رؤيا الأيام السبعة

اليوم الأول

عدت إلى المنزل لأجد حاله من الذعر تسوده000 تساءلت بنظري لترد على شقيقتي :

" جدك "0000000

خفق قلبي بشده 000 دخلت بسرعة إلى غرفته لأجدها خاوية0

عاجلتني شقيقتي مشفقة:

" لقد خرج رغم أوامر الطبيب!

خرجت مسرعا 00 ساقتني قدماي إلى قهوة المعلم " صالح " فعلمت أنه لم يستقر بها طويلا ، وتركها في اتجاه " البقال 00 وهناك كان جدي يجلس على كرسي أمام المحل ، هادئا مهيبا حليقا ، يلمع شاربه الأبيض في ضوء النهار 00 كان أنيقا كما لم يكن منذ عدة سنوات ، في جلبابه " السكروته " و البالطو " الشاركسين " الأبيض 0 آخر قطعه من قماش الشاركسين الأثير لديه 00 الجيب به المنديل ، والعروه تنزل منها الساعة الذهبية ، ومن حوله كانت الأرض الترابية نديه ، رشت عليها المياه أعلانا للحفاوة البالغة 0

كان سعيدا وازدادت سعادته عندما لاحظ لهفتى 0

قال وابتسامته تتسع :

" سوف تعيشون حياتكم عبيدا للأطباء "

أشار إلى بالجلوس ، فجلست بعد أن حييت عم " حلمى " الذى كان منشغلا بعميل"

قال عم حلمى كالمعتذر :

" ضاعت حياتى في صرف الشاى والسكر والزيت " في أثرى جاء عمى 00 سلم بارتباك 00 وظل واقفا 0 قال مخاطبا جدي :

" حان وقت الغذاء ، فرأيت أن أحضر لاصطحبك " 0 ضحك جدي وقد ظهرت في وجهه امارات العناد:

" وما شأنى بطعامكم 00 هل حصلت لى على تصريح من الطبيب لأشارككم طعامكم اللذيذ "

" ولكن يا أبى 000"

" تفضل أنت الآن 00وسوف أحضر مع هذا الفتى العاقل " أبتلع عمى الملاحظة ، ووقف في تسليم ليعد نفسه للانسحاب 0 قال عمى قبل أن يغادر المكان :

" لعلك – يا أبى ، لاتطيل البقاء حتى الليل ، فالجو بدأ يميل إلى البرد"

****

قال جدي لعم " حلمى " بعد أن أنضم الينا :

" شئ مؤسف أن تتعرض قهوة المعلم " عبد الغنى " لهذا الحادث "

كاد المعلم أن يلقى حتفه لولا ستر الله " ثم أسترسل قائلا :

" تصور يا حاج 00 عربة " تريلا " تداهم القهوه فتحيلها اثر بعد عين " قال جدي :

" لقد استبدت بى اللهفة لأرى محل بالقهوه"

كانت آثار الدمار بادية على القهوة 00 الجدران متصدعة ، وبعض المناضد مفككه الأوصال 00ولكن الأهم من ذلك كله الشجرة العتيدة 0

وقف جدي ومن أنضم إليه من المعارف ، أناس من عده أجيال، ووقفوا منه ينظرون بأسى وحسرة إلى الشجرة ..

قال جدي :

" تحت هذه الشجرة غنى سيد درويش 00 وجلس أمير الشعراء أحمد شوقى في أثناء جولته لتأييد صديقه الدكتور محجوب ثابت في الانتخابات 0

قال عم " بيومى "

" وكان يجلس هنا أيضا نسيم أبو خضر يوم أن انتصر على حسن القط "

انفجر البعض ضاحكا 0

قال شاب من جيلى ساخرا :

" لم أسمع بهؤلاء القادة العسكريين " وعلق آخر :

" لعلك لا تقرأ التاريخ " قال جدي مطيبا

خاطر عم بيومى :

" لاتلق بالا يا بيومى 00 إنهم لايعرفون من هو نسيم أبو خضر0 ثم التفت إلينا :

