، راقبتُ شحوب وجهي
في المرآة، حملقتُ بعيني المرهقتين: "وأنت أيضا نحيف، لكنك
أشهى رجل في الدنيا، أنت من أشعرني بأنوثتي، وبإنسانيتي،
وعاملني كالأميرات".
مناجيا: وأنت من أحسستِني بمعنى الوله، وبأهميتي، عندما أكون
معك، أنسى المطارات والحدود والحواجز ونشرات الأخبار، وأشعر
أنني أمتلك أجمل وطن، وأكبر وأروع بيت، وأعيش رغبة الموت على
صدرك، أو في تألق الصهيل
فُتح باب المصعد، دخلت امرأة جارنا، أردت الخروج: هذا ليس
طابقك ..
باستغراب : كيف وصلتُ إلى هنا..
غادرتُ المصعد، اكتشفت أنني في الطابق الرابع، لم أنتظر،
بدأت بصعود الدرجات وفي نيتي أن أصل الطابق العاشر: لهاثك
يسحرني، يحيلني مهرة أسطورية تطارد صهيلها
..
بجنون : أشعر أن روحي سهم ينطلق فوق بساط شقائق النعمان، فوق
تربة ذهبية تلد قطعان غزلان برية، فوق أشجار حناء مغلفة
باللهب ..
بتألق : اعجنّي بخمرة وجهكَ، يتصبب رذاذا ..
بلهاث : أكاد أن أموت، أريد أن تكون نهايتي وأنا أصعد لنجمة
الشوق والشهوات
..
وصلت الطابق العاشر، نبضي يتقافز، يصل حلقي، أطرافي ترتعش،
ريقي يجف، التقطت أنفاسي بصعوبة، تأكدت من مفتاح باب البيت،
اجتهدت لوضعه في القفل، نجحت في الدخول، رميت حقيبتي على
السرير، صببت قليلا من الماء في حلقي، ثم على وجهي وصدري،
دعكت أطرافي كمرتعشٍ من الصقيع، دفعتُني إلى السرير، تكورت،
تكورت، تكورت..
أمسكتُ قلبي بكفي: يكاد يطير
موتا وشوقا وغراما وأنا معكِ، يكاد يحترق من نار حشاي
..
بدأت أهدأ
..
بأمومة طاغية: يا ابني
..
تكورت أكثر، وتململ ماء عيني
..
بارتجاف: أدخلْ أكثر في جوف حضني، وادخل رحمي، واغتسل بمائك
يوم ولدت، ويوم عشقتك، ويوم تموت حيا
..
رأسي يثقل، وجسدي يهبط، ويـ خـ فُّ
..
تتمتم : حصَّنتك بالحي الذي لا يموت، بصاحب الملك والملكوت،
باعث الحركة والقنوت، براسم خطوك، وساكن قلبك، وحاضن قبرك،
ورافعك وخافضك..
أطرافي تستكين .. حضنها يتمدد، أنفاسي تـ نـ تـ ظـ
م
حصّنتك بي، من شرّي
وشرري، من شمسي وقمري، من غضب نخلي وبحري.
حصنتك بعفوي وقهري، ببوحي وجهري، من كل مالك أمري، وولي عمري.
جسدي فراشة، دخلت صدرها ووقفت على وردتها الخمرية، أشعر
بالتحليق...
حصّنتك بسرّي، من صدقي وغدري، من غيمي ومطري
..
أنا روح تغلفها الدفوف، ترقص حولها بظلال السيوف ..
حصّنتك بمداي، فاسكن حناياي، تمسك بشهيقي وارحم مأواي، وعدّ
نبضي وفك قيدي، يا واهب وجهي إشراقة النهار، وواهب عيني سحر
الليل، ابق هنا، نم فيَّ، وحولي، وتحتي وفوقي، نم أيها
الغريب في حضن المغرّب، أيها الباحث عن مساحة بحجم رأسك، كم
هو قليل، وكثير، وقليل، وكثير، وكم أنا قاسية عليك، لأنني
أتهجّاك كل لحظة، نم أيها القريب القريب القريب البعيد ، نم،
نم يا كبدي، سأحكي لك حكاية فلا تسمعها. (… وقع جوال في حب
أميرة، وهامت به، كان يعزف لها كل ليلة على نايه معزوفة
البذرة التي تخرج من الأرض عابسة متجهمة، فترى زهرة عباد
الشمس تمنح وجهها للضوء، تحاور السماء، وتستدير على وقع طبول
القمح وقت الحصاد، فتبتسم، وتكبر. كبرتْ في يوم واحد أكثر من
طول نخلة، وارتج سعفها عندما سمعت القمر في الليل يقول لزهرة
عباد الشمس" أحبك"، فترقص النجوم، وتطل الأميرة من نافذتها،
وتقول للجوّال " أحبك" فيبكي، ويعزف أنشودة شقائق النعمان
تحت حوافر خيل القيصر. وعندما سألته: لماذا تبكي أيها
الجوال؟ أجابها:" لأنك حكمت عليّ بالعذاب" ، فتسأله: وهل حبي
يعذبك؟ أجابها: " ليس حبك، ولكن أساس بيتك القوي، لا يتناسب
مع رمالي المتحركة، إن كنت تحبينني فعلا، انزلي من عليائك
إلى سطحي" فقالت : " أخاف عليك من القتل، الحراس يا سيد
حناياي، الحراس" . فقال لها: " لا بأس أن أموت وأنت قادمة
إليّ " قالت : " لا أستطيع رؤيتك وهم يعبثون بنهارك، أنت
كبير جدا يا سيد ليلي
"
سألها : هل أصعد لك؟
قالت
: لن تراني، الأبواب مقفلة
..
قال
: هل أعزف موسيقى الشتاء فينام الحراس وترقّ قلوبهم للدفء؟
قالت:
هؤلاء لا ترقّ قلوبهم أبدا
..
عزف الجوّال موسيقى الشتاء، فضحكوا كالرعد، وخرجوا إليه .. )
نم يا حبيبي
..
***
أقفلتُ الكتاب، طويت الصفحة رقم 46 إلى الداخل، بدأت أتأمل
السقف. كان شتراوس في أقصى حالات جنونه، كنت أرى الفرقة
الموسيقية، بدأ السقف يتسع والضوء يتسلل، والآلات الموسيقية
تسبح في الفضاء، وشتراوس يقف على بساط الريح، يحرك بعصاه
القصيرة الرفيعة، فتقترب النجوم من بعضها بعضا ثم تبتعد،
كأنها ترقص الفالس فوق الخليج العربي.
أقفلت المسجل، وقلت لنفسي: "كفى إزعاجا لجاري السمين، لقد
قرأتُ شعرا جميلا، وقد وصلتني اللعنات عبر الجدران، ولعنة
السمين لا تخيب"
فكرت بزوجته النحيلة، كيف يستطيع … وكيف تستطيع هي تحمله،
دمه ثقيل، وتسير خلفه دائما، ولكن لماذا تبتسم وهي خلفه!
أسرار الحياة الزوجية، ربما تذكّرها عجيزته بأمر ما.
***
حضنتني من ظهري، شعرت أني أولد من صدرها، فغمرني حليب اللوز،
وصرت ملاكا، وبدأتْ تدور حولي كأنها في حلقة زار، وأنا في
صينية كبيرة، تمرجحني الأيدي، وتتخاطفني، لم أبك، كنت أتأمل
الدائرة الذاهبة في لذة الغياب، بالشعر المنفلت المبعثر،
بالتمتمات:
لم يولد أحد من قبل ولن يولد
فتعلق
بالماء الأبيض
وتألق كاللوز الأبيض،
وتراقص بالثوب الأبيض
قد يزحف ماء الصدر إلى
العينين
قد يتلاشى المشهد في
الضدين
أو قد تمشي في جهتين
فاربط رأسك، واكشف صدرك
وازرع في رئتيك بذور الصدمة
وفي نبضيك شموع العتمة
واربط شفتيك بقفل الدمع
..
***
أنقذني صديقي المتسكع أبدا:
أيها النادل، صب لي، ثالث كأس من
فودكا القلب، عمري عشرون سنة، غيرت مفاتيح عشرين بيتا، سقطت
على صدر امرأة في المطار، عبرت عشرين دولة، وأوقفت عند عشرين
حاجزا.. أيها النادل، خذ من جيبي ما تشاء، وامنحني انشغالك
بالعبث، أنا رجل قادم من حزن الحبق، كيف تستطيع توزيع
ابتساماتك للسكارى، ألديك عشيقة تأوي إليها بعد هذا الدوار..
أيها النادل، بي رغبة، أن لا أبيت ليلة في المطار ..
حركة تحت جلدة رأسي: لا أحب هذا المكان، أنت تخنقني، ولكنه
جميل، فيه نساء كثيرات، استمتع بمرافقة هذا الشاعر الضائع
..
بوعي تام قال صديقي : انظر، هذه امرأة جديدة، كأنها جاءت
لتحتل عيون الساهرين، إنها قاتلة بسهوها يا صديقي، تعال نرقص
..
بحسم : راقصها أنت، ليس لدي أدنى رغبة في الحركة، أشعر
أطرافي ثقيلة، ورأسي أثقل، بل أشعر بالنعاس
..
ساخرا : أنت لم ترشف من كأسك بعد، ألست القائل:
تلك امرأة تسكرني برمشتين/
والتفاتتين،
وخطوتين
/ تلك امرأة تقتلني حتى الرقص على سيفين/
إذ يتدفق ماء الشعر على حرفين/ حرف
من وصف الآتي المشرق/ حرف من وصف الآخرة العمياء على النورين
..
مسترسلا: أيها الشاعر الحبيب، أنت مثقل بداء الفتنة، رحـمك
الله .. وأنشد
:
صب لي كأسا يقيني من دموعي/
ويسد كل منافذي،
وما ستخلقه ضلوعي.
وضحك بهستيريا : ضلع أعوج يا صديقي، كيف لو لم يكن أعوجا..
***
عليّ أن أنام، الساعة الآن بعد منتصف الليل، لم يأت صوتها
هذا المساء، منذ الفودكا الأول حتى الآن، هل ماتت ! سأنام
إذن …
ســِرُّها
سألتها ببراءة: متى يصل الأستاذ
؟
بخبث : وهل نحن في مدرسة، عصر الأساتذة انتهى يا صديقي، دعني
أكمل لك، حين تعشق المرأة، وأنا واحدة منهن..
قاطعتها : بكل تأكيد
..
مبتسمة : هل تشك في ذلك ؟
بارتباك : ليس من طبعي..
بذكاء : وفرتَ عليَّ الكثير، المرأة تعرف ما هي، ربما أكثر
من الرجل، ولكنها تلح على معرفة ذاتها من لسان الرجل، ولسان
الرجل الذي لا يعرّف المرأة بذاتها يجب أن يقطع، لا تقاطعني
أرجوك، أنا حادة أحيانا، أحيانا فقط، أعني، أن يضيف إليها ما
ليس بها، هل تفهمني، هي تعلم أن نصف كلامه غير حقيقي، كما
أنها تعلم أن جمالها بعد وضع المساحيق ليس لها، ولكنها،
عندما تنتهي من حفلة التجميل أو التنكر، كما يحلو للرجال
القول، تلبس ثيابها، وتنظر مرة أخرى في المرآة، فإنها ترتفع
إلى جمالها في كل حركة، وتود أن يراها الآخرون كما عكستها
المرآة، لاحظ يا صديقي
..
ممازحا : هل صرنا أصدقاء ؟
بخفة دم : أنت مشاغب فعلا، هل لاحظت ما تفعله المرأة، إنها
تضع المساحيق على وجهها قبل أن ترتدي ثيابها، هل تعرف لماذا
؟
مجيبا بسرعة : نعم ؟
عاجلتني : كلا، كي تنظر إلى المرآة مرة ثانية، وترى وجهها
كاملا، فتتعرف عليه وتتآلف معه بسرعة فائقة، لأنها وقت
التجميل، ترى وجهها يتغير ببطء شديد، فلا تستطيع الإحساس به،
ولكنها تراه دفعة واحدة مرة ثانية، فتدهش، والرجل الذي لا
يستطيع تلبس دهشتها، لا يتعايش مع صنعتها، هل عرفت
..
بملل
: أعرف كل ذلك
..
بوقاحة:
أنت كاذب، لو تعرف لمارست هذا معي، ألا يعجبك وجهي، كل من
يرى عيني يهبط عليه الإلهام، وأنت كقطعة ثلج أيها الشاعر، لا
أدري كيف تكتب ..
بحدة : لسانك حاد يا سيدتي
..
بهدوء : أحيانا فقط
..
متهجما : هل تحاولين ضبطه أحيانا فقط
..
محاولة استدراجه : عندما أشعر بعيني الرجل تلتصقان بي، كي
يغوص في سري
..
مضطرا : أنا أكتب عن امرأة لا تشرح لي سرها، إنها بالنسبة
لي، أكبر سر في هذا الوجود، ولا أريد اكتشافه أو التعرف
عليه، هي المعرفة الوحيدة التي تضر بي، أكتب عن امرأة شلال،
تتجدد كلما سقطت حبة مطر على أي أرض في هذا الكون، لا أعني
شكلها، ولكن روحها، إذن، عليّ أن أعيد تشكيلك الآن من جديد،
فلا تعودي تشبهين ذاتك، ولا تتوقعين كلاما متوقعا، لتنهضي
إذن، كي أكتب فيك كلاما لا يعجبك، كي أضع إعجابي في
اللاكلام، في إحساس غامض، في فضول يعذبني، في انتظار قاتل،
انهضي، حتى يحدث هذا، أريدك أن تخرجي الآن من هذا المكتب،
واصلي الخروج، غادري من الباب الخارجي، اقفلي الباب.
