|
مغامرة التأويل
عبد الواحد علواني ما التأويل؟ وما الذي يربطه بالمغامرة؟! وهل كل تأويل مغامرة؟ أم أن لكل تأويل مغامرة يصل بها إلى تأسيس وجوده كمعنى وحيد للنص، أو كهدف مركزي لأي تفسير لاحق يجري بصدد هذا النص؟ وهل تنحصر مغامرة التأويل في سعيه الحثيث للحلول مكان المعنى أو التفسير؟ أم أن مغامرته تنحصر في سعيه لإيجاد توافق (يرتضيه) بين الواقع والنص أو الواقع الذي يتمثله والنص؟ ما هي حدود التأويل؟ وهل له حدود أصلاً؟ وإذا كان ثمة حدود، فهل يبقى تأويلاً؟! ما علاقة التأويل بالقراءة والتفسير والنقد، وما دور العلوم العصرية وخاصة التحليل النفسي في النزعات التأويلية الحديثة ودراساتها وتحليلاتها؟ وأسئلة عديدة أخرى! يثيرها مصطلح التأويل.. هذا المصطلح القديم الجديد، الدالّ على عملية معرفية ربما تكون من أكثر العمليات المعرفية إثارة للجدل، تحريماً وتحليلاً، إطلاقاً وتحديداً، تحصيناً واستباحة، بل هو من أكثر العمليات المعرفية تداخلاً مع سواه على صعيدي التوصيف والممارسة، فهو يتداخل مع القراءة والنقد والتفسير والفهم والبحث والتحريف والتصحيف والنسخ والمعنى والتحليل…، بل يتماهى أحياناً في إحدى العمليات المعرفية إلى درجة الغياب، ويتحمل أحياناً تبعة المغالاة فيها. هذا المصطلح المتأرجح بين إرث حضاري تاريخي بقيمه وضوابطه ومناهجه وقواعده ومبادئه، وبين حاضر زاخر بالتحولات وسعة رقعة الصراع الفكري بين مركز وآخر من جهة، وداخل كل مركز من جهة أخرى. إنه بداية.. وحاضر في كل بداية، ونهاية.. وحاضر في كل نهاية وإن لم يكن ثمة بداية ونهاية واضحتان تماماً.. وبين التسويغ والرفض تضيع ملامحه المتوحدة، وبين الماضي والحاضر والمستقبل تضيع آلياته وحركيته، فهو إذ يستخدم لتأكيد ثبات الماضي يدخل في صلب تسويغية استلابية سعيها الأوحد إيجاد منافذ يتسلل عبرها هذا الماضي ليمتد نحو الحاضر والمستقبل. وإذ يستخدم لبتر سيطرة الماضي وقطع الطريق عليه يدخل في صلب مواجهة تعسفية صارمة سعيها الأوحد إحداث ثقوب تصريف يتم من خلالها تفريغ الواقع من آثار هذا الماضي (بما يشمله) لتأسيس مستقبل مبتور. وبين الماضي والحاضر ثمة تحولات شاملة طاولت حتى مفهوم التأويل. فالتأويل في اصطلاحه التقليدي كان يتوجه إلى النص في محاولة فهمه على حقيقته، بينما توجه مفهومه الاصطلاحي الحديث إلى ما هو وراء النص، لفهم الحالة المنتجة له وبناء فهم النص على فهم منتجه والمجتمع الذي أفرزه. ونلمس في المفهوم الاصطلاحي الحديث التحول النوعي في تناول النص، فبعد أن كان النص كونياً يأخذ منتجه صفة كونية لاختلاط المقدس بالدنيوي، أصبح النص بعامة يمثل منتجاً مرحلياً مرتبطاً بمرحلة زمنية، فحتى النص المقدس شكل فهمه منتجاً مرحلياً، فتعرض تفسيره لما تعرض له أي نص آخر، فالنص المقدس برغم خروجه من تصنيفات التراث، دخل من خلال تفسيره ضمن هذه التصنيفات. علاقة التأويل بالحاضر علاقة استفزاز، فهو يغامر سعياً إلى تأسيس معنى مفقود أو غائب، فيمارس صراعاً ضارياً مع المعاني التي لا تناسب رؤيته للواقع السليم