|
جلسة أولـى
خانني أحد الأصدقاء حين أرشدني إليه
..
دخلت مكتبه بتردد، لم أره
مباشرة، وقع بصري على صورة كبيرة معلقة خلفه لرجل يملأ
المساحات ضحكا، ابتسمت، ثم نظرت إليه..
- الابتسامة، أول ما أرغب رؤيته
على وجوه أصدقائي ..
- تقصد زوارك
أو مراجعيك ..
- لن أخوض معك في نقاش أنا واثق
منه..
تحدث في كل المواضيع الطريفة، ثم
في كل المواضيع الكئيبة، وسرد على مسمعي تفاصيل حياته، ضحك
وبكى، غضب واسترخى، ثم ضرب لي موعدا لمراجعته. حاولت أن أقول
شيئا لكنه منعني، ونصحني أن أتحدث في المقابلة الثانية، ولن
يتقاضى على هذه الزيارة شيئا من المال..
لم احتر في أمره، فلدي ما يكفي من التصورات لكيفية عمل
الطبيب النفسي، لكنني أعترف، أنه استحوذ على تفكيري لوقت ليس
قصيرا. تأكدت أنه بارع في القص وصياغة الأحداث، وأراد أن
يقلل من مشكلتي أو يصرفني عنها للتفكير بمشكلاته أو تفاصيل
حياته، ظنا منه أن من يرى مصيبة غيره تهون عليه مصيبته،
وأيضا ليجعلني أخرج من دائرتي التي أغلقتها كما يعتقد، ولا
أرى دونها شيئا، وسيطرت علي كسكون الجنيّ في الجسد.
الموعد الثاني كان بعد
أسبوع، وأظنه قد أخطأ في عدد الأيام، فأنا لم أفكر بكلامه
سوى في اليوم الأول، وحين عدت ثانية، ولم تكن الابتسامة على
وجهي، رسم عقدة في وسط جبينه وفكر مليا قبل أن يسألني:ماذا
تعمل؟
لم أجبه، وبدلا من ذلك، حدثته عن جودة أسلوبه وذكائه، قلت له
أن الناس لا يعاملون بطريقة واحدة، اندهش عندما أخبرته بوجود
حلول لدي للمشاكل التي يعاني منها.
خرجت من عيادته بعد نصف ساعة تقريبا، لم نصبح أصدقاء، لأنني
نصحته أن يكتب كل القصص التي يفتعلها أو يفبركها أو يؤلفها
أو ينقلها من مراجع لآخر، وسيصبح قاصا ناجحا، وغادرت المكان،
تاركا الرجل الذي يملأ اللوحة ضحكا خلف الرجل المتجهم أو
المتأمل، لكنني عدت فجأة لأسأله إن كان قد أصيب بمس من الحب
في حياته، فقال أن معلوماته تقول أن الناس يصابون بمس من
الجنون. عندئذ، غادرته بسرعة دون أن أضرب له موعدا جديدا،
وقررت أن أكونه وقتما أريد
..
حفلة حــرق
دفع إليّ بالرواية: مستحيل، عليك أن تعيد الكتابة ..
صعقني: استغرقتني أكثر من سبع سنوات
..
تساءلتُ بإحباط مرير : كل
الرواية !؟
بلغة أقل عصبية: كلا، الرواية تحتضن مشاهد مثيرة للغاية،
ومواقف استثنائية، وفلسفة لم أقرأ مثلها من قبل، زدها جنونا
إن استطعت، رغم أنك لامست حدود الجنون.
أربكني تناقضه وشجعني على الحوار: أنا لم أكتب فلسفة و ..
قاطعني : أنت مارست الفلسفة أيها المجنون، كيف تتوحد بجسد
امرأة فتكون جلدك وتكون جلدها، وتهبها أعصابك وتهبك أعصابها،
وتشعر في ذات اللحظة أنك تتعبد في محراب عشقها، بل كيف
يغلفكما ماء جسديكما، وتشعر أنك عانقت روحها حد التلاشي
.
واقترب هامسا : هل هي امرأة.. أعني مثل كل النساء .. من لحم
ودم ، أم أنك تحلّق وبعيدا، وتدرب خيالك ، أم أنك مريض
بأحلام اليقظة..
أم أنها جنية وأصبتَ بمس من
الحب ..
ارتفع صوته: هل مارست العشق حقا، أم أنك تعشق ملاكا أو نصف
إلهة، أم إنها مجرد تهويمات شاعر ؟!
وجن جنونه : أين تلك المرأة التي تغسلك من الوريد إلى
الوريد، وتمنحك وطنا تحتمي بحدائقه وسواحله ونخيله وغاباته،
ثم تطرز الغربة على وجه..
-
ليس تماما يا سيدي ..
وهدأ : أتمنى أن تكون كاذبا، أو محترف تهيؤات، أنت كاذب أليس
كذلك، محترف حرائق، مدجن توحش .. قل ولا تقتلني بثلجك ..
أرجوك..
بعد فترة صمت: هل ستنشر الرواية أم لا ؟
عاجلني مرة أخرى: عليك أن تعيد كتابتها، هذه المرأة أو الروح
أو الجنية أو الجسد المتجدد أو الوطن أو الأم أو الملاك أو
الإلهة ، كما يحلو لك نعتها، يجب أن تحيا
..
قلت بضيق : لست نبيا كي أحيي القلوب وأعيد البصيرة وأذيب
الجليد، وأنشر الدفء في ثنايا الصقيع
..
قال مؤكدا: بل أنتَ ميت، ميت في الرواية وفي الحياة، ميت
أمامي، أنت مختنق، أنظر إلى جحوظ عينيك، أنت مجرد جسد، تتحرك
ببطء إنسان آلي، تمنيت أن أرى ذلك الرجل الساحر الذي كنته،
الذي يفيض عشقا وحيوية، ذلك الراقص في ساحة الهيام، المنطلق
كوحوش البرية، يطارد الأرانب والغزلان، المغتسل بالمطر،
الضاحك كالأطفال، الباكي كالأرامل، الحالم أبدا، تمنيت لو
قابلتك وأنت تعيش هوسك الذي قتلك
..
قلّب صفحات الرواية، تأملَ في وجهي طويلا، وأنا أنظر إليه
ببرود ميت : لدي فكرة أيها المقتول، اصنعا معجزة، أو اصنع
أنت معجزة، كي تكون النهاية في تألق البداية.. اخطفها،
اغتصبها، ضع في أحشائها بذور حياتك، تكون لك، ألم تحلمان
بطفل أيها الأب التقي، ألم تنادها بأم ذلك الطفل، اذهب وافعل
ذلك، حالا أريدك أن تفعل، خذ هذه الرواية عني.. تكاد تقتلني
..
قلت: هل أصابتك لعنة الرواية، أم استدعت ذاكرتك امرأة عبدتها
وأعادتك كافرا؟ أعترف أيها الصديق، أعترف، من تتسلل صورها
إلى أحلامه يصاب بالحمى، أعرف، هل تشعر بشيء من هذا
..
لاهثا ودون تفكير: أريد هذه المرأة ؟
بصوت
عال : غابت
…
بإصرار
: أريدها ميتة
..
قلت: أقتلك حالا
..
بأدب ورقة: أنت لم تفهمني، وربما لم تفهمها، كيف تدعي أنك
كاتب هذه الرواية، وكاتب عشر روايات قبلها..
بهدوء بالغ : كتَبتني الرواية يا سيدي، كما كتبتني المرأة ..