خرجتْ كالمأخوذة، نهضتُ، أقفلتُ الباب بالمفتاح، شتمتني فورا
وصرخت كثيرا، فتحتُ الباب بسرعة، دخلتْ: أنت غبية يا صديقتي
..
بعصبية : وأنت وقح، لا تجيد معاملة النساء
..
بهدوء: لو كنت امرأة حقيقية، كالتي يُكتب عنها، لكنتِ
التزمتِ الصمت، بل لو كنت ذكية لابتعدتِ عن الباب، وتصرفي
الطبيعي سيكون كالتالي : أن يزيد فضولي، بعد أن أكون قد شعرت
بالذنب، فأفتحُ الباب بعد دقائق، وتدخلين، وتعانقينني..
بحيرة: لماذا
..
باختصار : فشلتِ في أن تكوني سرا
..
بخجل : ولماذا أحضنك
..
بجرأة : لأنني كنت سأفتح لك ذراعي
..
بتحدٍ، عانقتْ شابا خرج من مكان ما، عانقته طويلا، وكانت
تنظر نحوي محاولة غيظي: هكذا؟؟
***
في الصباح، اكتشفت أني لم أنم، كنت ما زلت أرتدي ملابسي،
أجلس على أريكة كبيرة، رأسي إلى الخلف، وبيدي دفتر ثخين
وقلم، والمطفأة حبلى بأعقاب السجائر، وريقي ناشف، لكن لا
أشعر بمرارة التبغ، تثاءبت كأني نمت أربع ساعات متواصلة،
تمطيت بكسل، وضعت الدفتر والقلم جانبا، لفت انتباهي أمر
مربك، الصفحة بيضاء، عدت إلى الصفحــة السابقــة، قرأت،
اكتشفت أني لم أكتب شيئا جديدا، فرِحتُ، ما زالت تعيش فيَّ
..
***
بنعاس شديد : هل نمتَ جيدا ؟
بتردد : أعتقد ذلك، ربما، لا أدري
..
أعلمَتْني: كنتَ تكتب على صفحة الهواء
..
متسائلا : حقا
.. !
بعتاب : لماذا خنتني ليلة أمس
..
جازما : أنتِ متأكدة من استحالة ذلك
..
مؤكدة : لماذا عانقتها طويلا، كنتَ تحاول شدها إليك حتى أنها
تأوهت، وقالت لك: لقد عصرتني..
ناكراً : شخص آخر فعل ذلك بالتأكيد
..
كانت أمامي مرآة بحجم الجدار، تسمرت أمامها، اقتربتُ مني،
رأيت أحمر الشفاه على ياقة قميصي الأبيض، خلعته، غسلته كي لا
أراني، ثم جففته بمجفف الشعر، ثم كويته ، تأكدت من كل ذلك،
وارتديته، تذكرت أن عليّ الذهاب إلى العمل، فخلعت ملابسي
جميعها …
***
…
ولا نستطيع في هذه الحالة، أن نحقق تنمية
شاملة بدون تعليم المرأة، وتجهيل الرجل، واحد فقط عليه أن
يتعلم، الرجل فقط لزيادة عدد السكان، وحمل الأطفال، والذهاب
إلى السوق، وقيادة السيارة، بل أقترح أن يجلس في المقعد
الخلفي مع الأطفال، التنمية يا سادتي، تشبه إلى حد بعيد نمو
الشجرة، وحتى تنمو الشجرة، فإنها تحتاج إلى سماد، ومن غير
المعقول أن تكون المرأة هي السماد، الرجل يتحمل الروائح وكل
القذارات، حتى قذارات النساء، والمرأة هي الشجرة، ترفل
بالأوراق الخضراء، والثمار الشهية، عندئذ يقطفها الرجل
ليضعها لها في آنية من الفضة، وتأكلها، وتعطي البذرة للرجل،
أليس هو الذي يزرع البذرة في رحمها …
كظم المدير غيظه وضحكه : هل نمتَ ليلة أمس
..
بعدم تركيز : ولا أمس الأول
..
بهدوء : ألهذا حضرت بالبجاما، وحكمت على الرجال أن يكونوا
سمادا !!
باندهاش : من قال ذلك، أنا أقول، أن يعتني الرجال بالأغصان،
أن يحرسوا الثمار، كي تجد المرأة دائما ما تغوي به الرجل، من
تستند عليه، حتى لا تسند رأسها على أطراف الآخرين، أنا
شخصيا، تعبت من العمل، وأريد من المرأة أن تتولى المسؤولية،
مم تشكو أوراق الملوخية؟!
باندهاش : الملوخية
..
باسترسال غير منضبط : الملوخية يا سيدي أساس أي تنمية، ولكن
علينا فتح مدارس مهنية لتدريب الرجال على قطف أوراقها، وبذلك
يكتسبون مهارة جديدة، ومع الاحتكاك الدائم بالملوخية وكافة
النباتات ذات الأوراق الخضراء، يتعودون على أكلها خضراء،
وبدون غسل أيضا
..
بفضول قاتل: خضراء، وبدون غسل أيضا ؟!
بكل ثقة : نعم يا سيدي، خضراء، حتى تكتسب جلودهم اللون
الأخضر ..
بدأ يفقد عصبيته: لماذا
..
بتفلسف : يردننا
تماسيح يا سيدي، تماسيح
..
***
الوسادة مليئة بالدموع، والساعة ظهرا، وجسدي مبلل، وغطاء
السرير غير مبتل، والساعة المنبه لا ترن، وملابسي الداخلية
تحت رأسي، وحذائي على رف الكتب
..
سؤال غير بريء: ماذا فعلت بنفسك ؟
متظاهرا بالجدية: أبحث عن نظرية جديدة، تقيني من الهوس
بالنساء، أن أتحول إلى خروف مثلا
.. كرر السؤال بخوف : ماذا
تفعل بنفسك، أنت لست أنت، أين الأفكار الجديدة العميقة
البراقة، أين تحليلك ولغتك، ماذا فعلت بنفسك .. ؟
بحزن قاتل: لا أحد يفعل بنفسه، ربما .. ولكن ، لست أنا ..
أقتربتْ بتودد : هل أحضّر لك وجبة الإفطار..
برغبة شديدة : أنا فعلا جائع، ولكن أتمنى أن يدخل الطعام إلى
قلبي، وليس معدتي..
بحنان : إهدأ ..
ببرود : اهدأ، لماذا .. ؟
ببرود أيضا : كي أحشوه بالفضلات، فلا يرسل إلى العقل سوى
رائحة السماد، فيبطل الخيال، وينتج صورا قبيحة
..
***
خرجت من غرفة النوم إلى غرفة الجلوس، بعد أن جلست في المطبخ
ساعة، خرجت منه دون أن أتناول إفطاري، أو أدخن سيجارتي،
واكتشفت أنني كنت أحدق بها وهي على الشرفة تنشر الغسيل، على
جسدها ثوب فضفاض قصير، كانت كلما رفعت يديها لتعلق جرابا
صغيرا، تظهر خلفيتها شديدة البياض، وكلما انحنت لأخذ تنورة
يندلق صدرها، حتى لكأنها تريد أن تصبه في الوعاء البلاستيكي
..
***
(…
أكرهكِ، أكرهكِ من كل قلبي، لماذا
توهمينَني كل هذه المدة بأنني ملك الكون بلا منازع، وإنني
حين تدوس قدماي الترابَ ينبت النرجس، وحين أتنفسُ تتعطر
الصحارى، وحين تلجئين إلي كأنكِ تلجئين إلى رحم أمكْ، اللعنة
على أمِّك يا حبيبتي، تلك التي تنسخين شخصيتها، كنت أسمعك
تشتمينها، تلك التي قتلتْ صباك، وحبستْ سنوات عمرك، اللعنة
عليها حين تأخذك بعيدا، واللعنة عليك حين تأخذينها من رأسها
ولسانها، أكرهك أيتها الجاهلة، وأود قتلك، أنا لا أصدق أنك
هي، وإنها أنت، هل أنا مغفل إلى هذا
الحد أيتها الكاذبة، سأعلّقك الآن من شعرك حتى تبوحي ، حتى
يعود عقلي لي، ولتأخذك الشياطين كلها، حتى أتوازن، حتى
أستطيع رؤية أمي، وأستطيع مناداتها، يا أمي، لقد قتلتِها
وقتلتِهن، يجب أن تُقتلي يا حبيبتي، ولكن كيف، كيف، انقذوني
أيها الرسل على مر العصور، واحملوني أيها الشعراء على
أكتافكم ميتا وقولوا، مات المهووس بموتها
..
… استدار نحوها وهي ترتعد من الخوف: أنا لست غبيا، يا ابنة
الجهلة، ولكنك حرباء، وكنت أسقطُ الحرباء وأنا صغير بعصا
رفيعة تصدر صوتا لو حركتها في الفضاء، ما زلت أحتفظ بواحدة،
عليّ أن أسقط رأسك يا قاتلتي، ولكن عليك أن تكوني خضراء، ثم
بعد ضربك تصبحين ترابية كلون جذع الجميز، وبعدها حنطية، لون
جسدك، ضعي كل ذلك على جسدك حتى آتيك، أو اقتلي دهشتي، وأعيدي
الفاكهة إلى رأسي .. سأعود..
عاد ليسَمعَها تقول له : أحبك أيها المجنون
..
اختلـت حواسـه وفقد القدرة على النطق، وجحظت عيناه، وسقط
مغشيا عليه..
أقفلتُ جهاز التلفاز قبل أن تعانقه على أنقاضه، فقد لمعت في
عينيها صورة رجل لم يمت بعد..
)
***
خرجتُ، مشيت طيلة فترة بعد
العصر، وصلت مساء، قابلتها، ودخلنا غابة من شقائق النعمان
والزنبق، وبدأنا نقطر رذاذا …
( …
هل تذكرين، كيف كنت أحسب خطواتك، أحس بها
قبل أن تصلي، هل تذكرين وأنا أتعلق بصدرك كاليتيم، وأشرب
حليبك كرضيعك، وأمسد شعرك كطفلة، وأشدك إلي كأنني أمزجك
بخلاياي، وانحتك على جلدي، هل تذكرين، عندما تضمخنا ببحيرة
عرق، ثم دخلنا في حفلة لهب، هل تذكرين كيف كنا نتحدث حتى
الصباح وكأننا لصق بعضنا رغم المسافة، نسكن بعضنا بعضا،
نتمدد في شراييننا، نهمس لرئاتنا أن زيدي من انتفاخك حد
السماء، وأنت أيها النبض القادم من قلبي طفلين تحولا إلى
جدول صغير ناعم، يا كل النعومة في الأرض توالدي كي نكتفي،
ويا أيتها الغابات الفردوسية تكاتفي وتكثفي وترفقي وتألقي،
واحضني أشهى نسل البشرية وأكثرها دفئا.. يا…
)
مزقتُ الورقة بغضب، ثم احتضنتها، لم أرمها في سلة المهملات،
فقد نهضتُ، ووهبت جسدي للأرض، ووزعتْ المزق بالتساوي على ما
يشبهها فيّ، حتى إذا أطبقت السماء على الأرض، تعالى صراخ،
يشبه من يُحرقون أو يُذبحون أو تُسلخ جلودهم، أو تُقلع
شعورهم … ثم أغرب ما سمعت من حوارات
..
….. إلى أي مدى كنت ستذهب في
تلاشيك بها؟
بخضوع: إلى تلاشي التلاشي، وذوبان الذوبان
..
…. …. لو كنت تلاشيت بأمر أكبر،
أما كان أجدى لك ..
بحنين : كنت أسعى لذاك، فقالت " لست أنا"
…. : أيها الفقير إلى الحكمة
..
بدموع : كنت فقيرا لأمي التي ما احتضنتني صغيرا ..
…. : وهل كبرت ..
بأسف مميت: صدّتني أرضها، وأقفلت رحمها في وجه بذوري ..
… : ماذا كنت ستفعل لو
فتَحتْه ..
بندم : كنت سأصلكَ كما لم يصلك أحد من قبل
..
…. : كيف كنت تراني ؟
بإشراق : في عينيها، سبحان مازج لونيهما، وزارع فيهما
الخشوع …
….. : هل أنت غاضب ..
صمت ، صمت ، صمت
…. : يجهل الناس بسطي في كل
شيء ..
صمت ، صمت ، صمت
..
ببكاء : كنت سأصلك كما لم يصلك أحد من قبل
..
…. : لقد وصلتَ، مرَّ بجانب
اللهيب كي تصفّي أنفاسك، وتنظف جلدك، وتمسح ذاكرة عينيك، أنت
الآن في حضرة التألق الأعظم، لقد وصلت..
شعور بالاختناق: كنت سأصلك كما لم
…
***
بحنان عشر أمهات: أين كنت ستصل أيها المعذب..