" كان نسيم أبو خضر أديبا زجالا ، من ظرفاء عصره ، أشتهر بحضور البديهة وطلاقة اللسان في النكت والقفشات 00 وكان من أبرز فرسان فن القافية 00 وكان فن القافية في زمنه موضع اهتمام العامة ، يتابعون معاركه بين أساطينه 00وكان نسيم أبو خضر قد طبقت شهرته الآفاق ، فكان يعقد الجلسات في هذه القهوة ، وتراجع منافسوه ، الواحد تلو الآخر ، فلم يبق له ليتربع فوق عرش هذا الفن إلا أن ينتصر على حسن القط فارس القافية في بحرى وكان الآخر يعمل حسابا لليوم الذى يلاقى فيه نسيم أبو خضر 0

حتى كان ذلك اليوم 0 فازدانت قهوة المعلم عبد الغنى بالرايات والثريات ، وفرش الرمل ، واصطفت الكراسى ، وحضر الزجالون والرواد 00 وعقد جلسة القافية 00وعند الفجر كان لواء الزعامة قد انعقد لنسيم أبو خضر ، فصحا أهل الحى على هياج أبناؤه يعلنون انتصار نسيم 00 وكان ذلك من أيام الحى المشهودة 0

****

أدركنا عم " وهبه " ونحن نتهيأ للعودة ، وكان يجد في السير معتمدا على عكازه 00 عانق جدي وهو يقول :

" لا تقلق من ناحية الشجرة 00 لقد كان الدكتور عبد الله ابن الحاج جبارة هنا 00لقد أصبح مدرسا بكلية الزراعة 00

أنه يقول :

أن الجذور سليمة وسوف يوجد حل لهذه الشجرة 00 الحاج حسن الجناينى حضر وقال ان كلام الدكتور صحيح "

قال جدي :

" الآمل باق طلما سلمت الجذور 0

****

اليوم الثانى

صحوت على الجدل الدائر بين والدى وعمى 00 كان عمى يعترض على قيام والدى بتهيئه الحجرة بالدور الارضى لفراش جدى 0

قال والدى :

" لا فائدة من هذا الجدل 00 فوالدنا سيخرج فى أى وقت براه 00 لقد رأى فى منامه أن طيرانه بعد أسبوع ، ولا داعى لاغضابه0

مرت لحظة سكون ، قطعها عمى قائلا باستغراب :

" أكلمك عن أوامر الطبيب ، فتكلمنى عن الطيران 0

قال والدى :

" إن الطيران فى عرف أهل التصوف يعنى الرحيل عن عالمنا "

قال عمى فى اضطراب :

" أهو قال ذلك "

قال والدى :

" نعم 00 أفتراه يتوقف عما اعتزم لمجرد أن الأطباء يرون الزامه الفراش " سكت عمى ، ثم عاد يقول :

وأمينه هل نتركها بغير علم "

لقد كلمنى هو من نفسه فى استدعاء أمينه"

أحسست بالأسى يعتصر قلبى 00 تمنيت لو أكون حالما 00 ولكنها الحقيقة 0

الجد يرى رحيله فى المنام ، ورؤيا الجد لم الجد لم تكذب من قبل00 بقولون أنه بلغ مرحلة الكشف 00 بدأت الحقيقة تزداد وضوحا 00 تفسير تصرفات الجد بالأمس ، لا تعنى إلا شيئا واحدا ، هو أنه يشعر بقرب الرحيل 00 أشياء صغيرة بدأت تتجمع أمام ناظرى:

العصا العاجيه ذات التلبيسة الفضية التى توارثها أجداده 00 والمسبحه الكهرمان التى لا يخرجها إلا فى شهر رمضان ليترحم بها على والده : لماذا خرجت فى غير أوانها ؟ !

لم يبق الا أن أحرص على الاقتراب من الجد " السروجى " لآخذ من أنفاسه الطيبة ما أمكن ذلك 0

****

عندما حضرت عمتى " أمينة " كان كل شئ واضحا فى وجهها 00 دخلت غرفه جانبية وأخذت تبكى وتلطم بصوت خفيض ، وعندما تمالكت روعها دخلت عليه والقت نفسها بين يديه وهى تقبلهما وتبكى :

" أهكذا هنت عليك يابى 00 لوعاشت المرحومة لشكوت إليها "

" وهل كانت ترضى بما فعلت 00 كدت تتلفين الفتى بتسترك عليه"

خشيت عيه من بطش أبيه 0

الأب يجب أن يعلم بالانحراف فى الوقت المناسب

الله ستر 00 والولد صلحت حاله

كيف حال ابنتك

سعيدة مع زوجها وتنتظر مولودا 0 أبتسم جدى وهو يقول :