لم أفكر بحرف واحد، كما لم أفكر بقبلة واحدة، بل لم أكن أشعر
بالمسافات الطويلة التي كنت أقطعها لأقابلها، أو لألمح طرفا
منها عن بعد
..
بجهل شديد : هذا هراء،
تنظير،فلسفة، تريد أن تقول أن صوت تلك المرأة أملى عليك
وكتبت، لغة لا طائل من ورائها سوى هزيمتك، نعم، أنت مهزوم
حتى حبرك، حتى أعماق روحك ..
وكمن اكتشف أمرا: أنت عبد لها إذن، وما زلت، عليك أن تحييها
كي تتحرر، كي تبقى في وهج الارتفاع، كي لا تسير كما يسير
الناس، وتتحدث وتأكل وتشرب وتنام وتتنفس وتذهب إلى السوق
وإلى بيت الراحة، والحلاق والجزار و و و و و و و
ضغط زرا على مكتبه، شعرت أن امرأة دخلت المكتب، سبقتها رائحة
عطرها.
- هل هي بهذا الجمال؟
دون أن أنظر : كلا
..
مندهشا : كيف عرفت
..
متفلسفا : رأيتها في رجفة شفتيك واهتزاز صوتك ..
ساخراً: وكيف تكون هي ؟
بثقة : عليّ أن أجلس مكانك، وعليها أن تشرق
..
متوقعا شيئا غريبا: وماذا سيحدث
..
بحيرة، محاولا أن أستعيد ما كان يحدث: كان يحدث أمرا مختلفا
في كل مرة
..
بنفاذ صبر : قل لي، قل لي، ماذا كان يحدث في كل مرة ..
شعرت أنها تعود إليَّ بعد اعتيادي على موتها: كنت أحتضن
وجهها وأبدأ القراءة
..
بعصبية : ماذا كنت تقرأ يا مجنون ؟
كأنني أراها: كنت أقرأ وجه أمي في خوفها علي، وأتهجى وجه روحي وهي تغلفها، وأتابع حروف عينيها
وهي تكتبني .. وكنت اعلم أيضا أنها
الجوهر، ومنها توالدت النساء، فأشعر أني جوهر الرجال، كنت
أشم رائحتها وهي تتحرك في بيتها، وعندما تقترب من مكاني،
أتحول إلى رجل خارق، أشعر أن رجولتي ستتفجر بداخلي، وكنت
أرقُّ كطفل في حضن أمه، يغمرني طوفان حنان، فما أن أغلف
وجهها براحتي حتى تذوب، وننطلق في سماء الدفء، أنت تقتلني عن
عمد يا سيدي .
بهدوء واثق: وهل تريد أن أصدق أنها
تحولت إلى مجرد حكاية في كتاب؟ كيف
تخلَّصَتْ من الماء والنار بهذه السهولة، كيف نجَتْ من الغرق
والحريق، قل لي بربك، ماذا ستفعل
..
مدافعا : لم تنج، كيف أشرح لك
. ..
بذكاء: إذن، أنت لم تكتب كل شيء، أنت تخدعني، سأدفع لك مبلغا
خياليا من المال إن كتبت كل شيء..
بعد صمت : أريد أن أحرق الرواية أمامك .. أشعر أن ما كتبتُ
ضئيلا أمام ما كنا نكتب
..
بإصرار : هل رأيت، أنت تخفي رواية أخرى في داخلك، أنت
تخدعني، سأضاعف المبلغ، ستكون رواية العصر أيها الغبي،
أرجوك، دع حناياك تعانق السطور، ودع الأحداث تصعق العيون، دع
الناس يحيون بعد موت، النساء الرخيصات أصبحن بطلات للروايات،
اكتب، لقد أُصِبْتُ بالقرف
..
بعناد وتهديد : ستكتب رغم أنفك
…
متحايلا : هل تعلم بماذا أفكر ؟
لم أجب، كنت أخطط لخطف الرواية من بين يديه
..
استرسل : أن أخطف تلك المرأة، وأحضر الأخرى
..
بقرار قاطع: الموتى لا يُخطفون، لن تحصل على نتيجة ..
باستفزاز : هل أنت ملجم إلى حد الجبن .. هي الأجمل والأكثر
جاذبية بين كل نساء المدينة..
كشفت له : هي ليست بالجمال الذي تتخيل، لكنك لن تتصور الجمال
في خيالها، في أمواج دفئها، في المدى الذي تشكله نظرتها، في
الحياة التي تصنعها طلتها، والحنان الذي تصوغه التفاتتها،
وعطر لغتها،
ولن تصل إلى حدود إحساسي بحريتي معها. على
صدرها، هنالك، ألقي بثقل رأسي، فيبدأ يخف حتى يتحول إلى ريشة
طائر يرسم على نهديها مدى لا يحد من الاطمئنان، وتتحول يداي
إلى أنامل عازف محترف لموسيقى الجبال والأدغال
..
شعرت أن المرأة تسللت من جديد
..
أخبرته : عادت
..
لم يعلق
..
وصفتها : امرأة تلف جسدها بعباءة حريرية داكنة الزرقة، صدرها
مشرئب كتحفز فهد جائع يكاد أن يحرق الحرير، وشعرها منسدل على
ظهرها وكتفيها بنعومة النسيم، امرأة عاصفة، أعلم، تقتلع
الرجال من جذورهم..
مستغربا : كيف ولم ترها
..
متفلسفا : لأنها قاتلة، والقتلة لهم رائحة تسبقهم دائما ..
باندهاش : أنت
مجنون، هذه تهمة كبيرة
..
مؤكدا : نيَّتُها قتلها في داخلي، فكرت في قتلها، فكرت أن
ألقي بها في البحر، فكرت أن أحرقها، أن.. وفي لحظة ما، على
صخرة عالية أمام شاطئ البحر ، قالت أنها تشعر بالبرد، ففكرت
أن أحرق جسدي كي تتدفأ....
منتصرا: لقد وقعت، غير قادر على النظر إليها.. غير واثق من
عشقك، من امرأة تسكنك، مما يسكنك.
ساد صمت، التفت ، اختفت المرأة
..
بحزم وكلام يشبه القرار: عليك إعادة كتابة الرواية، إذا لم
تقم بمعجزة، إذا لم يؤد ذلك العشق الإلهي الشهي والحب
الملائكي والعشق المجنون إلى عناق أبدي، ستحبط كل
القراء..وستهزم كل المحبين، أنت تقول أنها كانت تستقبلك
كأرضك، ترفع أعلام الخضرة الموغلة في جاذبيتها، في هذه
الحالة، لن يثق أحد بأرضه، أنت تقلل من قيمة الانتماء يا
سيدي، انتظر، عليك كتابة الرواية من جديد، إن كنت لا تستطع
القيام بانقلاب، إذا كنت متأكدا أن النار قد خبت، وبما أنني
أرى ميتا أمامي، فأنا مضطر أيها المغدور أن أقول لك، أنك كنت
تعانق وهما، لتكن وهما، هذه فكرة رائعة، لتكن خيالا، صورة،
تهيؤات، حلما، لتكن أي شيء غير ملموس، لتكن أنت دجالا أيضا،
وهي جنية أصابتك بمس من الحب أو الجنون ، لتكن محضر أرواح،
وهي أميرة ميتة منذ قرون، أصابتك لعنتها، حضرت إليك ولبستك
وخلعتك فجأة وتركتك بهذا المرض، وستموت، لا بد أن تموت،
اللعنة نهايتها الموت، هذا تفسير منطقي، مثير وعقلاني في
الوقت ذاته، عليك أن تكتب الرواية من جديد، فكرة أخرى.. دعها
امرأة، أعني إنسانة مثلي ومثلك، وحتى يستوي الأمر، عليك أن
تمرر بعض أحاسيس الشك، أن تنتهي إلى الحيرة، وتختم بالخيانة،
عندئذ تقتلها، وتسلم نفسك لأقرب مصحة عقلية ، أعتقد أنه حل
يناسب الطرفين
..