شدتني إلى صدرها وألقمتني ثديها الأيسر : خذ يا حبيبي، رأسك
ثقيل، فاسترح، راحة تاج جسدك هنا، افرد تعبك عليّ ولا تتحرك،
هكذا تجعلني ألتقط السراب بيدي كما لم ألتقطه من قبل، ألتقطه
طريا كما فاكهة الصيف.
شعرت أنني بالقماط، ولفافة مشدودة حولي تكبلني، حاولت أن
أتحرك ففشلت، فتحت عيني، كانت جارتنا، زوجة جارنا السمين،
تخفي نصفي الأعلى في نصفها الأعلى، ودموعها تهطل على وجهي
…
***
… كيف دخلتِ غرفتي المقفلة، وكيف
تسللتِ إلى رأسي، وكيف تجسدتِ بكل هذه الفتنة !!
باشتهاء: أندهش من أسئلتك أحيانا، أما عرفتَني من صدري،
ورائحتي التي تجنّنُك
..
بألم: عرفتكِ، لكنك تزرعين فيّ هوسا أحبه ويعذبني، أشتاقه
ويبعدني، لماذا؟
بإصرار : لأنكَ طفلي وحدي، أقدس خوفَك عليّ، أؤجج خوفي
عليك،وسكناي بك، كي أبقيك لي وحدي، سأكون قاتلتك لو أسكنت
غيري دمك
..
تبتسم : أنت أجمل ما قلتُ من كلام بيني وبيني ..
توقفت عن الكتابة، رتبت جسدي بهدوء على السرير، نمت سريعا،
كانت أصابعها الرفيعة تمشط شعري الطويل، قبلت باطن كفها:
أميرتي ..
بعتاب : لا تنادني هكذا، أكره هذه اللفظة، تقيد روحي بسلاسل
العذاب المقيت، وتسحب مني عصافيري الصباحية..
لقد خرجت إليك من قيدي، ملقية
كل طقوس عائلتي وراء الستارة السوداء، وجئت أنعم بالبياض ..
بأمنية : أريدكِ لي
..
ساخرة : وأنا أيضا، لكنك مجنون
..
بإصرار: وجدتكِ مكتوبة على أوراق شجرتي، بأنك لي، أمي أسرّت
لي، قالت " سترزق بامرأة تلدك من عينيها، ولا تعدك ثانية،
وإن هجرتك ستهجر عقلك، لكنك لن تمس بالجن، وإنما بالحب، وهذا
يكفي لقتلك، أو لتفجير روحك بجسدك، ستسيل عندها بداخلك،
وستسكنك أكثر، لأنها تكون قد توالد عدد كريات دمك الحمراء،
لن تؤذيك ولكنها لن تشفيك، لا أستطيع أن أنصحك بتجنبها، لأنك
ستفشل، ولن أستطيع رؤيتها، لأنها في عمق تكوينك. لقد تجسد لي
يا بني ذات يوم رجل بكثافة الضوء، كنت أستحم إلى جانب مصب
شلال يهبط من فوق سقف كهف في بستاننا القديم، تقدم مني ولم
يمسسني، لكنه كان يتقدم مسلطا نظراته في وجهي ، شعرته يدخلني
من عيني، وبعد سنة ولدت فتاة، لم ترضع من ثديي، لكنها وقفت
أمامي وبدأت بالتلاشي .. لم تكن ابنتي، لأنني لم أشعر
بحملها، بطني لم يتكور، ولم يأتني الطلق، ولا آلام الولادة،
ولم أرضعها، ولم تقل لي " أمي"،
بهمٍ
شديد : نم يا حبيبي، ستقتلع الغصة رئتيّ ..
بشفافية طفل: قالت أمي، ( ستحارب هذه المرأة من أجلك، ستحرق
نفسها كي تذيب ثلج العائلة، ستصرخ كي تهتز الأصنام المصنوعة
من التمر والمنتصبة خلف الستائر السوداء، ولكنك يا ولدي،
تموت ألف مرة قبل أن تجتمعا، هي امرأة المستحيل، ولكنها ليست
مستحيلة، ستجوبان أرض الله الواسعة، وستحميها بصدرك من رصاص
الصحراء المهجورة، وإن بدت لك مأهولة، ستصيبك رصاصة، وستنزف
كثيرا، رأيت ذلك في الحلم، سيختلط دمكما، وسيتحدث عنكما
الناس لأجيال..
سقط ماء عينيها على خدودي، فاستفقت
..
مسحتُ دموعي الساخنة، ودفنتُ رأسي تحت الوسادة، بعد أن تكورت
كالجنين: ادخليني في رحمك كي لا أعود
..
***
( عليك أن تصل رحمي، أن تغسله من تاريخه، أن تزرع بذورا
تأتي بها الريح من الشمال، لها حنان ناي الراعي، وهمس السفوح
للسماء، عليك أن تخلق فيّ ما ليس بي، كي أكون غير ما أنا، اقتحم خلاياي
بجيناتك كي أتشكل امرأة أخرى،امرأة كأمك، تلدك صغيرا، وتكبر
وتكون غير ما تَشَكَّل حلمي، وغير ما تأسست رؤيتي، لأكون غير
رائحتي، أرى اللعنة تلاحقني من جذوري، أنا شجرة غريبة عن
جذورها، فاسكب ماءك فيَّ كي تروضَ جذعي، ويطرح أغصانا بلونك
وملامحكَ، وفاكهة كطيب أنفاسك.. صلني برحمكَ كي أولد منك،
واشهقني كي تزفرني هواء مختلفا، وهوى كندى نبضك، أراك أنا،
كأنك أنا، إني أنت، كأن حواء عادت إلى ظهر آدم، كأن الشجرة
استعادت تفاحتها، فلا تبحث عني إلا في حناياك،لأنني لست من
آدم ولا حواء، ولكن ستجدني كلما تأوهتَ وتنفستَ ونمتَ
وحلمتَ وأكلتَ وشربتَ وكتبتَ ومشيتَ
وارتديتَ وخلعتَ وتزوجتَ وأنجبتَ ومتَّ وحييتْ، ستجدني،
ستجدني، خذني كما تأخذك، خذني، خذني، خذ
…
)
(…
أريد أن أنام، فتمددي كي أتمدد، ورتبي
أنفاسك كي يتلاشى توتري، واسترخ كي تعزفني أوتارك، أريد أن
أهدهدني، وأحكي لي قصة جميلة هادئة كي أنام، اهدئي، ضعي رأسك
على صدري كي أعد شعرك، كي أنام في غابتي، أريد أن
… )
كانت تنظر إلي وهي في إطارها، فمها يبتسم بسرية تامة، وشعرها
يطير ساكنا، مددت يدي، التقطت كفها، حضنته، شددته إلى صدري
..
في الصباح، وجدت الدماء تغطي ثديي، وهي تنام إلى جانبي
باستكانة طفل رضيع
..
رأيتـه كمـا ليـس هـو
…
اكتشفته في أمسية شعرية لصعلوك من القرى الساحلية البعيدة،
عرفته من لون عينيه، بؤبؤ أسود محاط بهالة من الأزرق الداكن،
منح نظرته ملوكية خاصة، وعرفته من قلقه وقلة طمأنينته، كان
يخشى اكتشاف أمره، رغم أنني الوحيد الذي أراه، أو هكذا
اعتقدت، فقد عرفته من جلسته، كأن الشاعر سيلقي شعره له فقط،
وعرفته من غربته ورائحته الدافئة، لم يشعر أن أحدا يشاركه
المكان، لكنه كان حبيس الريبة ..
جلست بقربه، وضعت ساقا على ساق، لم يكن حذائي نظيفا، ازداد
غلافه سخونة، التفتَ إلي بغضب، وكاد أن يأمر أحد الحراس
المتخفين أن يعلموني الأدب، لكنه تذكر، فشد لثامه على وجهه
.. فاندهشت، هل يمكن أن يراه أحد غيري .. !
دون أن أنظر في وجهه: كيف حال قلبك؟
لم يجب .. أظن أنه تململ في داخله.
أومأت برأسي إلى المنصة: أعتقد أن رابطا ما يربطك بهذا
الشاعر، كلاكما من مسافة بعيدة، وصوتاكما متشابهان
..
حرص أن يبقى صامتا..
مستدرجا فضوله: لو علم الشاعر بحضورك لألقى معلقة بك..
حاول أن يغير صوته بالتحدث بهدوء أقرب إلى الهمس: هل رأيتني
من قبل، أعني هل توجه حديثك لي يا أخي
..
بأدب جم : أخوك؟ لما وجدتني هنا .. الفقير إلى الله يطمع في
مقابلتك
..
بتواضع : بكل سرور، بعد الأمسية الشعرية
..
بمجاملة صادقة: ذكاؤك متميز، كما اعتقدت دائما ..
بذكاء: لأنني لم أسألك إن كنت تعرفني أم لا .. ؟
بثقة: أنت تعلم أنك لو حضرت بكامل هيئتك لما ظن أحد أنك هو،
معتمدا على الجاهز في تفكير الناس وتصوراتهم وتوقعاتهم، ربما
يندهش البعض في الشبه الشديد بينك وبينه
.. لكنك أوصافك الدقيقة سبقتك،
سمعتها من أقرب الناس إلى عالمك .. كيف حال قلبك ؟
استغل الفرصة: لا أدري ، لكنني فعلا أشبهه
..
مغيرا اللعبة: لا أظن، أنت تختلف الآن عنه كثيرا، ولكنك
عندما تعود، تبقيك في الخارج، فأنت لا تناسب مكانه أو
مكانته، وهو لا يتفاعل مع هذا المكان كما تفعل أنت..
أمرني : عليك أن تزورني مساء، أحببت فلسفتك ودهاءك ..
مستغلا مديحه: هل ستكون هناك
..
هازا رأسه : سترى
..
بثقة : لن تكون، مع أن أمنيتي هي رؤيتك هناك، ولو زرتك فبقصد
مقابلتك أنت ولست هو، رغم أنه أهم منك في مسعاي
..
بحيرة : سأحاول أن أكون، انتظر، أنصحك أن تقابله في المكتبة،
ربما تراني قليلا هناك، أو قابله في الليل، عندما ينفض
الساهر، يبدأ بكتابة بعض الملاحظات، وتدوين بعض الأفكار،
وبعد هذا المجهود، سيؤلمه قلبه، فرصة رائعة..
بتفلسف : ألا يمكن مقابلتك إلا عندما يقترب هو من الموت، أو
المرض ؟
بدهشة: ربما.. لست أدري
..
بوقاحة : هل تعيش على حسابه ؟
ساخرا : ربما هو يعيش على حسابي .. ؟
فكرة جنونية : لماذا لا تدعه يموت وترتاح ؟
ببساطة : إنه لا يزعجني، ثم .. ليس لي قيمة بدونه ..
باستفزاز: هل تشعر بقيمتك هنا .. رغم أن لا أحد يراك أو
يعرفك ؟
بهمس : من قال لك أنه غير موجود في هذا المكان، قد يظهر في
أي لحظة .
بحس تآمري : ولكنه قد يؤذيك
..
بثقة : اطمئن ، نحن متفاهمان
..
باستفزاز أكثر : لو كان هذا صحيحا لما فعلـــت بنفسك كل هذا،
لماذا لا تكون على طبيعتك .. ؟
بقلة اكتراث : سيهرب الناس أو أهرب منهم،أنت لا تعرف شيئا عن
هذا الموضوع، رغم ذكائك
وسعة اطلاعك ..
بتحد : أعرف أكثر مما تتخيل .. ؟
محاولا إنهاء الحديث : هذا جميل
، لكنك تعلم أنك تلعب بالنار، أليس كذلك ؟
بتحد أكثر: أنت تحضر أمسية شعرية ولكنك أبعد ما تكون عن
الشاعرية هل تكتبون الشعر، سؤال حضر الآن فقط.؟
بدأ يفقد أعصابه : لا تقلل أدبك كثيرا
.. أستطيع حرقك خلال ثانية ..
باعتذار : لم أقصد إهانتك، ولكنه يضر بك، أنت ، دعني أفترض،
قريب منا، بسيط، تتعاطف مع إنسانيتنا، وهو قاس وعنيف وعنيد،
ولا يعرف معنى الحب أبدا، ويعتقد أن لون دمه ليس كلون دماء
باقي المخلوقات
..
موضحا : له رؤيته الخاصة، لو كنت مكانه لفعلت ذلك أو ربما
أكثر ..
بحسم : لن أكون مكانه، ولو افترضت ذلك، لتنازلت عن العرش من
أجلها..
فضول : من هي .. ؟
بلؤم : لو بحت باسمها، سيظهر صاحبك فوراً
..
قرر : نتحدث قليلا بعد الأمسية، سيبدأ الشاعر
..
***
اقترب من وجهي كثيرا حتى كاد أنفه الطويل يلامس أنفي الأطول:
هل تريدني أن أصدق هذيانك، وأن أعتمد هذا الكلام، هل تريدني
أن أختفي خلف الشمس..
بهدوء: أنت حر، لم تصدق كل القصة، لم تصدق أن المرأة أخرجتني
من رحمها وسلمتني لرصيف الشارع، بعد أن حملت بي سبع سنوات.
بعصبية: ولكنك تلمح إلى أنك ما زلت في عينيها
..
بثقة : ولن تر غيري
..