الذي يفترضه ويستسلم بهشاشة بالغة للمعاني التي تتفق لما يفترضه بل ويحاول ما استطاع إزالة كل ما من شأنه إغلاق الأبواب في وجه آفاقه المرتقبة. إن البحث عن أجوبة عامة للأسئلة السابقة محاولة محكومة بالفشل ما لم تقترن بدائرة معينة أو تمارس ضمن مساحة متجانسة وبصدد ممارسة تأويلية معيّنة. التأويل كمصطلح دالّ على عملية استيلاد للمعنى الغائب/ الداخلي/ المخفي/ المكبوت/ المتواري/ المنفي.. في النص يتمخض عن معنى يبحث عن شرعية وجوده، وشرعية حجبه للمعاني السابقة.. شرعية بناء سلطته وتوسيع الرقعة الخاضعة لها. إن التأويل كعملية معرفية ضمنية داخل أي تواصل ممارس ابتغاء فهم النص لا يمكنه إغفال النص ودراسة فضائه، فهو إذ يتبنى مفهومه الاصطلاحي التقليدي يحاول بدأب الانفراد بالنص متوسطاً بينه وبين قارئه، موجهاً النص وجهة محددة تتيح له تبني مفهومه الاصطلاحي الحديث فيتمتع بسلطتين في آن واحد؛ سلطة النص على قارئه والتي يمارس عبرها سلطة موازية، وسلطة القارئ الانعكاسية التي يستمدها من خلال إثارة الحالة الارتكاسية للقارئ ثم ينطلق بها لاحتكار آفاق النص وتوجيهها باتجاه المعنى المطلوب. فالتأويل بحث عما هو أول في الشيء (النص)، عما هو الأس والأصل. وبذلك يكون منهجاً يعيد تحليل وتقييم كل المناهج الباحثة عن الأصول. في المفهوم التراثي للتأويل.. وفي فضاء المعرفة الإسلامية نجد تعريفات شتى كتعريفات ابن الكمال والجرجاني وابن الجوزي والتهانوي وأبي البقاء الرندي وابن منظور……الخ.وإذ نحلل هذا المفهوم من خلال نموذجين فإنما نرمي بذلك إلى الكشف عن الإهمال الذي لاقاه التأويل كمصطلح وكمفهوم. ورد في تعريفات المناوي أن التأويل:(رد الشيء إلى الغاية المرادة منه قولاً كان أو فعلاً) وإن كنا لا نشك في صواب هذا التعريف إلاّ إن التعريف بحد ذاته يبدو هشا" ؛إذ قد يعني_ فيما يعنيه_ وصاية شرعية للمؤوّل.. أو بمعنى آخر فإنه يمنح سلطة معيّنة حق تسيير النص في وجهة ملائمة، وذلك من خلال تأكيده(داعما" تأكيده هذا بسلطته) أن الغاية المرادة التي يتبناها هي منتهى النص وغايته الأساسية، ومن حاد عنه فقد حاد عن النص وكفر به، وبذلك يتحول النص إلى مجرد درع تحمي مصالح السلطة المؤوِّلة له، إذ يمنح هذا التعريف(بقدر ما يمنح) المؤول حق استنطاق النص على هواه، وكشف المخفي الذي يدعيه أو يريده. بل يبدو هذا المفهوم في درجة من السذاجة تثير الاستغراب أحياناً، ففي جمع الجوامع للسبكي ورد: إن التأويل(هو حمل الظاهر على المحتمل المرجوع، فإن حمل لدليل فصحيح؛ أو لما يظن دليلاً ففاسد، أو لا شيء فلعب لا تأويل).
ولنتمثل مخطط التعريف: في هذا التعريف يتم فرز الحالة العامة للتأويل في حالة وسطى أي أن التأويل الذي يقام على الاحتمال وبالتالي مظنة وجود دليل تم اعتباره حالة وسطى أو حالة من حالات التأويل؛ فرحلة البحث عن المعنى المحتمل تبدأ بإظهار الدليل وتبدأ مرحلة البحث عن الدليل بثلاث حالات: (وجود دليل)، (لا دليل)،وكلمة دليل_ بحد ذاتها_ قابلة للمحاصرة بتأويل معيّن تمارسه سلطة معيّنة، فليس من