قلت : أنت لم تقرأ الرواية يا سيدي، والدليل أنك لم ترتجف من
البرد، الآن، أنت تجبرني على الشك في قدرتي لتوصيل نارها، هل
طغى ثلج العائلة على دفئها وجمري، وألسنة اللهب في حروفي،
ألم تشعر بالبرد في أي مكان في الرواية، أنت تزلزل بنية لغتي
..
تأملني ، وكدت أرى صفحات الرواية
تقلب ورقة ورقة، وسطرا سطرا، لكنه خذلني ببروده حين أفصح
بهدوء: كلا ..
تقدمت من مكتبه بغضب، كدت أصفعه أو أخنقه، كظمت غيظي، حنيت
جذعي قليلا، مددت يدي إليه : أنت رجل عبقري ..
وخطفت الرواية من أمامه : هذه الأفكار تناسبك وحدك، أنت رجل
مقيت وجميل وبارد، هل يمشي في شرايينك دم الملوك؟ لقد بدأت
أحبك، لا لأنك تستحق، ولكني تحدثت معك عنها، ولأنك شعرت بي،
ولو بنسبة ضئيلة، اعذر حيلتي ، لقد قررت أمرا ربما يعجبك،
لأنك غير معجب بالنهاية
..
مبديا بعض المودة: أنت مخطئ .. ماذا قررت ؟
قلت بحسم : أنا ذاهب لحرقها
..
قال : رجاء بسيط، لخص روايتك بكلمتين
..
بعتب : تأكدت أنك مجنون الآن يا صديقي، ولم تقرأ كتابا واحدا
في حياتك، أعني رواية واحدة.
دافع عن نفسه : دائما لا تفهمني .. أقصد لخصها في كلمتين..
توقفت بعد أن هممت بالمغادرة: كأنها أنا
..
تابع: وأنت، أنا لا أعرفك من قبل
..
بحت : حارس الكلام
…
وموتي ، ذاهب إلى حفلة حرق
..
تــداخـل
تسللت امرأة فاتنة من مكتب الناشر: تفضل، هل أستطيع خدمتك يا
سيدي؟
ارتبكتُ : شكرا، جئت لمقابلة الأستاذ، واكتشفت أنني نسيت
المخطوطة في البيت.
باهتمام جلي : رغم ذلك تستطيع مقابلته، سيصل بعد ربع ساعة
تقريبا، هو في اجتماع خارج المكتب، أستطيع استقبالك رغم أنني
كنت سأقفل الدار ..
بفكر مشوَّش: منك اللطف، أعني هذا لطف منك يا سيدتي، سأعود
في وقت لاحق..
دخلت المصعد، كأنني كنت نهب عاصفة.أخرجت المشط من جيب سترتي،بدأت بتمشيط ما تبقى من غطاء رأسي..
بصوت ناعم : ألم تعلم بعد بوسامتك في كل حالاتك
..
باستغراب : تخيّلي! يريدني أن أقتلك
..
بهدوء : معذور
..
بتفصيل أكثر: بل يريدني أن أغتصبك، وأضع ذاتي في أحشائك ..
بدلع أنثوي : هل قلت له أنك في أحشائي، وإني حامل بك ومنك ..
واصلت : قلت له " أقتلكَ لو فعلتَ ذلك "، ثم دعا امرأة خارقة
الجمال للدخول
أيدتني: أعلم
..
واصلت : فتنتها طاغية، اعترفتُ بروعتها، وصفتها له فاندهش ..
نظرتُ إلى وجهي مرة أخرى في المرآة، عدّلت من سترتي، تأكدت
من وجودها على كتفي، وفي جيبها الداخلي نظارتي الطبية، وفي
الجيب الجانبي مفاتيحي. تأكدت من جزداني الصغير، أخرجته،
تأكدت من وجود بطاقاتي، رخصة قيادة السيارة، بطاقة العمل،
البطاقة الصحية، البطاقة المصرفية، بطاقة التبرع بالدم،
وبطاقة منها كتبت عليها " أن أحبك.. أن أكون في هذا الكون،
أعيش في مدار الروعة والتألق بك.. ومنك " أعدتها إلى جيوب
الجزدان، شددت حزام بنطالي، خرجت، هبطت الدرجات بسرعة، مشيت
بحيوية نحو سيارتي، اكتشفت عطشي، توجهت نحو البقالة، اشتريت
علبة سجائر وولاعة وزجاجة ماء،عدت، لاحظت غبارا كثيفا على
زجاج السيارة الأمامي، مسحته، تأكدت من وجود مفتاح السيارة
مع المفاتيح، وضعته، اصدر المحرك صوتا غريبا ثم هدأ، انطلقتُ
بهدوء ..
قالت : أشعر أنني أميرة وأنا معك
..
مؤكدا: بل أنت أميرة
..
كرَّرَتْ: أنا أميرة مختلفة، حقيقية، أمتلك شوارع المدينة،
أشجارها، أزهارها، ساحلها وبحرها، الهواء الذي يلامس موجها،
أمتلككَ أنت، من ظفرك حتى أقصى حدود أنفاسك، ومن شعرك حتى
آخر مدى لروحك
..
بعاطفة ساخنة: اشتقتُ إليكَ
..
بانفعال: قطعتُ مسافة طويلة كي أرى عينيكِ، كان وجهك أمامي،
على أوراق الأشجار، على صفحات النسيم، على أجنحة الطيور، على
وجوه المارة، كانت يدك فوق صدري تنتزع بردي، ورأسك على كتفي
كطفلة ..
بعشق : ألست طفلة ؟
بعشق : أنت طفلتي التي ألدها كل لحظة، أنتِ طفلتي وعشيقتي
وحبيبتي وأمي وصديقتي وملهمتي ووسادتي وصوتي وغنائي ودمعي
وفرحي، وكل ما ألامس وكل ما يلامسني
..
باستدراج : هل حقا أنا كل ذلك ؟
بتأمل : وددت لو أُخلق لغة ثانية، ينبت لي لسان مختلف، أن
أعجن كل ما كتب الشعراء من قصائد هيام، وأصوغ لك كلمة واحدة،
يا قاتلتي، وباعثتي، أشعر بقيود تثقل حروفي وأنت معي، أريد
أن تهزج كل المخلوقات معنا..
تأملتُ شفتيها: هاتِ يدك، ضعيها على فمي، سأقبل باطنها،
كأنني أقبل عمق روحك، ما أروعك، كأنها يد طفلة رضيعة
..
شتمت سائقا أوقف سيارته فجأة أمام سيارتي ثم انطلق كالمجنون:
لو كنت قائدا لشرطة المرور لسجنته داخل سيارته لمدة خمس
سنوات ..
أوقف سيارته فجأة مرة أخرى: فعلا يتصرف كالحيوانات ..
بلهفة : انس السيارات وابق معي
..
وضعت كفها على وجهي فهدأت أمواج البحر ورقصت الأسماك.