متوترا : أنت تخطط لإدخالي مستشفى الأمراض العصبية، لا
أستطيع رفض روايتك، ولا أملك القدرة على قبولها، وأنت غير
مستعد لتغيير أي شيء، أنت تزيد من هذياني، أعيش منذ قرأتك في
حالات من المس، أسمع أصواتا غريبـــة، وأتقبل أكثر الأشياء
والأحداث غرابة
..
بعدم اكتراث : أنت حر، ماذا
أفعل..
مستغربا : هل تريدني أن أصدق أنك جلست إلى جانبه ووضعـــت
ساقا فوق ساق بحذاء قذر ؟!
ببساطة : لم يكن هو أيها المعتوه، أنا آسف لهذا الوصف، لم
يكن هو ..
كمن اكتشف أمراً : أنت تتخيل إذن وجوده هناك، قل ذلك منذ
البداية، أنت وددت أن يكون هناك، على تلك الهيئة، وأن تحدثه
بتلك الطريقة، وأن تمنح لنفسك الجرأة الكافية، هذا أمر
معقول، ولكن، عليك أن تقول ذلك علانية وبوضوح .. كما أنك
تخيلت المرأة، وبنيت قصة مجنونة، وجعلتني أهذي معك، أي عبقري
متناقض أنت ..
مصوبا كلامه: لست عبقريا ولا متناقضا، بل تستطيع القول أن
عندي نسبة لا بأس بها من الغباء، أريد أن أؤكد لك أنني لم
أتخيل وجوده، كان هنالك، بهيئته وقلبه المريض، ولكن الأمكنة
يا صديقي تشكل الأشخاص بملامحها. فلو عشت أنت في قصر ملك
لمدة عشر سنوات مثلا، ستتلبس بعض ملامح الحياة الملكية. أما
إذا ولدت هناك، ولم تكن ملكا، ستتصرف كالملوك، وربما تنتقدهم
. والعكس يحدث، سامحني أنا مضطر للشرح، حين يحضر ملك إلى بيت
فقير، فإنه يتشكل بالمكان، وأعرف ملكا كان يتسلل من قصره مرة
كل أسبوع أو أسبوعين، ويذهب إلى رجل عادي متوسط الحال، ليلعب
الشطرنج، ويطلب من زوجة صديقه فنجان شاي بالميرميه، من يديها
الحلوتين، بل ويداعبه زوجها: هل حضرت لشرب الشاي أم لعب
الشطرنج، ستخسر يا صاحب الجلالة، سأهزمك شر هزيمة هذه الليلة
..
الملك : هل تضع أم العيال شيئا في الشاي يمهد لخسارتي ..
الزوج : جلالتكم تعلم كم نحبك، أنا أستمتع بالشاي أكثر
بحضورك ..
الملك : ما هذه اللغة الرسمية يا عفريت، لن تعمل في القصر
حتى لو ملكت البلاغة كلها
..
بصوت واضح جدا: ولكنه لم يجرؤ على حضور أمسية شعرية ..
بأدب : كلا، كان يهوى قيادة الطائرات والسيارات واليخوت ..
بسخرية: وصاحبك، ماذا يهوى
..
غير متأكد: يقال أنه يهوى القراءة والكتابة والجغرافيا
والتاريخ والعوالم السفلية والعلوية، والعبث برفاة البشر
..
هز رأسه : القياصرة يعشقون الجغرافيا، ولكنهم ينسون التاريخ
..
مستفسرا : كيف .. ؟
شارحا : هوايتهم ضم الأراضي لممالكهم، ولكنهم ينسون أن
التاريخ سيلد غيرهم ليسلبهم تلك الأراضي، أو ربما يضيف إليها
أراض أخرى ..
منهياً الحوار: صاحبنا غير مضطر لفعل ذلك، إنه يملك مساحات
المملكة، وكل من يعيش في ظل تاجه، من بشر وبقر وشجر
..
تنفس بعمق : أعلم ذلك، قل لي، هل استمتع بالأمسية الشعرية ..
مستنكرا : من ؟
!
بعصبية : صاحبك
..
بهدوء : لم يحضر أمسية شعرية، بل حضرت إليه
..
مهدداً : توقف، أنت تلعب معي لعبة قذرة جدا، تقول أنك قابلته
متنكرا في أمسية شعرية..
معترفا : طبعا، وبدون شك، فقد قال في نهاية الأمسية جملة
واحدة قبل أن يغادر، همس"لقد حضرت الأمسية إليّ .." لكنني
أصدقك القول، عندما انتهت الأمسية، نظرت إلى جانبي فلم أعثر
عليه ..
كاظما غيظه: وكيف قال ما قال هامسا
. ..
بلامبالاة: سمعت همسه في أذني
..
أسند ظهره : سيشتمني القراء بعد طباعة الرواية، سيقولون، هل
عثرت على هذا في المصحة النفسية
..أم في جلسة تحضير الأرواح ..
؟!
***
بأدب جم : لا يريد أن ينشر
الرواية يا سيدي ..
متسائلا بكبرياء: لماذا
..
بهدوء: يقول أن العشق في عصرنا يختلف عن عصر روميو وجولييت،
وقيس وليلى، لا بد أن ينتهي كما بدأ، بل يجب ألا ينتهي ..
فنحن نعيش عصر الفضاء المفتوح والحدود الوهمية، والثقافة
العالمية، والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وكل امرئ
يختار حياته ويقرر مصيره، ذكرا كان أو أنثى .. وعصر الأبوة
المتسلطة تراجع أمام الأساليب التربوية الحديثة، فلا فرق بين
ملك ومملوك، وبين قيصر وحارس القصر، ابنة الإمبراطور تتزوج
لاعب التنس، والملكة تتزوج حارسها الشخصي، والأمير يتزوج
الخادمة، والإنسانية تعيش ذاتها .. ثم إنه يؤكد على
أن الناس سواسية كأسنان المشط، ويتساءل، رغم
ذلك فإن معظم حالات الزواج غير شرعية، وباطلة
..
بدهشة: لماذا
..
بحرج : لا أستطيع القول يا صاحب القول
..
بإصرار : لماذا
..
معتذرا : بسببك
..
مقررا : عليك أن تقنعه أن ينشر الرواية، فالناس فالمخلوقات
ليست كأسنان المشط، هنالك من دمه أحمر ، وهنالك من دمه أزرق،
وهناك من لونه أزرق أيضا، هناك من هو مخلوق من تراب وهنالك
من هو مخلوق من نار، عليه أن يفهم هذا، قل له أن ينشر
الرواية، يبدو أنها مشوقة
..
شرحت : يقول إن علي تغيير الأحداث، فالأميرة إما خائنة، وإما
غير صادقة
أو أنها غير حقيقية ..
متسائلا: وما دخل الأميرة بالرواية..
مختصرا : عشقته فقتلته
..
فرحا : هكذا عشق الأميرات، خاصة أميراتنا، فهن من نار، عشقهن
قاتل، وقتلهن عشق
..
سائلا : هل تقصد أن يقتلها لأنه يعشقها حد الموت ..
ببساطة : أن تعشق أميرة، يعني أن تموت، لأنك لست أميرا ..
متداخلا: كيف حال قلبك يا صاحب التاج
..
بحزن : توقف عن الحب
..
بحزن : هل لو أحببت جاريتك، عليك أن تموت
..
بحسم : هنالك فرق
..
***
أفقت من شرودي، قررت عدم زيارته، وآثرت الذهاب للبحر، يشدني
صوت تكسر الموج ، ويغريني الزبد، مرة شاهدت طيرين كبيرين،
وكان الوقت شتاء، والمياه دافئة، وفجأة، رفعا رأسيهما، ثم
سارا بسرعة نحو الجهة اليسرى، نظرت، رأيت امرأتين تخلعان
ملابسهما ببطء كي يحضنهما البحر بذراعيه اللازورديين، وصل
الطائران، وعندما غطستا طارا، حلقا فوق المياه المالحة،
كأنهما في محاولة لاصطياد سمكتين لذيذتين.
بحزن: أعلم أنني أتكسر مثل الموج
..
بغيظ : أعلم أني كالرمل
..
بدعابة : هذا رائع
..
بحزن أكثر: لا تفرحي كثيرا، لا يعود الموج بعد تكسره ..
بصوت مخنوق: لماذا لا نوقف هذا العذاب
..
بما يشبه البكاء: لا أجيد التحليق كما الطيور
..
بجدية : لن تحلق، تبقى كما أنت، وأبقى كما أنا ..
تذكرت القصة التي روتها أمي، ستهجرني المخلوقة، وستنفجر
بداخلي..
مذكرا : نحن لم نبق في يوم ما كما نحن، نحن نتجدد كالموج، أو
نتلاشى كالرماد
..
بألم : علينا أن نعترف أن الريح أكبر منا
..
بغضب : اعترفـــي وحدك، أما أنا، صرفت حياتي ماشيا عكــس
اتجاه الريح
..
بصوت مرتجف: ولكنني قررت، أنا أموت كل لحظة، ولن تستطيع حملي
في رحمكَ كي تلدني من جديد، خارج برد العائلة رغم حرارته، في
بيت دافء، ولن تبعثني من جديد في مرج أخضر، ولن تشكل خلاياي
من جديد، أنا ابنة هذا الوهج اللاسع، وأنت غريب حتى العظم،
تقف علـــى مفترق كل الدروب
..
بهدوء: أنا فعلا، عاجز عن كل ذلك، وحدك فقط تستطيعين، كل
الذي أستطيع فعله، أن أمنحك كل قواي وطاقتي، وكل حروف لغتي،
وكل ما يملك قلبي من حب .. ولست من يقرر بنعم أم لا، أنا مسكون
بك، بقاؤك عذاب وخروجك مني خروج الروح من الجسد ، ليس لي
سلطة علي، لأن ليس لي سلطة عليك ..
***
كانت تصعد وتهبط في لجة الغرق، اندفعت بكامل هيئتي نحو
البحر، صارعته، سبحت في كل الاتجاهات، قطعت مسافة طويلة، كنت
سأفتش ثنايا الموج كله، لكن، وجدتني ملقى على الرمل، وهي
تتكسر علي، نظرت إلى السماء، كان وجهها يحتل قبتها، رفعتُ
ذراعي، اقتربت، شددتها إليّ، مرّغت رأسها بصدري، فردتُ وجهها
وشعرها عليّ، غطتني، ألقت جسدها فوقي، بدأت أغوص في الرمل،
أغوص في الرمل،
أ غـ و و ص في ا لـ ر مـ ل ، وحين بدأتْ تغوص صرختُ
..
***
استبدل شريط المسجل : تحدث، ثم ماذا
..
دون وعي: ثم اكتشفت إني كنت أمارس العشق معها في غيابها،
لملمت نفسي على استحياء من نفسي، واغتسلت عند الفجر
..
جـنيت عليـك
القيصر: متى خرجت من مستشفى الأمراض العصبية والنفسية .. ؟
أنا : لم أدخله حتى أخرج منه
..
القيصر : عليك أن تزره، أنت في حاجة ماسة كي
..
أنا : هل قلت شيئا يشبه كلام المجانين
..
القيصر : بل هو كلام مجانين
..
أنا : هذا تقدير جنابكم الخاص
..هو ليس كلام مجانين، أمي أخبرتني بأن هذا
سيحدث لي، وأمي تصدق دائما
..
القيصر : كيف تجرؤ، أنا لم أصدق بعد ما سمعت
..
أنا : لأن قلبك من نار يا سيدي، بينما أنا إنسان ، ألا تصدق
أنني إنسان ؟
القيصر : كل ملامحك تدل على ذلك، لكن قولك ينفي عقلك، وإذا
نُفي عقلك، ابتعدت عن كونك إنسانا
..
أنا: يبدو أنني تحدثت بقلبي، فصادرت إنسانيتي
..
القيصر : تحدث بقلبك كما تشاء، ولنبضك حد يجب ألا يتجاوزك..
وإلا ما معنى أن يكون الناس
طبقات ..
أنا : غمرها نبضي فغرقتُ بعمق قلبي، عرضتْ عليّ إنقاذي،
فتماديتُ في الغرق، خيرتني بين أن أتراجع أو تفيض روحي عليها
وقد أموت، أخبرتها أن موتي يزداد حياة معها، وسرنا، كنا أصفى
من هواء غابة عذراء، وأشهى من احتضان غيمة لقمة جبل.. و
..
القيصر : انتهت الأمسية الشعرية، لماذا لا تقول كلاما مفيدا..
أنا : لأن فيه الكثير من الخوف، والكثير من العشق، والكثير
الكثير من المرارة.
أنا : أنا أيها المختلف، أعشق حتى الثمالة، ولا أحتسي سوى
الخمر المعتق، ونبيذ القديسين، لا أستطيع العيش على ضفاف
القلب، هذا يضجرني، وأنا الآن ضجر، إما أن أكون معك أو لا
أكون ..
أنا : وأنا، أمضيت أربعين عاما بلا ميناء، وحين لجأت
إليه، وجدت قاربي مختلفا، وإن المياه تعيش حالة من الفصل
الشنيع، هذه مياه لقوارب الرخام، وأخرى لقوارب الخشب، وهذه
أسماك ملوكية، وتلك مملوكية، حاولت الدخول فصدتني رائحة كنت
أكرهها وأنا صغير، وزاد كرهي لها حين نضجت، لكنها قالت بأن
في غابة الرخام قلوب عذارى، يسهرن على وجه القمر، وأشعار
حيارى، تُكتب على مرايا المرايا
.. ورغم اختلاف أمزجتنا
وأبراجنا، إلا أننا تآلفنا، وتوحدنا .. لولاك ..
