نداء الجنة

القاص والروائي خالد السروجي

وقف الصغير ذاهلا أمام السرير . كان بتأمل بفزع وجه أمه الجامد المزرق وعينيها المغمضتين . وامتدت يده الصغيرة المرتعشة تهزها:

- أمي . أمي .

ولكنها لم تتحرك ولم تفتح عيناها . وعندما أستولي عليه اليأس، أنطلق من صدره بكاء حار ، جاء على إثره عويل النسوة اللاتي يرتدين السواد . وجاء والده مسرعاً وأنتزعه من فوق السرير ، خرج به من الغرفة ، بينما الصغير يقاومه محاولاً الإفلات منه .

قال الصغير – وهو يضرب والده بقبضتيه الصغيرتين :

- أريد أمي . أريد أمي

قال والده وهو يحاول السيطرة على بكائه :

- أمك ماتت

لم يكن الصغير يعرف بالضبط معنى كلمة ماتت ، ولكنه كان يدرك أنها كلمة سيئة كالمرض .

عندما حملوا جسد أمه ليضعوه فى النعش بكى بمرارة ، وحاول أن يفلت من قبضة والده لينقذ أمه من الأيدى التى تحملها ، وصرخ فيهم :

- إلى أين تأخذون أمي ؟

وفى المساء ، كان الصغير يبكى وهو يسأل والده المنهك:

- أين ذهبوا بأمي ؟

أجابه بصوت متهدج :

- أمك عند الله فى السماء

وهو الذى أخذها ؟

- نعم

يعرف الصغير الله ككبير يعيش فى السماء ، وقادر دائماً على معاقبة من لا يسمع الكلام ، أو يضرب أحداً ، أو يوذى القطط . ولكنه على الرغم من ذلك قال لوالده :

- ولماذا أخذها هى ؟ !

نظر إليه والده بمزيج من اللوم والإشفاق .

قال الصغير بعناد :

- ولماذا لم يأخذ أم أحد آخر ؟

أطرق الصغير قليلاً ، ثم عاد يسأل بصوت مرتعش :

- هل سيعاقب الله أمي ؟

الصغير أستقر على ساقي والده الذي رفعه وأحتضنه وقبله بحنو شديد :

- الله يحب أمك . لقد أعطاها قصر في الجنة .

اتسعت عين الصغير من الدهشة ، فأكمل والده :

- في الجنة حدائق وفواكه كثيرة ، وأمك تعيش الآن سعيدة ، فالله يحبها ويعطيها أشياء كثيرة .

الصغير أطرق يفكر ، وتخيل أمه تقف أمام الله ، وأن الله ينظر إليها بحب ويضحك لها ، وأنها تقف أمام الله وهى غير خائفة من حجمه الكبير جداً . ثم تخيل يد الله الكبيرة جداً تمسك بأمه التي مثل عقلة الإصبع وتضعها في قصر جميل مثل الذي شاهدة في التليفزيون ، وتخيل أمه وهى تمشى بين أشجار القصر وتقطف التفاح والمانجو من الشجر . وشعر الصغير بموجة عار مه من الحب تجاه الله ، وتبدلت مشاعره السابقة ، فها هو الله لا يعاقب أمه ويعطيها قصراً فيه فاكهه من كل نوع . ولكنه عاد يشعر بالقلق إزاء غياب أمه .

سأل الصغير والده بقلق :

متى ستعود أمي ؟

- أمك الآن في الجنة

قال الصغير بنفاد صبر :

- أعرف . ولكن متى ستعود ؟

الذين يذهبون إلى الجنة يعيشون فيها ولا يعودون .

تجهم وجه الصغير الذي كان يعتقد أن أمه ستقضى عدة أيام في الجنة ثم تعود ثانية ، وأطرق يفكر .

قال الصغير لوالده :

- إذن خذنى إليها في الجنة

- من يموت فقط يذهب إلى الجنة

قال الصغير بإصرار :

- إذن اجعلني أموت وأذهب إليها .