" عال 00 عال 00 بارك الله فى ذريتها 0 على الفور قالت عمتى :

" سمير بالخارج 00 هل تأذن له بالدخول ؟ 00 أنه يؤدى الفرائض ومنتظم فى الجامعه0

أشار إلى جدى بإحضاره 0

****

كان اليوم شبيها بالأيام السعيدة التى كانت تمر على البيت قبل رحيل الجده ، لولا ظل من الحزن لا حساسنا بقرب رحيل الجد ، وإحساس الجد بالافتقاد للجدة 0 وفيما عدا ذلك سار اليوم فى مثل روتين أيام التجمع فى البيت 00 تخلل ذلك صراعات بريئة بين أطفال الاقارب الذين جاءوا للزيارة ، وكان الجد يفصل فيها بحنان

وفى بعض الأحيان يحدث ما يترقبه الجميع 00 الذكريات 0

ذكريات الحج الى بيت الله الحرام وزيارة أهل الله 00 ثم تهفو نفسه إلى مناسبات حضر فيها

" محمد عبد الوهاب " و" أم كلثوم " و" يوسف وهبى " و"نجيب الريحانى " واللقاء مع أمير الشعراء " شوقى " و" محجوب ثابت" و" سيد درويش" 0

كانت ذاكره الجد حديدية وهو يتذكر أصدقاء كل مرحلة من مراحل العمر 00 وعندما زال التوتر قامت عمتى " أمينة " بما كانت تقوم به من مشاغبات ، بسؤال الجد عن بعض تواريخ الحوادث ، وميلاد بعض الأشخاص ، وكان الجد كعهده فى الذاكرة 00 دقيقا لا يخطئ 0

****

اليوم الثالث

لم أكد أنتهى من إفطارى ، حتى دعيت لمقابلة الجد 00 قربنى إليه باسما :

" هل لديك محاضرات اليوم "

قلت لآسهل عليه الامر :

" لم ندخل بعد فى الجد 00 والاستاذ المهم مسافر للخارج " قال :

" ولكن 000" قال بلهجه حازمة :

"ليس هناك لكن 00 لا تذكر شيئا عن الاطباء " قلت مستسلما :

" الى أين يا جدى "

سنذهب الى المرمة

" المرمة 00 ؟"

" نعم 00 المرمة هى ورش وابور السكة الحديد التى كنت أعمل بها وكان إصلاح وترميم الوابورات يتم بها "

تنهد جدى قائلا :

" كم رأت المرمة من رجال أفذاذ 00 كان السائق والعطشجى رجالا من ذوى العزم ، فالوابورات كانت تسير بالبخار ، وكان الوقوف أمام فرن القطار عمل فوق طاقة الرجال العاديين 00 رحم الله " السيد رمضان .

قاطعته :

" جد " حازم " زميلى 0 قال :

" نعم جد " حازم " 00 كان عملاقا يتغذى بشاه ، وكانت قوته خارقة ، لم

يستخدمها فى الشر أبدا ، وانما كانت قوته فى نصرة المظلومين00 كم أدب

بخيرزانته الجنود " الانجليز " الذين كانو يتعرضون للنساء 00 وهو الذى

أوقف "الهريدى " عند حده

قبل أن أسال ، استرسل جدى :

- " كان " الهريدى " فتوة القبارى " 00 بنى لنفسه دولة من الإرهاب ولكنه لم يوما فى تهديد الأعراض ، حتى كان اليوم الذى رأى فيه " نعمت بنت الكودية" ذات الستة عشر ، آيه من آيات الجمال والترفع ، فجن جنونه 0 وزاد كلفه بها لتعاليها على كل السباب وتمردها على كل من حاول إخضاعها 00 كانت تنظر اليهم جميعا 00 بما فيهم " الهريدى " 00 على أنهم صبيان يحومون حولها 00 توسل إليها باللين تارة وبالترهيب تارة ، ولكنه لم يحرك فيها ساكنا 00 ويوما عاد الهريدى مخمورا ، فتهجم على الحاره مناديا على " نعمت " 00 وخرج " السيد رمضان " من بيته على الصراخ ، وكانت الموقعة التى لا تنساها القبارى 00 وقف الهريدى ينظر اليه بهزؤ وسخريه ، وسلط عليه بعض الاتباع ، وانتهى الامر بالصدام بين الاثنين 00 صراع الجبابرة 00انتصر فيه الخير على الشر 00 وخرج " الهريدى " من الحارة إلى الأبد00وانفتحت مغاليق قلب " نعمت " للسيد رمضان ، لتعيش معه زوجة صالحة حتى آخر أيامه ، لم يسمع أنها تمردت عليه يوما ، كتى وورى التراب ، فأدت فريضة الحج عنها وعنه"0