أنا : قلت لها، لننفّذ ما عجز عنه بطلا ألبرتو مورافيا،
أخذنا مسدسين، وضعناهما تحت الوسادة، نسيناهما، نهض حوار بين
التراب ورذاذ المطر، ثم أُسري بنا إلى فضاء غابة عذراء، كنا
نحط على شقائق النعمان، ثم يحملنا الغيم المتخم بالبرق، وحين
انشقت الأرض وأخرجت زنابقها وفلّها ومائها المرصود، مددت يدي
إلى قعر الوسادة، فصاحت : يا أمي مي مي مي مي مي مي، وأجهشتْ
بالبكاء
..
القيصر : لماذا لم تقل أبي ..
أنا : قالت .. أمي وأمي وأمي ..
أنا : قالت بأن الدفء عند أمها ، والبرد عند أبيها، وما
بينهما قلبها، فاختارت الدفء.. وتمنت موتك ..
القيصر : أنت مخلوق غريب، تقول كلاما يقود إلى حرقك، بجرأة
لا مثيل لها ..
أنا : أعلم أني غريب، ولكنك لا تستطيع حرقي ، لأنك ستحرقها
..
***
بعد لقاء القيصر اقتدت إلى الصحراء، أجبرت على المشي سبعة
أيام دون توقف، في اليوم السابع أزاحوا الغطاء عن عيني، خلفي
الصخر المسنن والموج المتلاطم والهوة السحيقة، وأمامي رجل
بثوب أبيض طويل وياقة سوداء، وخلفه على بعد عشرين مترا فرقة
الإعدام، وفوق أفرادها وجهها يرتب ألوان قوس القزح. قرأ
الرجل أمامي كلمات بإيقاعات مختلفة، لم أسمع واحدة منها، سوى
طلبه مني بالتوبة والمغفرة وتطهير الروح. كان وجهها يتمايل
مع الضوء والظل وألوان الطيف، وتحتها قرقعة السلاح. سمعته
يطلب مني الوصية الأخيرة، مر نسر متوحش فوقها، ارتفع كثرا،
ثم هبط لينقض على رأسها، قطعت وثاقي بقوة غير طبيعية، دفعت
الرجل التقي الأنيق، وانطلقت فيما يشبه الخيل الأسطوري، شعرت
بالهواء يمر من رئتي وصدري وعنقي وبطني وأطرافي، وعرقلت
اندفاعي، وزادت الثقوب اتساعا، وبات الرصاص يمر منها، لكن
الهواء بدأ يدفعني إلى الخلف حتى صرت على بعد شهقة من
الهاوية، جاءني صوتها: ( إلى أين تأخذني أيها الصاهل، اشعر
أني مهرتك الرائعة) نظرت فوق الجنود، كان قوس قزح يذبل
تدريجيا، نظرت خلفي، شاهدت وجهها على الماء، مر هواء من
جبيني وخرج من مؤخرة رأس، خف جسدي وثقل قلبي بها، وهويت نحو
وجهها، لم يتلقفني، فصرخت: أمـــــي، ونهضت، والوسادة مبتلة
بماء الحزن
…
***
دسست رأسي في صدرها كالأطفال، سمعت نشيجي، شدتني أكثر صوب
رحمها: ولدي
..
بغصة : ليتك لم تصرخي تلك الليلة
..
بخوف : متى يا ابني، ولماذا ؟
بصوت مرتجف: كي لا أقابل القيصر، أين أنا يا أمي وأين
الميناء الرخامي المهجور وإن كان عامرا،أين قواربي من قوارب
الصندل، والله لو كان قيصرا عاديا لما حزنت، أنت تعلمين أنني
لا أرتجف أمام أحد مهما علت منزلته، كل الناس في النهاية بشر
مثلنا، القياصرة والملوك والأمراء مثلنا تماما،يفعلون ما
نفعل،بل أحيانا نحن نستمتع بالحياة أكثر منهم لأننا نتعامل
مع الأشياء كما هي، وحسب طبيعتها، أما هذا القيصر ، فهو
يتلون ويتبدل بأشكال مختلفة، ليتك لم تصرخي تلك الليلة ..
برعب حقيـقي : ما بك، أي رخام وقيصر، ما دخلنا نحن بالقياصرة
يا ولدي
..
……………:
لا عليك، تذكرت شيئا رائعا
فبكيت، وأردت أن يزداد روعة فاقتربت من صدرك، كي أتأكد أنك
أمي ، وما زال صدرك يفرد لي ياسمينه كي أتعمشق عليه .. فصدق
فرويد، وكذبت، كنت أحاول أن ألدك ففشلت، ولكن من يدري، قد
أنجح في محاولة أخرى ..
تفاقم خوفها: هل آخذك إلى الطبيب .. ؟
مطمئنا إياها : قد يأتي بالدواء، لكنه لن يأت برحم، أنا في
حاجة كي أعود صغيرا، بل رضيعا، دعيني أنام على ركبتك، وغن لي
أغنية الحمام الذي ينام الأطفال على تصفيق جناحيه وهو آخذ
بالابتعاد
..
***
بصوت تقتلني نعومته: نم يا حبيبي، جنيت عليك، وجنوا عليّ،
وددت لو مددت يدي للشوك كي نرحل في لحظة اللقاح
..
بهدوء: لا تفتحي باب القيصر يا أميرتي، أريد أن أنام، أريد
أن أموت بعمق على ساقك، أريد أن تقرئي على رأسي تعويذة
الجريح ..
تركوه يقطر دما كي يعيش كما
يشاء،
دمه يسليه على الدرب إذ يحلو
النداء،
هذا دمي، فاتركي لوني المسجى
كي يعود إلى المساء،
عاد من سهر أخيرٍ كي لا يجافيه
الغناء،
إنه
الليل، وليل دون تأخير الإياب،
يجافي الأصدقاء،
فاحمليني، يا ريح الشمال إلى
مفاتيح دمي،
كي أدخل الآن فضاء الأتقياء
..
***
بصوت مبحوح : هل تشعر دبيبا في أطرافك
..
أومأت : نعم
..
واصل : هل تسمع صوتا أنثويا في صدرك
..
أومأت : نعم
..
كمن أتاه الفرج : هل تراودك عن نفسها وأنت في مكان عام
أومأت : نعم
…
بسرعة : وهل تستجيب ؟
أومأت : كلا
بخيبة : وهل تجدها معك وأنت تستحم ..؟
أومأت : نعم
..
بسرعة : وهل تعانقها
..
أومأت : نعم
..
بحماس : وهل تراها بعينك على السرير ؟
أومأت : نعم
..
بحماس أكثر : وهل … ؟
أومأت : نعم
..
آخر سؤال : وعندما تفتح عينيك لا تجدها، أليس كذلك ؟
***
سالت دموعي على السجادة، كدت أستسلم، ثم بسرعة البرق،
انطلقتُ هاربا من غرفة مولانا، وصلت بيتا مهجورا، شعرت بقلبي
يتقافز خارج صدري فاسترحتُ، اخترتُ نخلة وألقيتُ جسدي
..
بدهشة : ولماذا لم تستمر ، لماذا لم تنتظر يا صديقي ..
بإحباط : لم أشأ أن أحيط رقبتي بحجاب، وأرفض أن يبصق مولانا
في وجهي..
باستغراب : قد يكون في ذلك شفاؤك يا مجنون
..
بحسم : لن يلامس وجهها نَفَسٌ سوى نَفَسي، أقتله والله،
وليكن مولانا
..
***
ضرب الطاولة بكفه بعصبية: ولماذا لم تقتله، كنــت أججت
الأحداث، وأعطيتها بعدا عميقا
..
باستغراب : لأنه لم يلامس وجهها أيها الذكي
..
تماسك أعصابه : اسمع، أمامنا فرصة رائعة كي نقدم عملا خطيرا
لم يقدم من قبل ، تقتل مولانا، فتحل عليك اللعنة الكبرى، ثم
يحتدم الصراع بينك وبين جنوده ومخلوقاته، وتصير الحرب مثيرة
للغاية، بين العالم السفلي والعالم الأرضي، أي عالمك، ستدخل
الرواية هنا منعطفا خطيرا، ستكون مفعمة بالتوتر والترقب ..
نظرت إليه بدهشة ورثاء ..
سكت ثم واصل : ماذا أفعل، جعلتني مهووسا مثلك ..
وأفصح : لدي فكرة أكثر جنونا ، وتتطلب من قلبك أن يكون صلدا،
وأن تكون روحك وثابة .. لـ مـ ا ذ ا لا
تـ قـ تـ ل الـ قـَ يـْ صـَ رْ
.. !!!؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
رأى العفاريت تتقافز في عيني
…
بإصرار : أريد قتلا في الرواية، هذه القصة في حاجة إلى قتل،
إلى دم، كي تدخل الطقوس العجيبة الغريبة ، طقوس ما فوق
الطبيعة، أنت هكذا لزج، وجبان، ومائع، وضائع.. لا بد من
زلزال .. لا بد من القتل .. اللون الأحمر مثير، مثل لون
شفتيها، مثل بُردة القيصر، مثل ستائر غرفته، مثل لون مآقيك،
مثل دمك، مثل حبر القلم، أريد أن أسألك سؤالا، لماذا تكتب
بالأحمر؟ أنا لدي الجواب، لأنك تخطط للقتل أليس كذلك،
سأطبع الرواية بالحبر الأحمر
، ستكون مدهشة، هئنذا بدأت أتفاعل معك ..
بوضوح : أنت قرأت كل شيء، هل عثرت على قتل ؟
ببساطة : أشك أنك كاتب هذه الرواية أيها التائه، ألا ترى
نفسك مقتولا، جثتك ممثلٌ بها، روحك ممزقة، وأكاد أرى مزقها
على الإسفلت، وفي سلة مهملاتها، وفي كذبها، وفي خيانتها، وفي
رائحة عطرها، وكلامها الذي لا تقصدك فيـه، ورسائلها التي
غبتَ عنها، كيف تدفن رأسك بالرمال يا صديقي
..
***
دفنت رأسي وبكيت: مات
أحاطتني بذراعيها: قرأت خبره في الصحيفة
..
أسندت ظهرها على الجدار، مدت ساقيها، ألقيت رأسي بهدوء
عليهما،سالت دموعي، بللت فستانها، أدخلت أناملها في شعري،
بدأت تمسده، ثم على وجهي، وشفتي، ابتلت كفها بالدموع، نهضت،
أسندت ظهري إلى جانبها على الجدار: تذكرت أبي ..
بهدوء حزين: رحمهما الله، كلنا سنموت
..
مذعورا : كثر الأموات الذين أعرفهم وأحبهم، لي أصدقاء كثر في
المقابر، في مقبرة كل بلد لي أصدقاء .. هذا الرجل كان يحبني
كثيرا، تبناني، وتحدث عني أمام أدباء ونقاد كثيرين ومشهورين،
أحببته كإنسان،
محب وصادق، رحل غريبا، علمت في الفترة
الأخيرة بمرضه، اتصلت به، كان صوته شابا، يفيض حيوية وحياة
وقال:( صحتي جيدة،لا تخف، لكنني أتذكر زوجتي الراحلة كثيرا،
بل تكاد لا تفارقني، تركت فراغا، ومساحات شاسعة من العزلة في
داخل)
تابعتُ : بدأت أخاف عليه، أكلما أحببت واحدا في النهار
وكالنهار، خطفه الليل مني وفي الليل، يقال أنه عانى من سكرات
الموت ليلا، وفاضت روحه في الصباح، وفي الطريق إلى المستشفى
..
محاولة تسهيل الأمر : هوِّن عليك .. أنا أحبك
..
شهقت من قلبي، حملقت في وجهها، رجوت ظنوني ألا تأكلني في تلك
اللحظة بالذات، فاختطفتها بذراعي، عانقتها بقسوة، تألمت،
شددتها وبكيت أكثر: كم أحبك، وأشتاقك وأشتهيك، كم أرتجي الله
أن …
ابتسمت : لا تخف
..
بخوف : لي أمنيتان، أن أموت على صدرك، أو أن أموت قبلك ..
باشتهاء حضنت وجهي، قبلتني قبلة طويلة تشبه قبلة الخلود، ثم
فاضت الحياة بنا، فاحتسينا دفئها بكؤوس الجنون، تبلل جسدانا
بالعرق، كنا في غرفة غير مؤثثة، فتوحدنا بأرضها كطفلين
يعبثان بالبراءة، تضمخ جسدانا بالدموع والعرق ومياه جذوع
اللوز، وساد صمت .. صمت
..
***
بغضب : لماذا تصمت هكذا، يقول الأستاذ أن كلامك جننه،
وامرأتك أصابته بالهوس
..
باحتجاج بالغ : ليس لدي امرأة
..
بشكوى : إني أحدثك منذ ساعة، وأنت تنظر في وجهي بوجه ميت،
كأنك تتأمل مأساة، لماذا لا تقل كلاما جديدا، أو تعترض على
ما قلت ..
بهدوء ممل : قلتُ كلاما كثيرا، تحدثت بكل خلية في لساني،
وبكل رمشة من عيوني، وبكل دموعي، واعترضت بكل جوانحي
وحناياي، وغضبي وصراخي، ونُحْتُ كثيرا، ولكن، لا فائدة.
