|
القدس لنا.. ولكن |
|
بغض النظر عن مواقف الملايين من الفلسطينيين والعرب والمسلمين من السلطة الفلسطينية المحلية، ما زال يصر البعض على فصل السياسة عن الثقافة، والنظر إلى الواقع على أنه قائم ومفروض، ثم يطلق لأحلامه المثالية العنان، سرعان ما تصطدم بحائط مسدود.
يبدو أن فكرة القدس عاصمة ثقافية عربية لعام 2009، بدأت تلقى الترحيب والقبول من قبل الكثيرين، نظراً لأهمية مدينة المقدسات في ثقافتنا وجداننا الديني والعروبي، إلا أن الفكرة بالأصل والاسم واللقب للمدينة الأسيرة "القدس" ووضعها القائم الآن يجعل من الفكرة بعيدة عن الموضوعية، والمطالبين بإصرار للمضي في تنفيذها تحميل المدينة وواقع الأمر ما لا تحتمله، وبالتالي صعوبة تطبيقه وممارسته، لعدة أسباب موضوعية، أهمها:
وبناء على ما تقدم، تبقى الأسئلة المنطقية قابلة للطرح:
كيف ستقام المهرجانات الثقافية في المدينة؟
هل من إمكانية منظورة لاستضافة دور نشر عربية، وهل من تصوّر لنوعية الإصدارات التي ستقدمها؟.
هل سُيسمح أصلاً لكل الجهات الثقافية العربية لزيارة مدينة ممنوعة عن أهلها؟.
من هي الجهة الرسمية التي ستمنح تصاريح الزيارة؟، وهذه الجهة هي السفارات "الإسرائيلية" في العواصم العربية التي أقامت علاقات تطبيعية مع الكيان.
هل ستقبل السلطات "الإسرائيلية" إقامة حفلات فنية ُتقدم أغاني كزهرة المدائن، وإلى بيسان خذوني معكم؟!. ومن بعض المستحيلات اشتراك سيدة الطرب العربي فيروز في نشاط ما في أرض محتلة، يقتل مغتصبها البشر ويدمر الشجر والحجر، وكل فلسطين المحتلة لا تملك السلطة المحلية السيادة المطلقة على حي واحد في مدنها وقراها.
هل ستقبل تلك السلطات المحتلة، استضافة الكثير من الفنانات والفنانين الذين ساندوا المقاومة العربية على جميع جبهاتها؟.
كيف لشحرورة الناصرة ريم بنّا أن يصدح صوتها بتهليلة فلسطينية و"يا ليل ما أطولك"، وتهدي أغنياتها لأرواح أطفال شهداء غزة وللمعتقلين في سجون الاحتلال!؟.
المشروع سُيولد مشوِّهاً لثقافة أصيلة لحظة تنفيذه، أو سيُلاحق القائمون عليه، ولا أدل على ذلك إلا ما حدث من فترة وجيزة لمسرح الحكواتي في القدس.
كثيرة هي الأسئلة، والجواب واحد، إن من سُيسمح له بالمشاركة هو فقط من يقبل بالتطبيع ويعترف بما يسمونه (دولة إسرائيل) في قلب الوطن العربي، عندها لا يسعنا إلا أن نقول إن القدس ستُغتصب مرة أخرى، الأولى عند احتلالها، والثانية في ظل ما سُيقدَم لترسيخه.
إن الحل المتاح واقعياً يكمن في أن تتبنى العواصم العربية بالتناوب شعلة "القدس عاصمة الثقافة العربية لعام 2009" على مدار عام كامل، تستطيع المشاركات العربية تمثيل الثقافة والفن الأصيل فيها، وتجسد أهمية المدينة المقدسة للعرب.
أهلنا في فلسطين الـ48 يستطيعون زيارة معظم الدول العربية، حتى تلك التي لا تقيم علاقات تطبيعية رسمية مع "اسرائيل"، لكنهم بالوقت نفسه بإمكانهم المشاركة المطلوبة من إقامة معارض ونشاطات أدبية وحفلات على شبكة المعلوماتية. فقد اخترقت ريم بنّا بصوتها الحدود المصطنعة عبر الأثير الافتراضي، متضامنة مع كل أم شهيد فقدت أغلى ما تملك، معانقة وحدة الدم في بيروت ودمشق.
أما أن نغرق بالوهم ونتجاهل الواقع المؤلم لمدينة القدس الأسيرة، ثم نتباكى على عدم إمكانية تنفيذ المشروع ونجاحه، فهذا من قصر النظر وعدم الفهم الواقعي.
في حال المدينة الأسيرة، وقبل التفكير باحتفالات مفترضة، يجب أن يتم تحرير المدينة من براثن الاحتلال، وذلك بمساندة صمود أهلها المرابطين معنوياً ومادياً، وهذا أهم بكثير من التغني والرثاء على حال مؤلم لعروس عروبتنا!.
قد يقول قائل، إن المشروع يمثل الإصرار والتحدي، وتكريس الوجود العربي الإسلامي في المدينة، وهذا رائع، ولكن كيف سيتمكن من يطلق هذا الشعار من تحقيق وممارسة ذلك عملياً على الأرض في ظل ما سبق ذكره!؟.
وكما قال الشاعر تميم البرغوثي:
في القدسِ مَن في القدسِ إلا أنْتْ!.
وإن كان لا يرى فيها إلا أنتْ، لكنها مشاعر جياشة صادقة وهوية انتماء وفعل مقاوم لا واقع قائم.
لا تبكِ عينُكَ أيها المنسيُّ من متنِ الكتابْ
لا تبكِ عينُكَ أيها العَرَبِيُّ واعلمْ أنَّهُ
في القدسِ من في القدسِ لكنْ
لا أَرَى في القدسِ إلا أَنْت
|
| 3/4/2008 |
|
|
|