مرَّرَتْ أنملها على شفتي فارتعشت أعشابي، وتنفس النخل،
عانقتها كأنها ستهرب مني، ضغطت على ظهرها كأن أحدا يقتلعها
من أرضي، تأوَّهتْ، وتوحدنا مع رغوة الموج .
أوقفتُ السيارة، شعرتُ بالجوع، فكرتُ في شراء فطيرة، ألغيتُ
الفكرة، تأكدتُ من وجود المفتاح بيدي، غادرت السيارة، تأكدت
مرة أخرى، أقفلت بابها، مشيت بهدوء. لم يكن لدي رغبة للعودة
إلى المنزل، وقفت في مدخل البناية، مر جاري متجهما، يبدو
منزعجا من شتراوس ليلة أمس، ربما أشعله لهاثنا وبوحنا أكثر،
وربما من فيروز ، جارة الوادي، صباح اليوم، ومن صوتي وأنا
ألقي الشعر عند المساء، ومظفر النواب وهو يبكي في آخر الليل،
وهو ينادي أبا ذر الغفاري
..
مرت زوجة جارنا خلفه، دائما تمشي
خلفه، ابتسمتْ لي، ربما لتجهم وجه زوجها..
مر الحارس مسرعا كأنه لم يرني،
تابعته، توقف فجأة، استدار: حضر المالك، والمياه مقطوعة
..
نجّاني من الغرق
..
مرت امرأة ضاقت بجسدها، بملابسها وهي تحتك بجلدها، ألقت نظرة
جانبية على مدخل البناية، مشيتُ خلفها، شعرتْ بي، أبطأت
سيرها، أبطأتْ، أبطأتُ، ودون أن تنظر إليّ، وبغنج : لماذا
تتبعني، هل أعجبك ؟!
أوقفتُ خطواتي، وبقيتْ تسير بدلال لمسافة عشرين غنجا ،
التفتت فجأة، كأنها وجدتني، بصقتْ، وأسرعت الخطى..
عدت إلى البناية ..المدخل .. مر المالك، رجل قصير ونحيل،
تساءلت: "كيف يمتلك عمارة طويلة"، رفع يده ملقيا التحية،
اكتشفت نعومة صوته وصغر حجم كفه، لم أجبه، خفت أن يسقط أرضا
..
مرَرْتُ بي، رافقتُني إلى المصعد، دخلتُ، راقبتُ شحوب وجهي
في المرآة، حملقتُ بعيني المرهقتين: "وأنت أيضا نحيف، لكنك
أشهى رجل في الدنيا، أنت من أشعرني بأنوثتي، وبإنسانيتي،
وعاملني كالأميرات".
مناجيا: وأنت من أحسستِني بمعنى الوله، وبأهميتي، عندما أكون
معك، أنسى المطارات والحدود والحواجز ونشرات الأخبار، وأشعر
أنني أمتلك أجمل وطن، وأكبر وأروع بيت، وأعيش رغبة الموت على
صدرك، أو في تألق الصهيل
فُتح باب المصعد، دخلت امرأة جارنا، أردت الخروج: هذا ليس
طابقك ..
باستغراب : كيف وصلتُ إلى هنا..
غادرتُ المصعد، اكتشفت أنني في الطابق الرابع، لم أنتظر،
بدأت بصعود الدرجات وفي نيتي أن أصل الطابق العاشر: لهاثك
يسحرني، يحيلني مهرة أسطورية تطارد صهيلها
..
بجنون : أشعر أن روحي سهم ينطلق فوق بساط شقائق النعمان، فوق
تربة ذهبية تلد قطعان غزلان برية، فوق أشجار حناء مغلفة
باللهب ..
بتألق : اعجنّي بخمرة وجهكَ، يتصبب رذاذا ..
بلهاث : أكاد أن أموت، أريد أن تكون نهايتي وأنا أصعد لنجمة
الشوق والشهوات
..
وصلت الطابق العاشر، نبضي يتقافز، يصل حلقي، أطرافي ترتعش،
ريقي يجف، التقطت أنفاسي بصعوبة، تأكدت من مفتاح باب البيت،
اجتهدت لوضعه في القفل، نجحت في الدخول، رميت حقيبتي على
السرير، صببت قليلا من الماء في حلقي، ثم على وجهي وصدري،
دعكت أطرافي كمرتعشٍ من الصقيع، دفعتُني إلى السرير، تكورت،
تكورت، تكورت..
أمسكتُ قلبي بكفي: يكاد يطير
موتا وشوقا وغراما وأنا معكِ، يكاد يحترق من نار حشاي
..
بدأت أهدأ
..
بأمومة طاغية: يا ابني
..
تكورت أكثر، وتململ ماء عيني
..
بارتجاف: أدخلْ أكثر في جوف حضني، وادخل رحمي، واغتسل بمائك
يوم ولدت، ويوم عشقتك، ويوم تموت حيا
..
رأسي يثقل، وجسدي يهبط، ويـ خـ فُّ
..
تتمتم : حصَّنتك بالحي الذي لا يموت، بصاحب الملك والملكوت،
باعث الحركة والقنوت، براسم خطوك، وساكن قلبك، وحاضن قبرك،
ورافعك وخافضك..
أطرافي تستكين .. حضنها يتمدد، أنفاسي تـ نـ تـ ظـ
م
حصّنتك بي، من شرّي
وشرري، من شمسي وقمري، من غضب نخلي وبحري.
حصنتك بعفوي وقهري، ببوحي وجهري، من كل مالك أمري، وولي عمري.
جسدي فراشة، دخلت صدرها ووقفت على وردتها الخمرية، أشعر
بالتحليق...
حصّنتك بسرّي، من صدقي وغدري، من غيمي ومطري
..
أنا روح تغلفها الدفوف، ترقص حولها بظلال السيوف ..
حصّنتك بمداي، فاسكن حناياي، تمسك بشهيقي وارحم مأواي، وعدّ
نبضي وفك قيدي، يا واهب وجهي إشراقة النهار، وواهب عيني سحر
الليل، ابق هنا، نم فيَّ، وحولي، وتحتي وفوقي، نم أيها
الغريب في حضن المغرّب، أيها الباحث عن مساحة بحجم رأسك، كم
هو قليل، وكثير، وقليل، وكثير، وكم أنا قاسية عليك، لأنني
أتهجّاك كل لحظة، نم أيها القريب القريب القريب البعيد ، نم،
نم يا كبدي، سأحكي لك حكاية فلا تسمعها. (… وقع جوال في حب
أميرة، وهامت به، كان يعزف لها كل ليلة على نايه معزوفة
البذرة التي تخرج من الأرض عابسة متجهمة، فترى زهرة عباد
الشمس تمنح وجهها للضوء، تحاور السماء، وتستدير على وقع طبول
القمح وقت الحصاد، فتبتسم، وتكبر. كبرتْ في يوم واحد أكثر من
طول نخلة، وارتج سعفها عندما سمعت القمر في الليل يقول لزهرة
عباد الشمس" أحبك"، فترقص النجوم، وتطل الأميرة من نافذتها،
وتقول للجوّال " أحبك" فيبكي، ويعزف أنشودة شقائق النعمان
تحت حوافر خيل القيصر. وعندما سألته: لماذا تبكي أيها
الجوال؟ أجابها:" لأنك حكمت عليّ بالعذاب" ، فتسأله: وهل حبي
يعذبك؟ أجابها: " ليس حبك، ولكن أساس بيتك القوي، لا يتناسب
مع رمالي المتحركة، إن كنت تحبينني فعلا، انزلي من عليائك
إلى سطحي" فقالت : " أخاف عليك من القتل، الحراس يا سيد
حناياي، الحراس" . فقال لها: " لا بأس أن أموت وأنت قادمة
إليّ " قالت : " لا أستطيع رؤيتك وهم يعبثون بنهارك، أنت
كبير جدا يا سيد ليلي
"
سألها : هل أصعد لك؟
قالت
: لن تراني، الأبواب مقفلة
..