لم ينم الصغير هذه الليلة . وعندما تأكد من نوم والده تسلل إلى البلكونه ، وأخذ يبحث بنظره في السماء عن الجنة . كانت السماء خالية أمامه إلا من النجوم . أخذ يدقق النظر لعل الجنة تكون خلف هذه النجوم . ظل الصغير يحدق في السماء ويفرك بيده في عينيه من وقت لآخر . وفجأة بدأت الجنة تظهر أمام عينيه . في البداية ظهرت الأشجار ، ثم شيئاً فشيئاً ظهر القصر الجميل ، ثم بعد ذلك رأى أمه تمشى بين الأشجار فنادى عليها . ورأى أمه تنظر إلى أسفل ثم تراه وتناديه ، ثم غلبه النعاس وهو مستند بظهره إلى حائط البلكونة .

بعد عدة أيام – وكان يوم خميس – أستيقظ الصغير من نومه ليجد عمته وقد ارتدت ملابس الخروج السوداء .

سأل الصغير عمته :

- إلى أين تذهبين يا عمتي ؟

قالت العمة وهى تربت على كتفه :

- سأزور أمك

اجتاحت الصغير سعادة غامرة ، فعمته ستذهب إلى الجنة – دون أن تموت – وسترى أمه .

تشبث الصغير بعمته وهو يقول لها :

- سأذهب معك إلى الجنة لأرى أمي .

شعرت العمة بالندم لأنها أخبرت الصغير بأمر زيارة أمه ، وفكرت في طريقة للتخلص من هذا المأزق الذي نتج عن انفلات لسانها.

قال العمة للصغير :

- لا يسمحون في الجنة بدخول الأطفال . عندما تكبر سآخذك معي

الصغير تشبث بملابس العمة ، وقال بإصرار :

- بل سأذهب معك إلى الجنة لأرى أمي

شعرت العمة بصعوبة التخلص من هذه الورطة فقالت للصغير:

- أستأذن أباك . إذا وافق سآخذك .

أنطلق الصغير إلى والده فرحاً :

- أبى سأذهب مع عمتي إلى الجنة لأرى أمي .

ارتسمت على وجه الأب دهشة ممزوجة بالغضب ، ثم أنطلق خارجاً من الغرفة .

قال الأب للعمة بغضب :

- هل جننت لتخبريه بذلك !!

قالت العمة أسفه :

- أنفلت لساني رغماً عنى .

أطرق الأب مفكراً ، ثم قال للعمة بلهجة حادة :

- من المستحيل الآن إقناعه بعدم الذهاب . الأمر لله . ولكن لابد أن أجئ معكم ليكون تحت رعايتي فلست أطمئن عليه بدون وجودي .

العمة ساعدت الصغير في ارتداء ملابسه . وبعد قليل مرت سيارة تحمل خالات الصغير الذاهبات لزيارة المتوفاة . كان الصغير سعيداً وهو في الطريق إلى أمه ، وأخذ يعد في رأسه الكلمات التي سيقولها لها عندما يراها . وقرر أن يطلب من الله أن يعيد معه أمه إلى البيت . الصغير كان متأكداً من الله أصبح يحبه وسيسمح بعودة أمه إلى البيت من أجل خاطره ، لأنه منذ أن ذهبت أمه إلى الجنة لم يضرب أحداً ، ولم يؤذى القطط . وأخذ الصغير يستجمع شجاعته لمقابلة الله ، لأن الله كبير جداً وسيكون هو أصغر من عقلة الإصبع أمامه . وكان الصغير يفكر أيضاً في أن يقطف بعض التفاح من شجر الجنة ويعود به إلى البيت مع أمه . كان الصغير يفكر في هذه الأشياء ، بينما تلوح في الأفق مساحة ترابية كبيرة تتناثر فوقها الصناديق الرخامية المستطيلة ونباتات الصبار .