تحديد لمواصفات الدليل. كما أن حالة (مظنة دليل) حالة وسطى مختلفة، وهي مراوغة ذكية لنفي المعنى غير الملائم (حسب وجهة نظر معيّنة) أي سعي لتكريس تأويل محدد، لا يتحرّر النص من سلطته، بل يتبناه كتفسير وحيد! المعاني المرتبطة بالحالات الثلاث السابقة تؤكد وصاية التأويل على النص _ وهي وصاية ترتبط بسلطة الجهة المؤوِّلة _ فالمعنى صحيح في حالة وجود دليل وبشكل جازم غير قابل للنقاش، ودون ذكر احتمال أن يكون هذا الدليل نسبياً أو مرتبطاً بنظام معرفي أو مستوى علمي معينين. والمعنى فاسد في حالة الظن! وكيف لنا أن نحكم على هذه الحالة بالفساد وحالة الظن ما تزال؟ أما في الحالة الثالثة فنجد أن المعنى يصبح مجرد لعب ويبدو أن (لعب) هنا تعني كلمتين في آن واحد _ اللهو واللغو! أما في درجة الحكم فنجد أن احتمالين تم رفضهما من أصل ثلاثة احتمالات، فإذا كان رفض اللعب قابلاً للتسويغ، فكيف نسوّغ رفض حالة الفساد المرتبطة أساساً بحالة ظن لم يبت فيها؟ وحالة القبول المقرونة بالدليل الصحيح.. كيف يتم تفسيرها؟ وكيف تؤخذ بهذه الإطلاقية على الرغم من انطلاقها من أساس احتمالي؟ إن هذا التعريف يسفه التأويل ويحدده ضمن إطار محدد في خدمة التفسير الممارس بصدد النص.. وبذلك يختزل النص في تفسير جازم يلغي آفاقه.وإذ يغفل التعريف عن ماهية الدليل _ الظن_ الاحتمال فإنما يكشف عن عجزه الواضح إزاء التأويل وتوصيفه.. فالمحتمل يشير إلى جهد اجتهادي في سبيل الوصول إلى المعنى الأول /الأساس/ وهو محاولة نسبية طالما أن النص لا يفصح عن أساسه في وضوح تام، والدليل يشير إلى برهان إطلاقي بمثابة الحقيقة العلمية القطعية، بينما يشير الظن إلى افتراضية تستدل على الكل بالجزء. وبما أن كل محاولة تأويلية تنطلق من باب الاحتمال (أي البحث عن المعنى المحتمل وفق دليل يتبيّن للجهة المؤوِّلة)، فإنها تنتهي في المجال الطبيعي أو الحسي نهاية علمية تتطلب برهاناً أو دليلاً صحيحاً وإن كانت النظريات العلمية قابلة للنقض لاعتمادها على الحواس التي قد لا تتمكن من تلمس الحقائق العلمية، أما في مجال التاريخ أو في فضاء أي نص تاريخي أو تراثي فإنها لا تتجاوز حدود الافتراض والظن.. وحتى إذا قدمت براهين تؤكد صدقها، فإن هذه البراهين إنما تستند إلى جانب نظري متواشج مع الافتراض. فإذا كان الجهد الاجتهادي واضحاً،وبالتالي يسوّغ ورود الاحتمال، فكيف نسوّغ إرجاع الظن إلى الفساد وهو الذي يعني استمرار الاجتهاد وبالتالي استمرار الجهد التأويلي أو البحث عما هو أول وأساسي في الأصل؟ يوضح ابن الجوزي الفرق بين التأويل والتفسير بقوله (التأويل: العدول عن ظاهر اللفظ إلى معنى لا يقتضيه لدليل دلّ عليه. والتفسير: هو إبداء المعنى المستتر باللفظ). ويبدو لنا ابن الجوزي أكثر تلمساً لحقيقة التأويل وإن كان ذلك من خلال تعريف عام مقارن، ولكنه إذ يستشهد بقول لأبي القاسم النحوي (الزجاجي) يبدو أكثر قرباً من المفهوم الاصطلاحي الحديث: (قال أبو القاسم النحوي: التأويل في اللغة: المرجع والمصير). بل نجد أن ابن عربي وصل إلى شمولية مفهوم