قال
: هل أعزف موسيقى الشتاء فينام الحراس وترقّ قلوبهم للدفء؟
قالت:
هؤلاء لا ترقّ قلوبهم أبدا
..
عزف الجوّال موسيقى الشتاء، فضحكوا كالرعد، وخرجوا إليه .. )
نم يا حبيبي
..
***
أقفلتُ الكتاب، طويت الصفحة رقم 46 إلى الداخل، بدأت أتأمل
السقف. كان شتراوس في أقصى حالات جنونه، كنت أرى الفرقة
الموسيقية، بدأ السقف يتسع والضوء يتسلل، والآلات الموسيقية
تسبح في الفضاء، وشتراوس يقف على بساط الريح، يحرك بعصاه
القصيرة الرفيعة، فتقترب النجوم من بعضها بعضا ثم تبتعد،
كأنها ترقص الفالس فوق الخليج العربي.
أقفلت المسجل، وقلت لنفسي: "كفى إزعاجا لجاري السمين، لقد
قرأتُ شعرا جميلا، وقد وصلتني اللعنات عبر الجدران، ولعنة
السمين لا تخيب"
فكرت بزوجته النحيلة، كيف يستطيع … وكيف تستطيع هي تحمله،
دمه ثقيل، وتسير خلفه دائما، ولكن لماذا تبتسم وهي خلفه!
أسرار الحياة الزوجية، ربما تذكّرها عجيزته بأمر ما.
***
حضنتني من ظهري، شعرت أني أولد من صدرها، فغمرني حليب اللوز،
وصرت ملاكا، وبدأتْ تدور حولي كأنها في حلقة زار، وأنا في
صينية كبيرة، تمرجحني الأيدي، وتتخاطفني، لم أبك، كنت أتأمل
الدائرة الذاهبة في لذة الغياب، بالشعر المنفلت المبعثر،
بالتمتمات:
لم يولد أحد من قبل ولن يولد
فتعلق
بالماء الأبيض
وتألق كاللوز الأبيض،
وتراقص بالثوب الأبيض
قد يزحف ماء الصدر إلى
العينين
قد يتلاشى المشهد في
الضدين
أو قد تمشي في جهتين
فاربط رأسك، واكشف صدرك
وازرع في رئتيك بذور الصدمة
وفي نبضيك شموع العتمة
واربط شفتيك بقفل الدمع
..
***
أنقذني صديقي المتسكع أبدا:
أيها النادل، صب لي، ثالث كأس من
فودكا القلب، عمري عشرون سنة، غيرت مفاتيح عشرين بيتا، سقطت
على صدر امرأة في المطار، عبرت عشرين دولة، وأوقفت عند عشرين
حاجزا.. أيها النادل، خذ من جيبي ما تشاء، وامنحني انشغالك
بالعبث، أنا رجل قادم من حزن الحبق، كيف تستطيع توزيع
ابتساماتك للسكارى، ألديك عشيقة تأوي إليها بعد هذا الدوار..
أيها النادل، بي رغبة، أن لا أبيت ليلة في المطار ..
حركة تحت جلدة رأسي: لا أحب هذا المكان، أنت تخنقني، ولكنه
جميل، فيه نساء كثيرات، استمتع بمرافقة هذا الشاعر الضائع
..
بوعي تام قال صديقي : انظر، هذه امرأة جديدة، كأنها جاءت
لتحتل عيون الساهرين، إنها قاتلة بسهوها يا صديقي، تعال نرقص
..
بحسم : راقصها أنت، ليس لدي أدنى رغبة في الحركة، أشعر
أطرافي ثقيلة، ورأسي أثقل، بل أشعر بالنعاس
..
ساخرا : أنت لم ترشف من كأسك بعد، ألست القائل:
تلك امرأة تسكرني برمشتين/
والتفاتتين،
وخطوتين
/ تلك امرأة تقتلني حتى الرقص على سيفين/
إذ يتدفق ماء الشعر على حرفين/ حرف
من وصف الآتي المشرق/ حرف من وصف الآخرة العمياء على النورين
..
مسترسلا: أيها الشاعر الحبيب، أنت مثقل بداء الفتنة، رحـمك
الله .. وأنشد
:
صب لي كأسا يقيني من دموعي/
ويسد كل منافذي،
وما ستخلقه ضلوعي.
وضحك بهستيريا : ضلع أعوج يا صديقي، كيف لو لم يكن أعوجا..
***
عليّ أن أنام، الساعة الآن بعد منتصف الليل، لم يأت صوتها
هذا المساء، منذ الفودكا الأول حتى الآن، هل ماتت ! سأنام
إذن …
ســِرُّها
سألتها ببراءة: متى يصل الأستاذ
؟
بخبث : وهل نحن في مدرسة، عصر الأساتذة انتهى يا صديقي، دعني
أكمل لك، حين تعشق المرأة، وأنا واحدة منهن..
قاطعتها : بكل تأكيد
..
مبتسمة : هل تشك في ذلك ؟
بارتباك : ليس من طبعي..
بذكاء : وفرتَ عليَّ الكثير، المرأة تعرف ما هي، ربما أكثر
من الرجل، ولكنها تلح على معرفة ذاتها من لسان الرجل، ولسان
الرجل الذي لا يعرّف المرأة بذاتها يجب أن يقطع، لا تقاطعني
أرجوك، أنا حادة أحيانا، أحيانا فقط، أعني، أن يضيف إليها ما
ليس بها، هل تفهمني، هي تعلم أن نصف كلامه غير حقيقي، كما
أنها تعلم أن جمالها بعد وضع المساحيق ليس لها، ولكنها،
عندما تنتهي من حفلة التجميل أو التنكر، كما يحلو للرجال
القول، تلبس ثيابها، وتنظر مرة أخرى في المرآة، فإنها ترتفع
إلى جمالها في كل حركة، وتود أن يراها الآخرون كما عكستها
المرآة، لاحظ يا صديقي
..
ممازحا : هل صرنا أصدقاء ؟
بخفة دم : أنت مشاغب فعلا، هل لاحظت ما تفعله المرأة، إنها
تضع المساحيق على وجهها قبل أن ترتدي ثيابها، هل تعرف لماذا
؟
مجيبا بسرعة : نعم ؟
عاجلتني : كلا، كي تنظر إلى المرآة مرة ثانية، وترى وجهها
كاملا، فتتعرف عليه وتتآلف معه بسرعة فائقة، لأنها وقت
التجميل، ترى وجهها يتغير ببطء شديد، فلا تستطيع الإحساس به،
ولكنها تراه دفعة واحدة مرة ثانية، فتدهش، والرجل الذي لا
يستطيع تلبس دهشتها، لا يتعايش مع صنعتها، هل عرفت
..
بملل
: أعرف كل ذلك
..
بوقاحة:
أنت كاذب، لو تعرف لمارست هذا معي، ألا يعجبك وجهي، كل من
يرى عيني يهبط عليه الإلهام، وأنت كقطعة ثلج أيها الشاعر، لا
أدري كيف تكتب ..
بحدة : لسانك حاد يا سيدتي
..