****

مضيت مع الجد إلى ورش الوابورات ، وكان حديث الطريق مليئا بالإبهار عن ذكريات رفاق العمل ، " السيد رمضان " ،" ومحمد عمر " و" المصيلحى " ، كانوا جميعا فحولا ، حتى تلاميذ الجد ، ومنهم من خرج على المعاش 00 كانوا صوره للرجولة والشهامة 00 ورأيت منهم من بقى فى الخدمة ، كأنهم لمحه من جيل الجد ، ورأيت منهم اكبارا له عزز انطباعاتى عن علاقات الجيل الذى عاشه جدى 0

كان جدى يرى فى كل ركن من اركان الورشة ذكرى عزيزة نا كان يجلس " محمد عمر " وهذه هى حجرة المصيلحى حينما أصبح رئيس للمساحين بعد تشريكه لضعف الابصار 00 وهذا مكتب المهندس الانجليزى " سبنسر " 0

وفى طريق العودة كان جدى يبحث ببصره عن شئ فى الحديقة0

قلت :

" هذه حديقة حديثة يا جدى "

" أعرف ذلك "

أستقر نظره على صخرة كبيرة بين الاشجار 0

قال جدى :

" لم يستطيعوا أن يحركوا هذه الصخرة ، ولكن " السيد رمضان " استطاع تحريكها عشرة أمتار وحده 0

قلت لجدى :

" وهل كان للجميع قصص حب مثلما كان " السيد رمضان؟"

ضحك جدى وقد فهم مقصدى :

- " بالنسبة لى لم تتح لى فرصة الحب الذى تعرفونه ، فقد عرفت الحب ساعة أن رفعت خمار عروسى – جدتك – فى كوشة الزفاف 00 كانت يدى ترتجف وأنا أرفع الخمار 00 كنت أتمنى وأدعو الله أراها جميلة 0 وخفق قلبى لرؤيه وجهها 00 كان كالقمر وقت تمامه، وزاد من جماله هالات الحياء التى كست وجهها 00 أما قبل ذلك، فلم أكن أستطيع أن أرفع نظرى عن الأرض ، وأنا أمر بحارتنا0 كان سلطان أبى – رحمة الله – قويا ، وكانت شخصيته مهيبة ، حتى ليكاد قلبى يكف عن الخفقان عندما أسمع صوته ينهرنا 0 كان يخبرنى وأنا صغير بأن العصافير تقول له كل شئ ، وعندما كبرت أصبحت أظن أنه يكشف عن خبايا نفسى من نظره دون حاجة الى العصافير 0 كان أبى شيخا من أهل الطريق ، وكان معروفا بالصلاح ، والزمنا صيته أن نلزم طريق الرشاد 0"

صمت جدى برهة ، ثم أستطرد وكأنه يأتى من واد سحيق :

" لقد شاء الله أن يأتى يوم جدتك قبل يومى ، فلم تكن لتتحمل يوما واحدا بعد رحيلى0

****

اليوم الرابع

لم يكن لخروجنا اليوم ما يبرره 00 فالجد قد أراد مفاجئة الاسطى " رجب " الحلاق فى دكانه

وكان الاسطى " رجب " قد تعود ان يأتى الى المنزل فى مواعيد حلاقة الجد ، فلم توقفه توسلات الجد بان يخفف عن نفسه المشقة بإرسال صبيه 00 كانت الصداقة بينهما وطيدة ، وكان الاسطى رجب يتعمد الإطالة مع الجد ويحرص على البقاء معه أطول فترة ممكنة ، والجد مستمتع لإيداع لحظة تفوته دون إن يجتر معه ذكريات عزيزة 00 فإذا انتهى الآمر بكلمة " نعيما " قالها الاسطى رجب بحب صادق ، وتلقاها الجد باسارير منبسطة ، وكانها ليست ألفاظا روتينية 0