التأويل في قوله في الفتوحات المكية: (ما في الكون كلام لا يتأول)، ويؤكد ابن عربي أن التأويل يلمس الحقيقة على بخلاف ابن حزم الذي يعتبر أن التأويل هو انحراف عن النص وعن صورته الحقيقية، وهو تجاهل للنص والحقيقة بآن واحد. هذا الإسهاب (النسبي) في مؤدى تعريف التأويل له ما يسوغه وإن لم نكن بصدد التسويغ؛ ولكن هذا التنوع في الآراء يشير إلى ناحية هامة بقدر ما يشير إلى ناحية أُخرى معاكسة، فمفهوم التأويل أثار فلاسفة المسلمين، ولكن البحث فيه اقتصر على تعريفات عامة خشية الدخول في مواجهة مع الفقهاء الذين التزموا حذراً متناهياً بصدد التأويل خشية أن يتعرض القرآن الكريم إلى ما تعرضت له التوراة من تحريف للمعنى! فالتعسف الذي مارسه الفقهاء في وجه محاولات التأويل والفكر التأويلي عامة كان يرمي أساساً إلى منع امتداده إلى النص المقدس! وبكن أليس لنا أن نتساءل عن جدوى هذه المواجهة، وهل كانت لحماية النص المقدس الإسلامي أم حماية لسلطة التفسير؟ فالتأويل محاولة لفهم النص على حقيقته، بل محاولة لإقامة تواصل شامل مع النص، فهو بحث عمّا هو أول وأساسي، بحث عن دلائل تكشف الجوانب العقلانية وغير العقلانية في النص، وتوصيف أبعاد هذه الجوانب في ضوء الحاضر، وذلك لدفع القارئ إلى إغفال النص ومواكبة التأويل والانقياد له، فهو إذ يتمخض عن تفسير يلتمس أثواب العقلانية ويسبغها على نفسه، وفي مخاضه يحاول إيجاد بنية أُخرى للنص في سبيل معنى آخر، لذلك قد يخترع (أو يلفق) نظماً مستجدة للارتباط بين أجزاء النص حتى في أصغر وحداتها، بحيث يهمِّش كل من الارتباطين الظاهري والمؤسس على ظاهره مسبقاً، وليصيغ ارتباطاً آخر يقوم النص بموجبه بأداء معنى آخر غير المعنى المعتاد (والذي قد يكون بدوره ناتجاً عن تأويل مسبق ارتبط بالنص حتى حلّ محلّ معناه). في محاولة البحث عما هو أول قد لا يتورع المؤوِّل عن اقتراف لغة جديدة تتخذ فيها الكلمات أبعادا" جديدة، وتتسق في نسق مصطنع من المفاهيم المستحدثة، فينغمس التأويل في السنية غائية تمارس سلطة وصائية_ اختلاقية في سبيل نفي المعنى عن الكلمة أولاً، ثم تعبئة هذه الكلمة بمعنى مختلف. هذا الانغماس الحماسي يشغل التأويل ويجعله غافلاً عن موقع هذه الكلمة في نص آخر! وإذ يواجه بالكلمة في سياق معنوي آخر فإنه ينشغل بالمأزق الذي تورط فيه. وبدلاً من محاولته للوصول إلى ما هو أساسي ينحرف نحو ما هو ملائم! فالأصل بحد ذاته يعيق التأويل، بل لا بد أن يكون قد فقد طبيعته كأصل وتحوّل إلى عقبة، وبهذا الشكل يأخذ الأصل إذن بنية حركية تتجاوز هيكليتها، وتتمرد على حدودها كلّما قبض عليها الفهم وهي متلبسة في حال ثبات واستقرار. بالتأويل تنفتح آفاق الاجتهاد، وبه ينحرف الاجتهاد عن غايته الأساسية، وبه يستهلك الاجتهاد ويسفه أيضا"، بمعنى أن حاجة الاجتهاد إلى التأويل حاجة ضمن قواعد معيّنة تكفل التواصل بينهما، فإذ يستغرق الاجتهاد في التأويل يميّع ويستهلك، وإذ يتخلى عن التأويل كلّية تبتر آفاقه ويتجمد، فالنص إذ يسعى للتفاعل مع الواقع لا يروم الاستسلام لمقتضياته