بهدوء : أحيانا فقط
..
متهجما : هل تحاولين ضبطه أحيانا فقط
..
محاولة استدراجه : عندما أشعر بعيني الرجل تلتصقان بي، كي
يغوص في سري
..
مضطرا : أنا أكتب عن امرأة لا تشرح لي سرها، إنها بالنسبة
لي، أكبر سر في هذا الوجود، ولا أريد اكتشافه أو التعرف
عليه، هي المعرفة الوحيدة التي تضر بي، أكتب عن امرأة شلال،
تتجدد كلما سقطت حبة مطر على أي أرض في هذا الكون، لا أعني
شكلها، ولكن روحها، إذن، عليّ أن أعيد تشكيلك الآن من جديد،
فلا تعودي تشبهين ذاتك، ولا تتوقعين كلاما متوقعا، لتنهضي
إذن، كي أكتب فيك كلاما لا يعجبك، كي أضع إعجابي في
اللاكلام، في إحساس غامض، في فضول يعذبني، في انتظار قاتل،
انهضي، حتى يحدث هذا، أريدك أن تخرجي الآن من هذا المكتب،
واصلي الخروج، غادري من الباب الخارجي، اقفلي الباب.
خرجتْ كالمأخوذة، نهضتُ، أقفلتُ الباب بالمفتاح، شتمتني فورا
وصرخت كثيرا، فتحتُ الباب بسرعة، دخلتْ: أنت غبية يا صديقتي
..
بعصبية : وأنت وقح، لا تجيد معاملة النساء
..
بهدوء: لو كنت امرأة حقيقية، كالتي يُكتب عنها، لكنتِ
التزمتِ الصمت، بل لو كنت ذكية لابتعدتِ عن الباب، وتصرفي
الطبيعي سيكون كالتالي : أن يزيد فضولي، بعد أن أكون قد شعرت
بالذنب، فأفتحُ الباب بعد دقائق، وتدخلين، وتعانقينني..
بحيرة: لماذا
..
باختصار : فشلتِ في أن تكوني سرا
..
بخجل : ولماذا أحضنك
..
بجرأة : لأنني كنت سأفتح لك ذراعي
..
بتحدٍ، عانقتْ شابا خرج من مكان ما، عانقته طويلا، وكانت
تنظر نحوي محاولة غيظي: هكذا؟؟
***
في الصباح، اكتشفت أني لم أنم، كنت ما زلت أرتدي ملابسي،
أجلس على أريكة كبيرة، رأسي إلى الخلف، وبيدي دفتر ثخين
وقلم، والمطفأة حبلى بأعقاب السجائر، وريقي ناشف، لكن لا
أشعر بمرارة التبغ، تثاءبت كأني نمت أربع ساعات متواصلة،
تمطيت بكسل، وضعت الدفتر والقلم جانبا، لفت انتباهي أمر
مربك، الصفحة بيضاء، عدت إلى الصفحــة السابقــة، قرأت،
اكتشفت أني لم أكتب شيئا جديدا، فرِحتُ، ما زالت تعيش فيَّ
..
***
بنعاس شديد : هل نمتَ جيدا ؟
بتردد : أعتقد ذلك، ربما، لا أدري
..
أعلمَتْني: كنتَ تكتب على صفحة الهواء
..
متسائلا : حقا
.. !
بعتاب : لماذا خنتني ليلة أمس
..
جازما : أنتِ متأكدة من استحالة ذلك
..
مؤكدة : لماذا عانقتها طويلا، كنتَ تحاول شدها إليك حتى أنها
تأوهت، وقالت لك: لقد عصرتني..
ناكراً : شخص آخر فعل ذلك بالتأكيد
..
كانت أمامي مرآة بحجم الجدار، تسمرت أمامها، اقتربتُ مني،
رأيت أحمر الشفاه على ياقة قميصي الأبيض، خلعته، غسلته كي لا
أراني، ثم جففته بمجفف الشعر، ثم كويته ، تأكدت من كل ذلك،
وارتديته، تذكرت أن عليّ الذهاب إلى العمل، فخلعت ملابسي
جميعها …
***
…
ولا نستطيع في هذه الحالة، أن نحقق تنمية
شاملة بدون تعليم المرأة، وتجهيل الرجل، واحد فقط عليه أن
يتعلم، الرجل فقط لزيادة عدد السكان، وحمل الأطفال، والذهاب
إلى السوق، وقيادة السيارة، بل أقترح أن يجلس في المقعد
الخلفي مع الأطفال، التنمية يا سادتي، تشبه إلى حد بعيد نمو
الشجرة، وحتى تنمو الشجرة، فإنها تحتاج إلى سماد، ومن غير
المعقول أن تكون المرأة هي السماد، الرجل يتحمل الروائح وكل
القذارات، حتى قذارات النساء، والمرأة هي الشجرة، ترفل
بالأوراق الخضراء، والثمار الشهية، عندئذ يقطفها الرجل
ليضعها لها في آنية من الفضة، وتأكلها، وتعطي البذرة للرجل،
أليس هو الذي يزرع البذرة في رحمها …
كظم المدير غيظه وضحكه : هل نمتَ ليلة أمس
..
بعدم تركيز : ولا أمس الأول
..
بهدوء : ألهذا حضرت بالبجاما، وحكمت على الرجال أن يكونوا
سمادا !!
باندهاش : من قال ذلك، أنا أقول، أن يعتني الرجال بالأغصان،
أن يحرسوا الثمار، كي تجد المرأة دائما ما تغوي به الرجل، من
تستند عليه، حتى لا تسند رأسها على أطراف الآخرين، أنا
شخصيا، تعبت من العمل، وأريد من المرأة أن تتولى المسؤولية،
مم تشكو أوراق الملوخية؟!
باندهاش : الملوخية
..
باسترسال غير منضبط : الملوخية يا سيدي أساس أي تنمية، ولكن
علينا فتح مدارس مهنية لتدريب الرجال على قطف أوراقها، وبذلك
يكتسبون مهارة جديدة، ومع الاحتكاك الدائم بالملوخية وكافة
النباتات ذات الأوراق الخضراء، يتعودون على أكلها خضراء،
وبدون غسل أيضا
..
بفضول قاتل: خضراء، وبدون غسل أيضا ؟!
بكل ثقة : نعم يا سيدي، خضراء، حتى تكتسب جلودهم اللون
الأخضر ..
بدأ يفقد عصبيته: لماذا
..
بتفلسف : يردننا
تماسيح يا سيدي، تماسيح
..
***
الوسادة مليئة بالدموع، والساعة ظهرا، وجسدي مبلل، وغطاء
السرير غير مبتل، والساعة المنبه لا ترن، وملابسي الداخلية
تحت رأسي، وحذائي على رف الكتب
..
سؤال غير بريء: ماذا فعلت بنفسك ؟
متظاهرا بالجدية: أبحث عن نظرية جديدة، تقيني من الهوس
بالنساء، أن أتحول إلى خروف مثلا
.. كرر السؤال بخوف : ماذا
تفعل بنفسك، أنت لست أنت، أين الأفكار الجديدة العميقة
البراقة، أين تحليلك ولغتك، ماذا فعلت بنفسك .. ؟
بحزن قاتل: لا أحد يفعل بنفسه، ربما .. ولكن ، لست أنا ..
أقتربتْ بتودد : هل أحضّر لك وجبة الإفطار..
برغبة شديدة : أنا فعلا جائع، ولكن أتمنى أن يدخل الطعام إلى
قلبي، وليس معدتي..