كنت قد قضيت مساء الأمس – حينما خلوت الى الجد – استزيده من قصص الفتوات التى بهرتنى ، وجاء فى الحديث ذكر الاسطى " رجب " عدة مرات باعتباره شاهد عيان على الكثير من حوادثهم 00 وخيل الى ان ذلك هو الذى شحذ فى نفس الجد الرغبة فى زيارة دكان الاسطى " رجب " ، او لعله أيضا الحنين الى دائرة المكان الذى يتوسطه الدكان 0

كان الدكان بجوار بورصه البصل والتى اشتهرت بقهوة "الاجريجى" ، وكانت ملتقى جميع الطبقات ، من تجار البصل وتصدير الحاصلات ، وعمال السكة الحديد الذين يهربون من أعمالهم 0 وفى المساء كانت ملتقى الموظفين والمثقفين ، وكان كيار الخواجات فى الماضى يستخدمونها لابرام عقودهم والقيام بأعمال البورصة 0 وكانت بجوارها قهوة المعلم " ابراهيم عطية " التى اضمحلت واقتطعت منها أجزاء كبيرة تحولت إلى " بوتيكات " بعد أن مات صاحبها 0

القى الجد عليها نظرة رثاء ، وقال :

" كانت هذه القهوه مقصدا لكبار المعلمين ، وكان صاحبها – رحمه الله – فريدا

فى رجولته ، كلمته لاتنزل الأرض 0

عندما اقتربنا من محل الاسطى " رجب " توقف جدى قليلا ، ثم أشار بأصبعه :

" هنا قتل الرومى وهو يهم بقتل الحاج " محمد حموده " سكت قليلا ثم قال :

" عمك " رجب " شاهد الحادثه 0" تساءلت:

" وهل كان الحاج " محمد حموده " فتوه "؟

قال جدى :

" الحاج محمد حموده كان رجلا صالحا 00 كان مقاولا وكان يفتح بيوتا كثيرة 00 كان يعمل بالميناء مقاولا من الباطن مع أحد الخواجات ، وعندما أختلف معه لانه لص وأنسحب من العمل 00 توقف العمل تماما فى رصيف الفحم 00واضطر أصحاب المصلحة أن يتعاملوا نعه مباشرة ، خاصة بعدما علموا حقيقة الخلاف 00 ولكن الخواجة لم يسكت 00 دبر للانتقام من الحاج " حموده ، فاتفق مع الرومى على قتله 00 وتربص الرومى للحاج " حموده " 00 وعندما رفع يده بالسكين لقتله لمحه الحاج " حموده " وضربه بسرعة خاطفة بعصاه الثقيلة ، فأرداه قتيلا 0

****

اليوم الخامس

" تأهب للخروج "

قالها جدى بلهجة أمره صارمة 0

تسألت :

" إلى أين اليوم يا جدى ؟ " قال بحزم :

" ستعرف عندما نذهب "

وفى الطريق همس إلى جدى كأنه يفضى بسر خطير 0

" سنزور شيخى 0

كنت تواقا لرؤية الشيخ 0

كان الطريق طويلا وشاقا ، ولكن جدى كان يزداد تألقا وقوة مع اقتراب موعد النبوءة 0

عندما وصلنا إلى مكان الشيخ ، اقترب جدى من خلوته على أطراف الأصابع وفعلت مثله – نقر جدى على الباب بهدؤ ، حتى أتاه أذن 0

" السلام عليك يامولاى "

حياه الشيخ بابتسامه أنارت وجهه وأشار الينا بالجلوس 0

" معذرة للتطفل عليك يامولاى "

" لاعليك ياولدى " صمت الشيخ هنيهه ، ثم عاد يقول لجدى:

" أحان الوقت "

" بعد الغد أطير 00 أن شاء الله " أشرق وجه الشيخ وهو يتمتم :

" مبارك لقاء الحبيب 00 طوبى لك "

استطرد الشيخ وكأنه يحدث نفسه 0

" أوحشنى مولاى " عبد الله " والاحبه

" يصل سلامك يا مولاى" سأل الشيخ جدى:

" أتزودت "

" بخير الزاد يا مولاى " قرأ الشيخ :

" وتزودوا فان خير الزاد التقوى "

بكى جدى :

قال الشيخ :

" أنادم على فراق الدنيا "

" أبكى ذنوبى "

" كيف ترى الدنيا "