اكتشفت كم كنت ممسوسا، فعلا، هنالك إله واحد في السماء،
والمرأة أكثر طيناً من الرجل، فلا تغضبي، لا أرى سوى شكل
جميل، كتمثال رائع بلا روح ..
بفرح : بدأتَ تقول كلاما، لا يهم أن ترفعني، فأنا لهيب متأجج ، لكنني متعلقة بالجذور، وعطشى ..
لكلامك، كي لا تسيء فهمي، أدعوك إلى منزلي، أريدك أن ترى
زهوري ونباتاتي وأثاثي
..
بسرعة : بكل سرور
..
***
مشت أمامي كأنها نجمة صبح تقود قطيع نسيمات فاتنات توزعهن
على مساحات الشوق: هذه النخلة التي أحضرت لك رُطَبَها، وهذه
النبتة التي أرسلتها لك بالبريد كي تشفى من السعال، وهذه
القرنفلة أهديتك منها في عيد ميلادك، وهنا أسير في المساء
وأفكر بك، وهذا مدخل بيتنا، وهذا الممر يقود إلى غرفتي، هذا
الهاتف الذي أحدثك منه طيلة الليل والسكان نائمون، وهذه
غرفتي، ومكتبتي، وكتبك، وهذا سريري، هنا أتمدد وأراك تجوب
جسدي، هنا مقتنياتي المبعثرة، هذا العطر الذي أهديتني، يحمل
معنى التوحش، تعال، هنا أستحم، هل تذكر، لقد هاتفتك مرة وأنا
أستحم، فكنت مع قطرات الماء السريعة تداعب تضاريسي، وهذا
تلفزيوني الصغير، ومسجلتي الكبيرة، وهنا أكتب أحيانا، هذه
قصة بدأتها قبل يومين، وهذه مقالة أنتهيت منها، وهنا تتألق
أنت في سطرين، وتقتلنـــي بحرف :( خذني أيها الرجل الذي أيقظ
أنوثتي، وارمني بعيدا عن برد العائلة رغم حرارة المكان )
***
كنت أقف خلفها، أقرأ ما برأسها، وأقبل شعرها شعرة شعرة، أحن
على تلك المساحة التي تؤلمها فيرتعش خافقي، تذكرت ( دعيني
أقبلها كي تنتعش الخلايا وينهض حريرك وينطلق لساني .. )
احطُّها بذراعي، أسندت رأسي على كتفها وداهمني الحزن،
أثارتها أنفاسي فانكمشت، قبلتها، استدارت، سمعت نداء ملائكيا
من عينيها، وصراخا في شفتيها.. تزوجتها..
أيتها الرياح المنسابة على سفح صخور تغتسل بالمطر، أيها
العشب المرتعش حول جرن الشتاء، يا بشائر النسيم محيي القلوب
من حزنها، يا أنفاس العمق المتهدج، يا أيها التلاحق المثير،
يا جابل النار بالطين بالرذاذ، يا عاصفة تُشابكُ الأغصان
فتطير العصافير، وتلف الجذوع فتلتف الأرواح،
أيها السقف المفتوح على احتمالات الصعود، يا
روحي ويا روحها، أيتها الروح المبللة من مضاجعة الموت لماء
الحياة، أيها الدم المتدفق في القصيدة المجنونة المشرئبة
يتلوها شعراء الجبال لولادة أنثى النرجس شقائق نعمان لا
تحتمل اللمس، أيها التعب الطازج يقود إلى حفلة ولادة البراري
من طرب الرعاة العشاق، يا آخر صرخة في العيون، أغيثي قتيليك
من الحياة، جسدان حطا على سندس الروح، فارتفعي إلى حيث كل
شيء يقود إلــــى كل شيء، يقود إلى لا شيء غيرهما، يتفردان
بالتفرد، يا قلبي المعتوه أغثني
..
وذهبنا في غيبوبة اليقظة…
بـرد العـائلة
هاتفني: أدعوك هذا المساء للعشاء
..
أجبت : أنت تعلم أن وقتي لا يسمح لي بتناول الطعام ليلا ..
سألني : وهل ليلك مزدحم دائما ؟
أجبت : بل أنا المزدحم بالليل دائما أيها الصديق الذكي
..
أصر : تعال ولا تأكل
..
أوضحت : تقصد، تعال بدونها
..
لم يعجبنــي المكان، هادئ جدا، رزين جدا، خافت كثيرا،بارد
جدا، ولكن، أوفيت بوعدي
..
- هذا صديقي الروائي ..
أساء تقديمي، أبعدت عيني عن كل
العيون ..
- وهذا صديقي الخبير في علم الأجناس، وهذا صديقي المتخصص
بالجيولوجيا، وهذا قريبي عالم النفس المشهور بتخصصه في
انفصام
الشخصية .. وهذه صديقتنا العرافة، صديقة
الرؤساء والوزراء
..
ابتسمت لها، نهضت من مكاني وجلست
بقربها وبدأت محادثتها فورا : برجها برج الأسد، ولهذا أصبحت
أشلاء، تركت قبل قليل جسدي بقرب صديقي الناشر، واقتربت منك،
أظنك أيضا، تركت جسدك في غرفة نومك، ولم تقتربي من أحد،
العرافون بعيدون كالكواكب، ففي أي كوكب ولدت، وعلى أي نجم
ترعرعت، وفوق أي قمر كتبت وصاياك، وعلى أي غيم أرسلت ماءك،
وإلى أي أرض أرسلت تعويذتك، ومن أي بلور صنعت قلبك، ومن أي
المرايا شكلت عينيك، هي كما تعلمين، قلبها مفعم بها، ينبض
بعشقها، ووصاياها تكتبها على الطين الذي يقدح شرارة تضيء
طريقها، وهي بذلك قريبة من كل الناس، بالقدر الذي تقترب فيه
منها، تحمل جسدها دائما معها، ولا تترك خلية في غرفة نومها.
وقد أدخلتني مرة هناك، وعرفتني على مقتنياتها، لكنني لم
أرها، رأيت غرفة لرجل أعزب، تدب فيها فوضى مخيفة، نسيتُ كل
شيء، نسيت أننا في غرفة نوم، واحتضنتها من ظهرها.. دافئ،
قبلتها من شعرها، من تلك البقعة التي كان يتساقط منها شعرها
، نسيتها، وصنعت تمثالا من العسل المعطر النابض بشقائق
النعمان والنرجس والفل والزنبق، وأجريت فيه ماء الورد البلدي
، وضمخت جلدها بالريحان والحناء، وتحولت إلى عاصفة صغيرة
رقيقة تدور ببطء حولها، تدخل في ثناياها، تحضن بنعومة
العصافير ثغرها الذي صغته من فجر دمي، وعندما امتلكتها، سمعت
صوت تسلل أنفاس الموج، وتصفيق طير بحري يهيم ليلا، فعرفت
أنني معها بالذات، اتسع المكان، وكنتُ جوهري، أهديتها عصارة
جنوني ، ونسيم جلدي، وقرأت على وجهها تعويذة عشقي المقدس،
لكن النجوم اضطربت، والكواكب انتشرت، والحجارة انفلقت،
وانتفض الأسد بداخلها تود أن تعود ..
-
أين
..
- ينتظرني برد العائلة، لا أقوى
على هذه النار، فأنت راقص إفريقي ستفضحني طبوله ..
- أنا عائلتك الأصلية، شجرتك التي
تشعل أغصانها من جيشان اخضرار البرق في عروقها وتمنحك
نضرتها، خذي لهيبي الخالد وانشريه في ممرات الذهب التي تقود
إلى بردك، خذي برونز جلدي، ارتديه واحمني داخلك ..
- أنت غريب هناك، كل نارك ونار
سلالتك تنطفئ عند أول خطوة لي داخل الوهج الثلجي، هناك
مرايا لا تعرفنا، ونحن لا نعرفنا، فمن أي أرض جئت كي تميتني
كل يوم ميتتين..
ذهبتُ إلى عرافة تقطن بالقرب من اسمنتنا، دخلت بثوب لم يكن
يلامس جسدي غيره
..
قالت : تمدد..
لم يزرها غيري ، ترددت .. كررت طلبها برجاء
..
حدثتني بهمس : ماذا لو تبقى على حالتِك ولا تنهض، هل ستجوع
عصافير
القلب، وأصاب بسكتة الهجر، وهل ستتشرد
القبرات عند الصباح، وهل ستعيق الماء في رحلته للجذور، وهل
ستحد من تسلل النسيم إلى الجهات، لو كنت أمك لقبضت عليك
برحمي ثانية، ولأعدتك شهوة غير محققة في لظى أبيك، لكنني،
أكثر من أمك يا ولدي، تسير الآن وفق صوتي، وترى وفق عيني،
وتتأمل ما يروق لبصيرتي، أتعبتَ حناياي، أين كنتُ حين ولدتَ
، وفي أي الحارات كنتُ ألعب عندما نبتت أول شعرة على شاربك،
وأين كان سمعي عندما شدوت أول مرة بأغنية " أحبك " لابنة
الجيران ؟ ثم ماذا لو كنت منك، من ضلعك الغريب، ماذا سيجري
في دمي لو شربت من مائك، وماذا سيحدث
لأحلامي لو تلحفت بالليل وناديت البيادر مثلك، البيادر التي
لم ترها، والينابيع التي تعرف رصدها ولم تطل من فتحتها، أما
كنت أجمل وأحلى وأصفى وأرق وأبسط، ولكن، هل كنت ستسكن إليَّ،
وفيَّ ؟ اعلم أنك ستكرهني، وربما تحاول قتلي، أو تمزيقي،
كتلك الخيمة التي تمزقت فوق رأسك ذات شتاء، وذات عاصفة محملة
بالصقيع، رفقا بقلبي حين أصلي على نبضك وخشوعك، ورفقا بدمي
حين تتمكن من مغادرته، ورفقا ببحري حين يجف جلدك، أسلمتك
الآن سري فبح به أنَّا تشاء ..
***
كانت الأسئلة قد اكتملت قبل ظهور أسناني كلها، وكان المشهد
محيرا ولاسعا، وكانت طموحاتي دموية، كانت عقدة جبيني تكبر كل
يوم، حتى لقبت بالعابس، حضر العابس، ذهب العابس، ضحك العابس،
وعندما عشق العابس بكى تحت شجرة توت مخططة بضوء القمر. تكبر
الفتاة قبل الفتى، وتنضج ككوز التين في شفاه الشمس، ود الفتى
لو كانت همومه الثوب الجديد والطعام اللذيذ، أو مجرد الطعام،
وحقيبة المدرسة المشتراة من السوق، وقلب فتاة يسهر أمام
وجهها. لكن رؤية الفتى رؤى، ومداه أكبر من ذكريات أبيه،
وأروع من أغاني البيادر، وأكبر من دموع أمه المشتقة من الحزن
والصمت. لم يفكر الفتى بجوع العصافير، ولا بماء الجذور، كانت
الشمس شغله وقت المغيب، تفجر فيه أشكال العالم الآخر، حيث
سيبدأ نهار آخر، وكان الفتى يغرق بالتأمل ..
***
كونكَ أمامي الآن، ممددا، أهم حقيقة في الوجود، أرغب في أن
تتأبدَ هكذا، هل أقتلك بهمسي، هل أقتلع قلبي، وأعصره عليك كي
تموت وكي أموت، هل أقبلك حتى تموت، هل أحرقك بنار بخوري،
وأبذر رفاتك في سهولي كي تنبت كلما قتلوك، أو كلما دخلت في
برد بيت العائلة .. هل آخذ نارك وأشعلني كي تتدفأ التماثيل
الثلجية ؟ كم أموت لأجلي، وكم أحيا لأجلك أيها الغريب
..
***
استيقظت أيتها العرافة على برد العائلة، فتحت عيني، لم أنظر
نحوها، مدت ذراعيها إلي فارتفع جسدي، وحط في حضنها، كنت قد
بدأت رحلة الموت، كان على ذراعيها شفافية حضوري، لكن حضنها
تبلل دمعا، كانت هي، عرافة الروح حين يخدشها الطين، قبلتني
قبلة ما قبل الدفن .. ما رأي الكواكب والنجوم والكرة
البلورية يا سيدتي ؟
غادرت العرافة المكان
..
***
لفتت أناقته انتباهي، ونظارته الطبية السميكة حيرتني، أما
قبعته التي تشبه قبعات رعاة البقر الأميركيين، فقد أكملت
أعجوبة الشكل..
في الواقع أيها البروفيسور، أنام واقفا أمام النافذة، بعد أن
أكون قد سحبت بعيني المسافات، شارعا شارعا، وتلة تلة، وبيتا
بيتا، وغرفة غرفة ، وسريرا سريرا، وامرأة امرأة، لأفتح
عينيها عليَّ، وأكتب اسمي على راحتها بشفتي، وأمنحها حنوي
عليها، وخوفي، ورعشتي، وأعصابي، وأغنياتي التي حفظتها صغيرا،
وعندما تغمض عينيها، أكون قد مهدت لأطرافي الخدر، فأنام
واقفا، أو قد أسقط كخشبة، أو أكتب على الهواء الكامن بيننا
قصيدة منفلتة من الأوزان والبحور واللغة، أكتب ما لم يقله
الكلام في لحظة التصوف، وأجمعه في الصباح عندما أستنشق صوت
يقظتها، عندما يتململ جسدها ويبعث عطر الكسل والنشوة وسحر
عودة الفجر من حضن الليل.