وحركته، وبالوقت عينه لا يجرؤ على تحديده ضمن إطار ما لا خروج عنه. فقابلية التأويل لدى النص قابلية نسبية تتعلق بتفاعل هذا النص مع الواقع. وما يجعل نصاً قابلاً للتأويل هو تمتعه أولاً بالخصائص والإمكانات التي تكون قادرة دائماً على إلغائه، على تدميره كنص، كشيء. والتأويل إما أن يسعى إلى تنمية سيطرة النص وسلطته على الحاضر والمستقبل وإما أن يسعى إلى طمس النص والحد من سلطته وإلغاء تأثيره ومصادر رؤيته، بمعنى إزاحته إلى هامش الحاضر. التأويل في محاولاته التنقيبية يمارس تشويهاً بالغاً في النص. إذ يزيل_ فيما يزيل من تراكمات _ جزءاً كبيراً من ملامح النص، ويمارس على ما تبقى تفكيكاً تعسفياً يودي بالنص، وتحت تأثير الانفعال المتصاعد إلى فاعلية تجاه التراكمات التي تواجهه يتوه عن هدفه من مغامرته، وينشغل بإزالة التراكمات عن تأويله أو التأويل الذي يقدمه، وإذ يصل التأويل إلى قناعة معيّنة بزوال التراكمات عن النص تحاصره خيبة عظيمة، ويشعر بالنص الذي انتهك أنهك حتى فقد ألقه، فيدخل في لعبة أخرى.. لعبة موازية للتأويل.. لعبة اختلاق المعنى من خلال البحث في اللغة المكونة للنص، وتفكيك هذه اللغة لخلق سياق معنوي جديد يتفق وسياق النص في حال استبدال النظم الاستدلالية للقراءة المألوفة بنظم استدلالية أخرى تندرج في إطار ما يدعوه المؤوِّل، يقرّ بها بنفسه دون أن يفطن تماماً إليها، ذلك أن هذه القراءة مستحدثة بنية وأدوات وأسلوباً، وهي نزعة وصائية تحاول إلغاء النص أساساً.. لا بناء معنى جديد. القراءة الجديدة تعتمد أساساً على إثارة التناقض بين التأويل والنص.. أو بشكل أدق العلاقة غير المستقرة بينهما؛ على الرغم من ثقل التأويل وعبثه بالنص لا يمتلك النص التخلي عنه، فمجافاته للتأويل تعني آنيته ومحدوديته.. أما التأويل ففي محاولته الوصول إلى معاني جديدة للنص وممارسة وصاية تفسيرية صارمة مشوبة بتفكيك معتمد.. يحاول أيضاً أن يؤكد امتداد النص من خلال مدّه بتأويل يتوسط بينه وبين الواقع والوقائع المستجدة التي يرتضيها.. وخاصة الوقائع المتأصلة في الواقع الجديد كممارسة لا بد منها، أو التي اكتسبت بعداً علمياً قطعياً لا سبيل إلى نفيه. والنص بحد ذاته يمارس سيطرة يستمدها من موقعه التاريخي، أي أن للنص وضعاً خاصاً يفرض قيوداً على المؤول وعلى تأويله، فللنص لغته وأسلوبه ومفاهيمه التي تغلّفه بفضاء ذي سمات معيّنة لا مفر للمؤوّل من تلمسها والدخول في ساحة تأثيرها، ولعلّ هذا يذكرنا بالاستشراق الذي طالما عجز عن تلمس فضاء أي نص عربي أو إسلامي بشكل دقيق يؤهله لتقديم رؤية نقدية مكتملة. إذ كيف يمكن فهم تراث (آخر) إذا كنا.. تحت تأثير اللغة التي نتكلمها؟ في قراءتنا لأي نص نتبنى محاولة تأويلية عفوية، فالقراءة إذ ترمي الفهم لا تجد فكاكاً من استخدام التأويل وتقنياته، ولا تتمكن من تغييبه كآليّة فهم تماماً. فافهم بحد ذاته يحتوي محاولة تأويلية لرصد المعنى أو تعرية جوانب النص، وهذا يدلّ بوضوح على التداخل الكبير بين التأويل والنقد. العلاقة بين التأويل والقراءة تتوضح من خلال أسبقية أحدهما على الآخر، فقراءة النص تحتوي جانباً تأويلياً، وعندما نقرأ النص ابتغاء تأويله، فإننا نمارس قراءة معينة، لها خصوصية معينة، فالقراءة لا تتجه نحو تأويل محدد ولكن لا تحيد عن تأويل يلائمها. في الوقت الذي نجد فيه أن التأويل يرمي أصلاً من خلال قراءة محددة/نقدية إلى تأسيس وجوده. فنجد أن النص هنا يتجاوز كونه نصاً فقط، كما أن القراءة لا تنصبّ عليه إلا باعتباره كذلك، أي يأخذ النص بداية، شكلاً أسطورياً ذا دلالة داخلية، لا يمكن الكشف عنه إلا بقانون خاص يبرز منطق العمليات التي تربط حزم العلاقات داخله. القراءة الممارسة ابتغاء التأويل تبقى أسيرة تأويل محدد يكون أساسا" في خدمة أغراض محددة أو منقادا" لطريقة استدلالية محددة، غالبا" ما تكون جامدة فتحكم على نفسها بالفشل، وتسيء إلى النص وفهمه. أما القراءة الممارسة ابتغاء الفهم وإن بقيت أسيرة منهجية استدلالية، فإنها تكون أكثر علمية وأكثر قدرة على استنباط ماهية النص وأولياته. التأويل نقد إلى درجة معينة، والنقد تأويل إلى درجة معينة، ولكن يمكننا إدراج التأويل في صلب المحاولات النقدية براحة أكثر، ذلك أن التأويل يتبنى معظم وسائل النقد للوصول إلى طرحه، وإن كان يتميز بمراوغة وقدرة أكبر في استبطان غاياته، ولكن التداخل الكبير بينهما لا يلغي الفوارق من حيث طرق الاستدلال والتفكيك والاستنطاق. أما المعنى فهو نقطة الارتكاز الرئيسة، لأجله يستنفر التأويل كل طاقاته، لينسف معنى قائماً ويبني معنى آخر يحل محله، إذ يمارس التأويل كل حذاقته لنفي هذا المعنى القائم من جهة، وكذلك زيف لا عقلانيته أيضاً! ليصل إلى فصل تام بين المعنى والنص، وإذ يكتفي، يبدأ مغامرته الثانية في سبيل تأسيس المعنى الآخر بعد أن فسح له مجالاً ينتقل عبره لاحتلال موقع المعنى المنفي، وليثبت جدارة هذا المعنى في أن يكون تفسيراً أكثراً صدقاً ومعقولية. مغامرة التأويل مع المعنى مغامرة محفوفة بالمزالق والشبهات، ورحلة طويلة تتطلب جرأة نوعية، فهو إذ يتعرض لمعنى قائم وراسخ يتزلف إليه، إلى أن يتمكن منه فيبدأ بإلغائه على مراحل بحيث لا يثير مواجهة محمومة لا تناسب سلطته وخاصة مع المساحة الخاضعة للمعنى القائم، فقوة المعنى في اتساع المساحة التي تؤمن به كتفسير وحيدن ولا بد من الانضمام لهذه المساحة والدخول إلى صلبها قبل إسقاط المعنى؛ أما المعنى البديل فيظهر حسب الإنجازات الاستعدادية التي حققها التأويل فهو إما أن يظهر بهدوء إلى أن يتبوأ موقع المعنى القائم في لحظة اختلال شلليّة تسهل مهمته في شحن هذا الواقع برؤيته وتكريس المعنى البديل الذي يطرحه. يسعى التأويل إلى احتلال موقع التفسير في بيان معنى النص، بينما يسعى التفسير إلى بيان سلامة التأويل الذي يمارسه، على الرغم من تداخلهما. إلا أن ثمة فارقاً واضحاً يميزهما، يتجلى أساساً في التوصيف الذي أورده ابن الجوزي والمذكور آنفاً، فالتأويل هو بحث عما هو أول وأساسي، أما التفسير فهو توضيح للملغز أو المستتر خلف بنية معنوية، أو بمعنى آخر فإن التفسير يترك للظاهر (ظاهر