" كل ماعدا الحبيب زيف 00 وكل ما مر فى غير طاعته باطل

" ألابورك فيك وفى ذريتك "

سادت فترة من الصمت الجليل 00 تشاغلت بالعبث فى قش " الحصيرة " التى نجلس عليها 00نهرنى جدى

قال الشيخ باسما :

" دعه 00 لقد فعلت مثل ذلك فى أول لقائى بمولاى 00 سيكون هذا إن شاء الله صالحا 0 أسعدتنى نبوءة الشيخ 00 قام جدى مستأذنا 00 عانق شيخه 0

قرأ الشيخ :

" يا أيتها النفس المطمئنة 000" وقرأ :

" إن الإبرار لفى نعيم 0000"

خرجت من عند الشيخ ، وكان شيئا قد أنار بداخلى 0

****

اليوم السادس

استدعانا جدى إلى حجرته الأرضية 0 وأصر إن يدخل عليه جمع العائلة لا ينقصه فرد واحد

تحلقنا جميعا حول سرير الجد 00 صامتون وقفنا 00 كان الصمت يضفى على الموقف جلال

ورهبة وكان الجد ينظر إلينا نظره المستزيد من شئ يحبه قبل الرحيل0

لم يكن أحد ليستطيع قطع هذا الصمت ، حتى يقطعه الجد بكلماته 0 وكنا جميعا ننتظر بلهفة ما سينطق به الجد ، وعيوننا تتعلق بشفتيه الساكنتين 0

قطع جدى الصمت الجليل قائلا :

" أوصيكم بطاعة الله وأحذروا الشقاق "

بكت عمتى " أمينة " فنظر إليها جدى لائما ، فتوقفت عن البكاء0

تناول جدى عصاه العاجية ذات التلبيسة الفضية ، وناولها لوالدى0

قال جدى :

- " هذه عصاى ، عن أبى ، عن جدى ، نتوارثها منذ أزمان بعيدة 00 هى لك فأنت أكبر الأبناء ثم لابنك أكبر الأحفاد من بعدك000 هذه العصا هى كل ما تركه أبى لى ، وهى كل ما اتركه لكم 00 حافظوا عليها واحذروا أن تضيع منكم 0 قال لى أبى – رحمه الله – قبل أن يرحل : " إذا ضاعت منكم هذه العصا ضعتم " ولم اكن أفهم كلامه وقتها 00 و الان أفهمه جيدا 00 هذه العصا هى أرثكم الحقيقى 0 سكت جدى ، ولم ينبس أى منا بكلمة، فكان الطير على رؤوسنا 0 قال جدى بصوت متهدج:

" تستطيعوا الان أن تنصرفوا 0 خرج الجمع متثاقلا حزينا ، وكنت أخرهم 00 قبل أن أغلق الباب ورائى ، نادانى جدى :

قال :

" ناولنى المصحف 00 وأغلق الباب وراءك ولاتدع أحد يدخل".. على ناولته المصحف ، ثم خرجت مغلقا الباب ورائى 00 تسمرت بجوار الباب لا أدرى ماذا أفعل 00 تناهى الى سمعى صوت جدى متهدجا بالبكاء ، وهو يرتل القرآن ، كاحلى ما سمعت من ترتيل.

****

اليوم السابع :

لم أنم ليلتها 00 استولى القلق على كيانى 00 أتكون النهاية؟00 أحقا سيموت جدى ؟ 00

فى الصباح يبدأ اليوم الأخير 00 أخترق آذان الفجر مسامعى00 أوقف سيل الخواطر المتدفق فى رأسى 00 أحسست بنشوة غريبة .

وأنا أسمع صوت تحركات جدى وهو يستعد لصلاة الفجر 00 سمعت صوت باب المنزل يفتح ويغلق 00 لقد ذهب إذن الى المسجد00 خطر ببالى أن أذهب خلفه ، ولكننى لا أعرف لماذا تقاعست أو خفت صليت الفجر فى المنزل ، وظللت أنتظره 00 صليت الفجر فى المنزل ، وظللت أنتظره 00 سمعت باب المنزل يفتح ويعلق ثانية 00 لقد عاد 00استولى على القلق ثانيه 00 ظللت فى خواطرى حتى فاجئنى ضوء الشمس 00 تسللت إلى غرفه جدى 00 وبدأت أطرق الباب 00كتبت