بحنان : إهدأ ..
ببرود : اهدأ، لماذا .. ؟
ببرود أيضا : كي أحشوه بالفضلات، فلا يرسل إلى العقل سوى
رائحة السماد، فيبطل الخيال، وينتج صورا قبيحة
..
***
خرجت من غرفة النوم إلى غرفة الجلوس، بعد أن جلست في المطبخ
ساعة، خرجت منه دون أن أتناول إفطاري، أو أدخن سيجارتي،
واكتشفت أنني كنت أحدق بها وهي على الشرفة تنشر الغسيل، على
جسدها ثوب فضفاض قصير، كانت كلما رفعت يديها لتعلق جرابا
صغيرا، تظهر خلفيتها شديدة البياض، وكلما انحنت لأخذ تنورة
يندلق صدرها، حتى لكأنها تريد أن تصبه في الوعاء البلاستيكي
..
***
(…
أكرهكِ، أكرهكِ من كل قلبي، لماذا
توهمينَني كل هذه المدة بأنني ملك الكون بلا منازع، وإنني
حين تدوس قدماي الترابَ ينبت النرجس، وحين أتنفسُ تتعطر
الصحارى، وحين تلجئين إلي كأنكِ تلجئين إلى رحم أمكْ، اللعنة
على أمِّك يا حبيبتي، تلك التي تنسخين شخصيتها، كنت أسمعك
تشتمينها، تلك التي قتلتْ صباك، وحبستْ سنوات عمرك، اللعنة
عليها حين تأخذك بعيدا، واللعنة عليك حين تأخذينها من رأسها
ولسانها، أكرهك أيتها الجاهلة، وأود قتلك، أنا لا أصدق أنك
هي، وإنها أنت، هل أنا مغفل إلى هذا
الحد أيتها الكاذبة، سأعلّقك الآن من شعرك حتى تبوحي ، حتى
يعود عقلي لي، ولتأخذك الشياطين كلها، حتى أتوازن، حتى
أستطيع رؤية أمي، وأستطيع مناداتها، يا أمي، لقد قتلتِها
وقتلتِهن، يجب أن تُقتلي يا حبيبتي، ولكن كيف، كيف، انقذوني
أيها الرسل على مر العصور، واحملوني أيها الشعراء على
أكتافكم ميتا وقولوا، مات المهووس بموتها
..
… استدار نحوها وهي ترتعد من الخوف: أنا لست غبيا، يا ابنة
الجهلة، ولكنك حرباء، وكنت أسقطُ الحرباء وأنا صغير بعصا
رفيعة تصدر صوتا لو حركتها في الفضاء، ما زلت أحتفظ بواحدة،
عليّ أن أسقط رأسك يا قاتلتي، ولكن عليك أن تكوني خضراء، ثم
بعد ضربك تصبحين ترابية كلون جذع الجميز، وبعدها حنطية، لون
جسدك، ضعي كل ذلك على جسدك حتى آتيك، أو اقتلي دهشتي، وأعيدي
الفاكهة إلى رأسي .. سأعود..
عاد ليسَمعَها تقول له : أحبك أيها المجنون
..
اختلـت حواسـه وفقد القدرة على النطق، وجحظت عيناه، وسقط
مغشيا عليه..
أقفلتُ جهاز التلفاز قبل أن تعانقه على أنقاضه، فقد لمعت في
عينيها صورة رجل لم يمت بعد..
)
***
خرجتُ، مشيت طيلة فترة بعد
العصر، وصلت مساء، قابلتها، ودخلنا غابة من شقائق النعمان
والزنبق، وبدأنا نقطر رذاذا …
( …
هل تذكرين، كيف كنت أحسب خطواتك، أحس بها
قبل أن تصلي، هل تذكرين وأنا أتعلق بصدرك كاليتيم، وأشرب
حليبك كرضيعك، وأمسد شعرك كطفلة، وأشدك إلي كأنني أمزجك
بخلاياي، وانحتك على جلدي، هل تذكرين، عندما تضمخنا ببحيرة
عرق، ثم دخلنا في حفلة لهب، هل تذكرين كيف كنا نتحدث حتى
الصباح وكأننا لصق بعضنا رغم المسافة، نسكن بعضنا بعضا،
نتمدد في شراييننا، نهمس لرئاتنا أن زيدي من انتفاخك حد
السماء، وأنت أيها النبض القادم من قلبي طفلين تحولا إلى
جدول صغير ناعم، يا كل النعومة في الأرض توالدي كي نكتفي،
ويا أيتها الغابات الفردوسية تكاتفي وتكثفي وترفقي وتألقي،
واحضني أشهى نسل البشرية وأكثرها دفئا.. يا…
)
مزقتُ الورقة بغضب، ثم احتضنتها، لم أرمها في سلة المهملات،
فقد نهضتُ، ووهبت جسدي للأرض، ووزعتْ المزق بالتساوي على ما
يشبهها فيّ، حتى إذا أطبقت السماء على الأرض، تعالى صراخ،
يشبه من يُحرقون أو يُذبحون أو تُسلخ جلودهم، أو تُقلع
شعورهم … ثم أغرب ما سمعت من حوارات
..
….. إلى أي مدى كنت ستذهب في
تلاشيك بها؟
بخضوع: إلى تلاشي التلاشي، وذوبان الذوبان
..
…. …. لو كنت تلاشيت بأمر أكبر،
أما كان أجدى لك ..
بحنين : كنت أسعى لذاك، فقالت " لست أنا"
…. : أيها الفقير إلى الحكمة
..
بدموع : كنت فقيرا لأمي التي ما احتضنتني صغيرا ..
…. : وهل كبرت ..
بأسف مميت: صدّتني أرضها، وأقفلت رحمها في وجه بذوري ..
… : ماذا كنت ستفعل لو
فتَحتْه ..
بندم : كنت سأصلكَ كما لم يصلك أحد من قبل
..
…. : كيف كنت تراني ؟
بإشراق : في عينيها، سبحان مازج لونيهما، وزارع فيهما
الخشوع …
….. : هل أنت غاضب ..
صمت ، صمت ، صمت
…. : يجهل الناس بسطي في كل
شيء ..
صمت ، صمت ، صمت
..
ببكاء : كنت سأصلك كما لم يصلك أحد من قبل
..
…. : لقد وصلتَ، مرَّ بجانب
اللهيب كي تصفّي أنفاسك، وتنظف جلدك، وتمسح ذاكرة عينيك، أنت
الآن في حضرة التألق الأعظم، لقد وصلت..
شعور بالاختناق: كنت سأصلك كما لم
…
***
بحنان عشر أمهات: أين كنت ستصل أيها المعذب..
شدتني إلى صدرها وألقمتني ثديها الأيسر : خذ يا حبيبي، رأسك
ثقيل، فاسترح، راحة تاج جسدك هنا، افرد تعبك عليّ ولا تتحرك،
هكذا تجعلني ألتقط السراب بيدي كما لم ألتقطه من قبل، ألتقطه
طريا كما فاكهة الصيف.
شعرت أنني بالقماط، ولفافة مشدودة حولي تكبلني، حاولت أن
أتحرك ففشلت، فتحت عيني، كانت جارتنا، زوجة جارنا السمين،
تخفي نصفي الأعلى في نصفها الأعلى، ودموعها تهطل على وجهي
…
***
… كيف دخلتِ غرفتي المقفلة، وكيف
تسللتِ إلى رأسي، وكيف تجسدتِ بكل هذه الفتنة !!