النص) قيمة ما، أما التأويل فإنه يلغي ظاهر النص، بينما التفسير هو تأويل لظاهر النص! أتاح التحليل النفسي (كعلم جديد يدخل في مختلف العلوم) للتأويل فرصاً أكثر كثافة ونشاطاً أكثر شمولاً، بل أباح للتأويل التمتع بطاقة أوفر في المراوغة وإثبات ما يريده ونفي ما لا يريده. بل ربما مكّن التأويل من خلط الأوهام بالوقائع ، واختلاق بنى افتراضية تاريخية وتراثية تخدم غاية التأويل الأساسية، فأصبح بإمكان التأويل التحول من مواقع المداهنة إلى مواقع المواجهة، وكذلك تحويل النص إلى إدانات أو إفادات تدين مصدره أو تشيد به، فوصل إلى درجة لا يستهان بها من الوصاية المناهضة لأي معنى لا يوافقه، إضافة إلى وسيلة أخرى استمدها التأويل من صلب التحليل النفسي، وهي الإحالة؛ أي إحالة سوء التأويل أو المأزق الذي يحاصر التأويل إلى اختلال النص ومصدّره. النزعات التأويلية الحديثة وصلت إلى وصاية لا تنضبط ضمن حدود، وذلك من خلال استخدام مفاهيم وأدوات التحليل النفسي. فهذه النزعات التي طالما أخفقت في اختلاق بنى لا عقلانية أو بنى محسوسة لتأويل النص، وجدت ضالتها في تبني وجهة التحليل النفسي واستخدام مفاهيمه لإثارة الشكوك بصدد النص ومصدّره ومفسّره وتفسيره، بل كل ما يمت لمعناه القائم بصلة، حتى لو كان واقعا" اجتماعيا". التحليل النفسي _ برغم إنجازاته الهائلة_ فتح الأبواب على مصارعها أمام الاختلاق ليتسلل إلى الواقع (الحاضر) وأصول الواقع وتاريخه (الماضي والموروث)، بل حتى في آفاق الواقع (المستقبل) ذلك أن ما ينتج في عصرنا وواقعنا بدأ يحتسب في إنتاجه آفاق هذا العلم. والتحليل النفسي بمناهجه المختلفة قائم على إيجاد بنى تأويلية لموضوعاته، وهو إذ ينطلق من أسس احتمالية يصل بها إلى يقين وثيق، متجاهلاً الأسس الاحتمالية التي قام عليها أساساً. النقطة الأكثر إثارة في تناول التأويل تبقى علاقته بالنص المقدس ، فالتأويل الممارس ضمن دائرة معينة لا يستطيع الانفكاك من المعنى المسبق وخاصة إذا كان هذا المعنى قد اكتسب قداسة تماثل قداسة النص، أو ربما تتجاوزه أحياناً! وبذلك لا يعدو التأويل عن كونه تملقاً للتفسير المسبق أو مراوحة في فضائه. في تعريفات ابن الكمال نجد أن التعريف التالي للتأويل:(التأويل _أي في التفسير _ صرف الآية عن معناها الظاهر إلى معنى تحتمله إذا كان المحتمل الذي يراه موافقاً للكتاب والسنة) فهو يعرف التأويل في فضاء النص الإسلامي دون أن يتمكن من التحرر من سلطة التفسير والشروح. وبرغم اتساع آفاق هذا التعريف بمقارنته بالتفسير الذي تمت ممارسته فإن ابن الكمال يغفل عن أن موافقة التأويل للكتاب والسنة ليست سوى موافقة لتفسير الكتاب وشروح السنّة.. التي قد لا تكون أساساً غريبة عن التفسير بعامة بل ربما تكون ناتجة أساساً عن منهجية تماثل منهجية التفسير المسبق. وهكذا يتم الحكم على النص بتفسير لا يمكن زحزحته، أي بتفسير يربط النص بتفسير محدود يسبغ قصوره على النص ويبتر آفاقه. فهذه الموافقة ليست سوى إخضاع التأويل لسلطة التفسير والشرح، وبذلك يحاصر التأويل ضمن دائرة