أريد أن أستشيرك
بمسألة أيها البروفيسور، لماذا عندما أخرج
للعمل أرتدي ملابس مستهلكة، أو أحيانا بالبيجاما، وعندما
أعود من العمل أتعرى لأطارد الأفكار اللزجة، وعندما أجلس
للكتابة أكون قد ارتديت أجمل ما لدي، وتعطرت بأروع أنواع
العطور، تلك المصنوعة من جوهر العشب ورذاذ المطر، وعندما
تأتيني بصوتها أو خيالها، يخف ثقلي حتى أطير، فأتسلل من
النافذة، وأسير في الهواء، صديقك الجيولوجي يقول أن بإمكان
الإنسان السير في الهواء، ولكنني لا أستطيع العودة إلا من
الباب، والباب مغلق، والمفاتيح في الداخل، ويكون الحل دائما
كسر قفل الباب، هل تعلم، لقد غيرت قفل الباب عشرات المرات،
وفي كل مرة أضعه في مكان مختلف، والآن فإن القفل لا يقبع على
طرف وسط الباب، ولكن في أسفله، علي أن أركع في كل مرة، وأفتح
الباب، جارتنا تحب هذه الطريقة، تشعر بعودتي، تفتح بابها
لتتأملني وأنا جاثيا على الأرض، يبدو أيها البروفيسور، أنها
تستلذ بوضعي، بماذا تفسر ذلك، أريد أن أقول لك أنني لم أر
وجهها قط، لكنني أشعر برائحتها عندما تشق باب بيتها، وعندما
أدخل أعانقها، تكون بانتظاري، وأستلقي عاريا تحت السرير،
لأنام بهدوء، هل تأخر العشاء ؟
!
تركنا البروفيسور إلى طاولة أخرى، فتش جيوبه، لم يجد ورقا،
بدأ يكتب على المحارم الورقية، ويضعها جانبا، ثم يمسح عرقه
بها، ويضعها أمامه بعصبية، امتلأت الطاولة بالحبر والعرق، ثم
غادر كراكض خلف هارب
..
***
المكان؟ لا يهم يا أيها الصديق، لأنه واحد متشابه، ينسخ نفسه
ويتمدد ببله غريب عجيب، بساط أصفر شاحب نهارا، يتقمص روح
الذهب ليلا فيشع سحرا تحت فيض القمر، وهذه الثنائية العجيبة،
رسمت رؤاها على الكائنات، وعلى البشر خاصة، نحن لا نعرف إذا
كان الحمير يشعرون بالشحوب أثناء النهار، لكنني أستطيع تلمس
جنون النساء عندما تنتقل تلك الكرة الحمراء إلى مكان آخر،
ليبدأ الاحمرار صراعه مع الليل، فيعطي اللون البرونز الداكن
مثل رغبة دفينة. والمكان يا سيدي يصنع الزمان، ساعات تمر في
قيلولة القيظ البغيض، لتقابلها ليلا موج قيظ الخلايا، وأنا،
هذا الجالس أمامك، غبي بدرجة امتياز، لم يكتشف هذه الثنائية
إلا بعد أن دمرت خلاياه البرونزية، ولكن لم أندم، تجربة غنية
في التعامل مع كائن يعشق ظل النخل في النهار لأنها تقيه حر
الشمس، ويتبول بقرب جذعها ليلا لأنها لم تعد تشكل له سوى شبح
آخذ في الحياة، وهنا غباء آخر، إذ أن هذا الكائن، ينسى أن
النهار سيعود ثانية، وإنه سيجلس في نفس ظل النخلة، ليشم
رائحته القذرة من جديد، عندها، يبدأ بحثه عن ظل آخر، وهكذا،
يتوالى قطبا التواتر !! هل قلت شيئا مفيدا ؟ هل رأيت النحاس
الأحمر المثير الشهي التمدد فوق بئر الرغبة، كان جسدها أكثر
دفئا وأروع لونا وملمسا، وعلى السطح الذي سميته شاحبا، دار
فصل من تحول الطبيعة المذهل، تحول الشحوب إلى بحيرة من
الخلايا المتجددة. الشمس تحرق الرمل، والرمل يسخن النحاس،
وامرأة ترد على كل ذلك بفتنة البرونز الليلي، لا أدري كيف
وأدنا روحينا في وسط الصحراء، امتداد من الصور اللامحدودة،
حيث لا أحد
..
قالت لي : لن أراك بعد اليوم
..
سربت صوتي إلى الغرف
الثلجية وناديت، جاءت كنعامة ترفل بالعشق،
ورأسها يبحث عن كثيب تحتمي به، فكان صدري، ثم عرقي، وأنَّت
الصحراء أنين واحة فاض بها الشوق للماء، فأمطرتُ، وأزهر
الرمل وردة قرنفل، قطفتها، قبلناها، وركضت كحصان مشحون بمهرة
الموت، وزرعتها بعيدا، وقلت : لتتغير الثنائية الأبدية،
وليبدأ عصر مـــن التحدي للجيولوجيا..
انتابت عالم الجيولوجيا نوبة ضحك، فحمل اهتزازات كرشه
وابتعد، لكنه ترك في عيني ماء قيظ النهار الحبيب
***
-
ما بال ماء عينيك يجري ؟
-أشعر
أنني تفككت مثل الرمل، وإني ضعيف كناعمِهِ، تذروه الرياح
الواهنة. هل سبق لك أن رأيت العالم حبة رمل، وإن الطريق الذي
تسلكينه ليس أبعد من عينيك لأنفك ؟ كنت أظن ثقوبي امتلأت
بطينك الحنون، وأن طيني اكتسى ثوب المناعة، فجأة، أراني في
مهب المحطات، ومفترق طرق، ولا علامة واضحة تفضي إلى مكان
واضح، ولا أجوبة لأسئلتي الحائرة، ولا مستقر، ازدادت ثقوبي
كجناح طائر مهاجر صب صياد ماهر جام باروده على جناحيه، لكنه
يطير، وفق ما تشتهي انحدارات الفضاء ..
هزني من كفي الملقاة على الطاولة : ماذا فعلت، هل هذا مذكور
في الرواية يا صديقي ؟
ببؤس : نعم
..
باستنكار: وهل روايتك تتبدل مثلك، لم أعثر عليه مطلقا ..
مؤكدا : كيف جاءتك فكرة العشاء إذن، اعتقدت أنك تطبق ما
قرأت ..
بحيرة : عليَّ أن أعيد قراءة الرواية من جديد .. ولكنها معك ..
بهدوء ثمل: لن أعيدها إليك، لقد خيبت ظني، وقرأتها وفق ما
يروق لك، ولذاكرتك العمياء، لو قرأتها بعناية لأبلغت الشرطة
..
متأثرا : ولماذا ؟ إنها مجرد رواية
..
بانفعال : تسللت إلى مخدعه، استيقظ حين شم رائحتي، جحظ جحوظ
المخنوقين، حاولت تهدئته فقاوم، كممت فمه بالصمغ الورقي،
وقيدت ذراعيه بشاله الصوفي، فعلت كل ذلك بقلب لا يرتجف عند
مصافحة الكبار، الكبار جدا، عاملته كمجرم، وعاملتني كقاض:
ستسمعني الآن أيها المنفصم، سئمت قداستك الكاذبة، وضقت ذرعا
بألوهيتك الوهمية، وكرهت أحاديثك، كم أنت كاذب، أنت الآن في
أكثر صورك الحقيقية، ترتجف خوفا على رهبتك، وعليائك، والناس
ترتج لذكر اسمك، يعتقدون أنك أنقى من نسيم الفجر، وأنك لست
من البشر، ولا تأكل ولا تشرب ولا تدخل بيت الراحة، بينما أنت
تأكل فوق طاقتك، وتملك فوق ما تحتاج، وتذهب إلى بيت الراحة
عشرين مرة في اليوم، لكنني أحسدك على وقاحتك أمام من صنعك،
أعطاك بلا حدود، وعلمك ما لم تعلم، فهيأت لك نفسك أنك هو،
فألغيت ما أوصاك به، وبنيت لك جنة على الأرض، ونارا للآخرين،
بماذا تختلف عني، أنا أجمل منك خَلْقا وخُلُقاً، أكثر صحة
منك، وأطلق لسانا، وأكثر ثقافة، وأرهف إحساسا، وأوسع قلبا،
وأتفوق عليك في تربية الحمام وركوب الخيل، ثم إنني أكثر حرية
منك، أرتدي ما أشاء، وأخرج وقتما أشاء، وبالكيفية التي أريد،
أسبح في أي وقت وعلى أي شاطئ يستدرجني، أقود سيارتي أو أستقل
سيارة أجرة أو أمشي أو أركب الحنطور، تراني الشمس وأراها
وأصادق القمر والنجوم، وأمشي تحت حبات المطر وأغني وأسهر
وأبكي وأحزن بحرية مطلقة، وأتناول طعامي في البيت والمطعم
وفي السيارة والشارع، لي أصدقاء من العمال والشعراء
والموظفين والحرفيين، أنام في كل مكان أعشقه، وأعشق كل امرأة
يتهجاها قلبي، لذلك، أنا أكثر عراقة وتمدنا وحضارة، وبالتالي
أنا أنبل منك، ولكنك تزيد ثقوب جسدي كل يوم، وتتحكم بنبض
يومي كل لحظة، وترسم عذابي ليلا نهارا، إذن، لم تبق لي شيئا
من حريتي، ولكنني الآن أمتلك حريتك ومصيرك، قادر على سحق
قلبك المريض، وبسهولة فائقة، سأجعلك ترى صورة امرأة تملكها،
أنظر، كم هي رائعة، ليس لأنك مآلها، بل لأنها بين يدي، هي
قالت ذلك، تكون أجمل عندما أهبها لهيبي، وقالت إنني أعدت لها
أنوثتها، هي الآن ربيعية الطلة والروح والثغر وليست في
مسلخك، وفي معمل كذبك، لا تتحدث عن التربية، ولا العادات ولا
التقاليد، هي هنا في أجمل تجلياتها، هل رأيت فرحها على وجهها
من قبل، وبهذا الدفق الأنثوي الطاغي؟ لم تره، جئت لأجعلك
تراه.. الآن سأحرر فمك، ولن تقول شيئا، كان بمقدوري أن أجعلك
أضحوكة، ولكن نبلي يتعالى عن هذا، سأتركك لدهشتك، كلا لم يكن
حلما، أنت تراه بأم عينك، ستراه كثيرا، وسأخرج لك من بين
سطور الكتب التي تدعي كتابتها، ويدك لم تلامس نقطة من حبرها،
وسأكون في الكلام الذي تجتره في كل مناسبة، أيها الصدئ
.. وستنقلب الآية الآن، سأظهر
لك في الأوقات التي لا تتوقعها، في المواقع التي لا ترغبها
.. حتى تقول إنها لك ..
***
أنت مجنون بلا شك، لن تستطيع الاقتراب حتى من الشارع الذي
يمر بقصره.
ضحكت كثيرا، ضحكت كالأطفال، كأنني كنت أسرد قصة من قصص ألف
ليلة وليلة، أو الزير سالم أو الشاطر حسن. وسكنني الصمت
كثيرا..
قلت : كل إنسان أيتها المستقرة له معجزة في دنياه، فإن شئتِ
منحتك معجزتي، إذا نجحت تكونين رئاتي، وإن فشلت تكونين
أرملتي، وسجينة التماثيل الثلجية
..
قالت: كف عن التحليق، أحبك لأن خيالك مدمر، وأخشى أن يدمرك
معي، فأنا مدمرة معك
..
غادر الناشر المطعم وهو يصفق بكفيه، ويلطم على وجهه
كالنادبات ..
وبقيت وحدي
..
الميـزان
دعني أكمل لك ما لم تره عينك، وتقرأه بصيرتك.. لقد نادى علي
المنادي، وحين نظر من يقبع خلف الطاولة إلى أوراقي بسمل
وحومل وقرأ كل المحصنات والمعوذات وقال بصوت مرتعش : تفضل ..
- هل ورد هذا المشهد في الرواية .. ؟
- نعم ..
- أعانني الله عليك ..
........
- حضرة العدل .. لقد ظهرت لي في العقد الرابع من عمري، على
شكل كلمات، أو قل استغاثات ونداءات، أو قل على شكل بوح دافئ
جدا إلى درجة السخونة، بوح محمول على أنفاس معطرة تأخذ الرأس
في دوامة لا يصحو منها إلا بعد ابتلال الجسد بالعرق ..
استجبت لها يا سيدي دون أن يقع عليها بصري، اقتلعتني من
ترابي دون أن تمسسني، لكنها مسَّتني.
ضرب على الطاولة بكف مرتعشة تحمل مطرقة صغيرة: اختصر أرجوك
..
سمعت همسا في أذني : لا تمتثل لطلبه ..