باشتهاء: أندهش من أسئلتك أحيانا، أما عرفتَني من صدري،
ورائحتي التي تجنّنُك
..
بألم: عرفتكِ، لكنك تزرعين فيّ هوسا أحبه ويعذبني، أشتاقه
ويبعدني، لماذا؟
بإصرار : لأنكَ طفلي وحدي، أقدس خوفَك عليّ، أؤجج خوفي
عليك،وسكناي بك، كي أبقيك لي وحدي، سأكون قاتلتك لو أسكنت
غيري دمك
..
تبتسم : أنت أجمل ما قلتُ من كلام بيني وبيني ..
توقفت عن الكتابة، رتبت جسدي بهدوء على السرير، نمت سريعا،
كانت أصابعها الرفيعة تمشط شعري الطويل، قبلت باطن كفها:
أميرتي ..
بعتاب : لا تنادني هكذا، أكره هذه اللفظة، تقيد روحي بسلاسل
العذاب المقيت، وتسحب مني عصافيري الصباحية..
لقد خرجت إليك من قيدي، ملقية
كل طقوس عائلتي وراء الستارة السوداء، وجئت أنعم بالبياض ..
بأمنية : أريدكِ لي
..
ساخرة : وأنا أيضا، لكنك مجنون
..
بإصرار: وجدتكِ مكتوبة على أوراق شجرتي، بأنك لي، أمي أسرّت
لي، قالت " سترزق بامرأة تلدك من عينيها، ولا تعدك ثانية،
وإن هجرتك ستهجر عقلك، لكنك لن تمس بالجن، وإنما بالحب، وهذا
يكفي لقتلك، أو لتفجير روحك بجسدك، ستسيل عندها بداخلك،
وستسكنك أكثر، لأنها تكون قد توالد عدد كريات دمك الحمراء،
لن تؤذيك ولكنها لن تشفيك، لا أستطيع أن أنصحك بتجنبها، لأنك
ستفشل، ولن أستطيع رؤيتها، لأنها في عمق تكوينك. لقد تجسد لي
يا بني ذات يوم رجل بكثافة الضوء، كنت أستحم إلى جانب مصب
شلال يهبط من فوق سقف كهف في بستاننا القديم، تقدم مني ولم
يمسسني، لكنه كان يتقدم مسلطا نظراته في وجهي ، شعرته يدخلني
من عيني، وبعد سنة ولدت فتاة، لم ترضع من ثديي، لكنها وقفت
أمامي وبدأت بالتلاشي .. لم تكن ابنتي، لأنني لم أشعر
بحملها، بطني لم يتكور، ولم يأتني الطلق، ولا آلام الولادة،
ولم أرضعها، ولم تقل لي " أمي"،
بهمٍ
شديد : نم يا حبيبي، ستقتلع الغصة رئتيّ ..
بشفافية طفل: قالت أمي، ( ستحارب هذه المرأة من أجلك، ستحرق
نفسها كي تذيب ثلج العائلة، ستصرخ كي تهتز الأصنام المصنوعة
من التمر والمنتصبة خلف الستائر السوداء، ولكنك يا ولدي،
تموت ألف مرة قبل أن تجتمعا، هي امرأة المستحيل، ولكنها ليست
مستحيلة، ستجوبان أرض الله الواسعة، وستحميها بصدرك من رصاص
الصحراء المهجورة، وإن بدت لك مأهولة، ستصيبك رصاصة، وستنزف
كثيرا، رأيت ذلك في الحلم، سيختلط دمكما، وسيتحدث عنكما
الناس لأجيال..
سقط ماء عينيها على خدودي، فاستفقت
..
مسحتُ دموعي الساخنة، ودفنتُ رأسي تحت الوسادة، بعد أن تكورت
كالجنين: ادخليني في رحمك كي لا أعود
..
***
( عليك أن تصل رحمي، أن تغسله من تاريخه، أن تزرع بذورا
تأتي بها الريح من الشمال، لها حنان ناي الراعي، وهمس السفوح
للسماء، عليك أن تخلق فيّ ما ليس بي، كي أكون غير ما أنا، اقتحم خلاياي
بجيناتك كي أتشكل امرأة أخرى،امرأة كأمك، تلدك صغيرا، وتكبر
وتكون غير ما تَشَكَّل حلمي، وغير ما تأسست رؤيتي، لأكون غير
رائحتي، أرى اللعنة تلاحقني من جذوري، أنا شجرة غريبة عن
جذورها، فاسكب ماءك فيَّ كي تروضَ جذعي، ويطرح أغصانا بلونك
وملامحكَ، وفاكهة كطيب أنفاسك.. صلني برحمكَ كي أولد منك،
واشهقني كي تزفرني هواء مختلفا، وهوى كندى نبضك، أراك أنا،
كأنك أنا، إني أنت، كأن حواء عادت إلى ظهر آدم، كأن الشجرة
استعادت تفاحتها، فلا تبحث عني إلا في حناياك،لأنني لست من
آدم ولا حواء، ولكن ستجدني كلما تأوهتَ وتنفستَ ونمتَ
وحلمتَ وأكلتَ وشربتَ وكتبتَ ومشيتَ
وارتديتَ وخلعتَ وتزوجتَ وأنجبتَ ومتَّ وحييتْ، ستجدني،
ستجدني، خذني كما تأخذك، خذني، خذني، خذ
…
)
(…
أريد أن أنام، فتمددي كي أتمدد، ورتبي
أنفاسك كي يتلاشى توتري، واسترخ كي تعزفني أوتارك، أريد أن
أهدهدني، وأحكي لي قصة جميلة هادئة كي أنام، اهدئي، ضعي رأسك
على صدري كي أعد شعرك، كي أنام في غابتي، أريد أن
… )
كانت تنظر إلي وهي في إطارها، فمها يبتسم بسرية تامة، وشعرها
يطير ساكنا، مددت يدي، التقطت كفها، حضنته، شددته إلى صدري
..
في الصباح، وجدت الدماء تغطي ثديي، وهي تنام إلى جانبي
باستكانة طفل رضيع
..
رأيتـه كمـا ليـس هـو
…
اكتشفته في أمسية شعرية لصعلوك من القرى الساحلية البعيدة،
عرفته من لون عينيه، بؤبؤ أسود محاط بهالة من الأزرق الداكن،
منح نظرته ملوكية خاصة، وعرفته من قلقه وقلة طمأنينته، كان
يخشى اكتشاف أمره، رغم أنني الوحيد الذي أراه، أو هكذا
اعتقدت، فقد عرفته من جلسته، كأن الشاعر سيلقي شعره له فقط،
وعرفته من غربته ورائحته الدافئة، لم يشعر أن أحدا يشاركه
المكان، لكنه كان حبيس الريبة ..
جلست بقربه، وضعت ساقا على ساق، لم يكن حذائي نظيفا، ازداد
غلافه سخونة، التفتَ إلي بغضب، وكاد أن يأمر أحد الحراس
المتخفين أن يعلموني الأدب، لكنه تذكر، فشد لثامه على وجهه
.. فاندهشت، هل يمكن أن يراه أحد غيري .. !
دون أن أنظر في وجهه: كيف حال قلبك؟
لم يجب .. أظن أنه تململ في داخله.
أومأت برأسي إلى المنصة: أعتقد أن رابطا ما يربطك بهذا
الشاعر، كلاكما من مسافة بعيدة، وصوتاكما متشابهان
..
حرص أن يبقى صامتا..
|