- قابلتها، عرفتها من بين كل النساء، كانت تبتسم، تحيطها
هالة من العشق الأسطوري، لعبنا كالأطفال، ثم تحدثنا
كالفلاسفة، ثم قبلتها كالمجانين أمام الخلق ، قالت لي (
رائحتك جميلة .. ) بينما كانت رائحتها تسحبني من قعر دماغي،
فأندفع إليها ،نصحتني بأن أهدأ، وضحكت .. رأيت أحدا ينظر
نحوي مشفقا ويهمس لمرافقته ( غريب هذا الشاب ، كأنه يكتب
قصيدة في الهواء ..) كلامه جعلني أحدق في عينيها أكثر، أنظر
في كل تفاصيلها، وفجأة وجدت يدي تتسلل إلى ظهرها، وترسم
خارطة عجيبة، دوائر متداخلة في دوائر، حتى إذا عدت إلى أول
نقطة البدء اتسعت الدائرة من جديد، لأمشي معها، وكانت هي
تذوب تدريجيا، ثم تعود متجسدة أمامي كمطلق الفتنة والغواية..
- اختصر أرجوك ..
همست في وجهي: لا تختصر يا حبيبي ..
قالت لي : ( أود أن أعرفك بنفسي، أنا غريبة كما أنت، سأتلاشى
بعد قليل، وسأعود في لحظة أخرى، هنالك رجل ، أحكي له كل ليلة
قصة كي يؤجل قتلي، كما كانت تفعل شهرزاد بشهريار، وحين لم
يعد لدي أي قصة هربت، فجن جنونه، وصار يظهر لي في أحلامي وفي
الشوارع وفي طعامي، أريدك أن تقف إلى جانبي، أن تضع يدي على
ظهري وتشدني ناحيتك كي أتخلص منه،فهل تستطيع .. ؟
هززت رأسي وأنا مأخوذ بعينيها ..
- أريد أن أقول لك أنني لست امرأة عادية، فوالدي القيصر،
تسجد السيوف تحت قدميه، لا يعرف من الحكمة سوى ما يتعلق بنا،
وخاصة بي، قد يقتلك في أي لحظة، ولا تستطيع قتله أبدا، إلا
إذا كنت رجلا غير عادي، ولا أدري، لماذا أراك كذلك، أرى تاجا
أجمل من تاجه على رأسك، وأرى لغة تنساب من فمك لا يجيدها هو،
ولم أسمعها من رجل قبلك، فهل تقاذفتك الغربة حتى خلعت تاجك!
ولك صوت دافئ كأنك أب لقبيلة من الأطفال، وأستشف ثقة في نفسك
يطمح إليها الفلاسفة والتقاة، أي رجل أنت، لهذا، أنا المرأة
التي لا تخشى أحدا، أخشاك، وأنا المرأة التي لا تستأذن
الدخول لأي مكان أستأذن الدخول إلى عالمك، باستطاعتي أن
أدخل، ولكنني أشعر أن بمقدورك صدي، هل بك روح أخرى تسكنك منذ
قدم التاريخ، أنا الآن أستأذن اقتحام عالمك، وعليك أن تعلم،
إن فتحت لي شرايينك وجعلتني أسير بدمك، فإنك لن تستطيع
إخراجي حتى تموت أو أموت، وأنا أيها الواثق عمري طويل جدا ..
كانت تعلم أنها سكنتني تماما، وتمددت على جسدي
وروحي، وألصقت خلاياها بخلاياي، وبدأنا نلتقي، توحدت معها
لطرد ذلك الرجل من حياتها. كنا نلتقي وقتما تشاء، لأنني حين
كنت أشتاقها وألح لرؤيتها، تغضب غضبا شديدا، فأعطيتها حرية
الظهور وقتما تشاء، أو تشاء لنا الطقوس النارية، وبعد كل
لقاء يا سيدي، كنت أشعر أنني كنت في عالم آخر لا يمت لعالمي
في شيء ..
- ماذا تعني ؟
- لأنني عندما كنت أقابلها، أو أعانقها، ترق روحي كأنني في
حضن أمي ، وتصهل خلاياي كأنني أمتطي مهرة مصنوعة من زمرّد
وياقوت، وكان قلبي يرتج وسط شهيق وزفير ، وكنت أقول كلاما لا
يشبه هذا الذي تسمعه، ولا أستطيع تذكره بعد عودتي، لأنني كنت
أغفو على ذراعها فيما يشبه التلاشي، أما المكان فهو مزيج من
الضباب وسحب البخور والمرايا والأسرّة الطائرة ، بعد كل لقاء
كنت أسأل نفسي، إن كان ما حدث حلما أو حقيقة أم أحلام يقظة،
وكنت أسألها فتفرح لحيرتي، ربما لأنه يعطيها إحساسا غير
عادي، بأنها ما زالت تحتفظ بهوائها ونارها، أو بعليائها ..
- كيف هذا، وهل كنت تقابلها حقيقة أم أنك كنت تتخيل .. ؟
- هل رأيت أيها الفيلسوف، حتى حضرة العدل كان يشك في وجود
المرأة، لو كنت مكانه لأرسلتك إلى مصحة نفسية، أو وضعتك بين
يدي طارد أرواح كي يشبع جلدك ضربا، ووجهك بصاقا ..
- هذا دليل أنك لم تقرأ الرواية أيها الأستاذ، دعني أكمل لك
.. لقد أجبت حضرة العدل بأنني لا أدري، فأسقط في يده مثلك
تماما، وعاد يتفحص الأوراق التي فردها أمامه، وقال ( لقد
قرأت كل ما قلت، إلا أنني أشعر بمعنى آخر في كلامي، أريد أن
تبوح بما تريد، أي حدد طلبك لأنك لم تذكر يا بني مطالبك .. )
فذكرت له مطالبي: أولا أن يحضر القيصر إلى المحكمة للدفاع عن
نفسه ..
نهض حضرة العدل من مكانه، طلب إخلاء القاعة من الناس والشرطة
وكاتبه ومستشاريه وقال بعد أن هدأ من روعه قليلا ( هل تعي ما
تقول، نحن ليس لدينا قياصرة يا بني، ظننت أنك لن تقول على
الملأ ما كتبته حرفيا في أوراقك)
- فعلا ليس لدينا قيصر يا حضرة الروائي، كيف انطلت علي هذه
المعلومة، صحيح أنك مخادع، وأردت إحراجي مع القراء، ولكن
ربما لم أتوقف عند هذا المنصب لأنهم يتصرفون كالقياصرة ..
- تقصد أنهم يتصرفون وكأنهم يملكون الأرض والبشر والحيوانات
والطير والبحر والهواء، والماضي والحاضر والمستقبل، ولا
يؤمنون بأن هنالك إله واحد في السماء، أعرف لماذا لم تسلني
عن هذا .. المهم يا أستاذ، شرحت للقاضي كل هذا، وطالبت بحضور
القيصر كي نسميه قيصرا أو يتركنا لآدميتنا، أو أن يحكم وفق
المبادئ التي يتبجح بها في العلن وفي الصحف .
- هذا ليس من اختصاص المحكمة يا بني، لقد أخرجت الناس من هنا
كي تعود إلى رشدك ..
- أليس من حقي أن تكون الأميرة لي وأكون لها، رغم أنها لي
وأنا لها ؟
- هل هذه أحجية أيها الشاب ؟
- أعني أنه لا فرق بيني وبينها، هو صار قيصرا عندما ذبح ابن
عمه تحت شجرة الزيتون، ودفنه تحت شجرة التين، أما أنا فليس
لي ابن عم حتى أذبحه، ولم يعد لي شجرة زيتون لأن القيصر
باعها، وليس لي شجرة تين لأن القيصر حرقها، معادلة بسيطة،
ليس أمامي إذن إلا أن أقتل القيصر، أو أخطف ابنته، أو أحرق
المدينة، لتمتد النار إلى كل المدن، وينبت شجر آخر، ويأتي
قيصر يسمع كلامك يا سيدي، ألست حضرة العدل، لماذا تضعني في
السجن إذا تجاوزت الإشارة الحمراء، ولا تضع القيصر في السجن
حين يهدر قلبي، ويدعي بأنه لا يشبهني، وأن له أربع عيون
وعشرة أذرع وألف ساق، وكل نساء المدينة له ولأبنائه ..
همست في أذني مرة أخرى : لا أقدر أن أتزوجك، رغم كوني لك
وكونك لي، لن تستطيع أن أكونك، ولا تستطيع أن تكونني، لكننا
نستطيع أن نكون نحن يا حبيبي ..
- لا عليكِ، سيعقد القاضي قراننا حالا ..
- هكذا تقتلني، وتقتل نفسك، وتقتل ما برحمي، أنتظر منذ بداية
الخلق أن يتكون مخلوق برحمي ..
- اللعنة على القيصر، وعليك وعلى نارك وعشقك وحبك ..
سامحيني، لا أصلح للحياة بدونك ..
- اصبر قليلا، لا تأخذني بجنونك، هل قلت كل هذا أمام حضرة
العدل وهل لعنت المرأة والنار والعشق والحب ؟
- أخذ حضرة العدل أوراقه وغادر الأمكنة، ثم دخل شرطيان،
طرداني بلطف، ربما بناء على توصية حضرة العدل، ولكنهما هربا
حين سمعا صوتا يفيض أنوثة: كنت رائعا يا حبيبي، رغم أنك
لعنتني، أنت أول مخلوق يجرؤ على لعني، لكنني أحبك أيها
الغريب في كل شيء
عدت إلى القاعة، انتظرت على المقعد الأول، انتظرت حتى
المساء، وحين لم يعد حضرة العدل، نهضت فجلست مكانه، جلت
بنظري في المقاعد الفارغة، مرفوع الرأس، كنت أشعر أن على
كتفي بردة حمراء، وعلى رأسي تاج مرصع باللؤلؤ، التفت خلفي،
رأيت الميزان ، وكفتيه المتساويتين، فضحكت بهستيريا، عادت
إلي ضحكاتي بعد ارتطامها بالجدران والأحكام المعلقة، تأملت
الظلام وهو يتسرب بنعومة موحشة، أشعلت الضوء الذي كان أمام
حضرة العدل، وجاءني الكلام، بهدوء وثقة الملوك: ( أيها
الفراغ الملعون المقيت، وإن امتلأت، أخاطب فيك الذي يُرى ولا
يُرى، أما الذي يرى فأنا كفيل به، والذي لا يرى أنت كفيل به،
كم أنت سيد متجبر ومستوطن، أيها الدكتاتور، أكتشفك الآن رغم
حكمتي الطويلة، وأراك منتشيا بينما تنحني لك الرؤوس.. أيها
المنتشر في كل الأمكنة، مهما صغرت أو كبرت، ما زال غبار
الصحراء يغطي الوجوه، وما زالت البنات تتعرض للوأد، وما زالت
القلوب صلدة غليظة، مئات السنين من الكلام ولا أرى حرفا
يتشبث بمعناه، لا في أول الكلام ولا في آخره، ولا أدري ماذا
تقول المخلوقات في سرها، لكنني أشك في ما تجهر به .. أيها
الكلام الذي تصطدم بالجدران ولا تعود إلي، كم أنت جاف تتدحرج
ككرة الثلج، أيها الكلام الحقيقي الناتج عن عرق الصوت القادم
من بعيد، من مكان لا يصله عقل أو مخيلة بشر، تسرَّب عبر
مسامات الإسمنت، واستبح الشوارع والبيوت والمؤسسات والحراس
والأماكن السرية والعلنية، واقتحم الشواطئ والبساتين والنخل،
واستبح الرؤوس المحشوة بالأصنام والتهيؤات، واسلخ عنهم
أسماءهم وصفاتهم، واستبح كل المساحات التي تفصل ما بين
الكلام واللسان، كي أقول كلاما خفيفا جدا .. ها هو قلبي
اللؤلؤي، سليل قلوب أبناء الأرض الحقيقيين، سليل ملاّكها
وأسيادها.. لا يزال ينبض بحرفين، منتهى طموح الخلق، أيتها
المطرقة المعذبة، يضغط حضرة العدل على رقبتك كلما أراد قتل
رجل فقير مظلوم، أيها الفراغ المميت .. أنا القيصر ..
- أنت أجمل من كل قياصرة الدنيا يا حبيبي، لقد وجدتَ طريقة
جهنمية لم تخطر على بالي كي أغادر روحك، لن تراني طيلة حياتك
لو صرت قيصرا يا حبيبي ..
- كيف تدخل الروح يا حبيبتي جسدا وتغادره، كيف تتشبع الزهرة
برحيقها ثم تخسر رائحتها، كيف تكونين لي ولا تكونين لي ..
أنا القيصر رغم أنف القياصرة ..
- وكيف خرجت من المحكمة أيها القيصر ؟
- لقد تعرف عليّ الفراغ يا أستاذ، وقادني عبر الممرات
الكثيرة التي يعرفها، عبر رؤوس الحراس والبصاصين والنجوم
والنياشين، لقد خرجت، ولكنني لم أخرج، لأنني كنت أملأ
الفراغ، وأشعر بأنني أتلاشي، لم يبق مني شيء ، لأنني صرت كلا
في كل شيء.. حرفان طموح تقويمي ..
- إن كنت تعني ما فهمت، فأنت معرض للقتل أيها المبدع، تطاولت
كثيرا، وتجاوزت حدود التجاوز ..
ألم تقل لي في البداية بأنني مقتول؟ ولكن العجب في أنك
تراني، ورغم ذلك لا تفهمني، كيف تكون جسرا للكلام ولا تعرف
منابعه وتجهل مصبّه..
- هل أصطحبك إلى مصحة نفسية ..
- هل تخدعني كل هذا الوقت إذن، أين نحن يا سيدي .. !!! |