التفسير، بل يميل إلى تلمس المجاز في النص_ وبرؤية التفسير أيضا"_ لينقلب إلى هامش التفسير ورهن إرادته، بل أداة لتأكيده كبديل مشروع للنص الأصل. من جملة ما يمارسه التفسير (إذ يحدد النص بمعنى) بحق النص هو تحويله إلى كلمات جوفاء توحي بمعان محددة أرادها التفسير في زمن ما، مكان ما، لحاجة مت، وضمن رؤية ما؛ والتأويل إذ يخضع لسلطة التفسير فإنه يحيل النص بمعنييه الظاهر والمخفي إلى هامش التفسير، وبذلك يصبح النص مجرد كلمات فاقدة لحيويتها.. كلامات عاجزة عن أداء أي دور آلا من خلال ترجمة التفسير لمؤداها.. هذا المؤدى الذي قد يكون مختلفاً أو محدوداً، فالتفسير منتج ظرفي يرتبط بنظام معرفي ومنظومة استدلالية محددين، وتابعين لزمان ومكان معينين، أي منتج نتج عن رؤية قاصرة اقتصارها على زمنها ومكانها، والسلطة التي يمتّع التفسير نفسه بها، بتحالفه مع التأويل الموازي له، تلغي النص وتختزل آفاقه وتحوله إلى مجموعة دلالات عاجزة وقاصرة. البنية التراثية للمفهوم الاصطلاحي المعطى للتأويل يشوبها الحذر وذلك لارتباطها بمختلف نواحي الحياة، فهي إذ تعرفه كعملية اجتهادية/ إبداعية في استيلاد المعنى الأصل في النص، وذلك للحفاظ على قيمة النص وتفاعله وفاعليته وبالتالي امتداده، تعود لتربطه بسلطة التفسير خوفاً على النص من شطط التأويل. هذا الشطط (وإن كان مسوغاً كافياً لضبط التأويل) قد لا يكون حرصاً على النص أحياناً، فكثيراً ما ترى السلطة السياسية المتسنمة أمور الدين والدنيا في مخالفة التأويل لمصالحها شططاً يستحق عليه النفي والإعدام. ولكن هذه السلطة لا تحرّم التأويل تحريماً قاطعاً لأن التفسير والتأويل تكمن قوة الديني السياسي. التفسير يعني بشكل آخر الحكم على معنى النص وتحديده وهو بذلك يختزل النص إلى مادة لزمن التفسير ليس إلا.. أما التأويل فيعني السير في الطريق الفكري الذي يفتحه النص، أي الاتجاه نحو ما يضيئه النص ويشرق عليه. ومصطلح التأويل بقدر ما يطهر مستباحاً فإنه أيضاً _ كجزء من عملية الفهم _ داخل في صلب القراءة المستفهمة عن كنه النص ومعناه الأول/ الأساس.. ولكن القراءة التأويلية بحد ذاتها تثير من خلال توصيفها اختلافاً بيّناً بين مفهومها الإسلامي ومفهومها الغربي، وخاصة تلك القراءة التي تتناول النص المقدس. فالاختلاف واضح في الممارسة والتعريف، وهذا الاختلاف عائد إلى أسباب عدّة من أهمها طبيعة النص المقدس وطابع التفكير والبنية التراثية والتجربة التاريخية الخاصة لكل منهما. فتعريف التأويل ضمن فضاء المعرفة الإسلامية يلتزم حدوداً غير واضحة تماماً، وذلك لأن هناك أمرين يقلقان النص المقدس الإسلامي وخاصة (النص القرآني) أولهما التحريف (وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون). وثانيهما إلزام النص القرآني بمعنى محدد: (وما يعلم تأويله إلا الله). كما إن النص القرآني نص كوني إلهي معنى ولفظاً، واللفظ بحد ذاته مقدس تماماً كقداسة المعنى، لذلك ليس ثمة ترجمة معلنة لنصه إنما هناك ترجمة لمعانيه أو لتفسير معين من تفاسيره، صحيح أن الترجمة بعامة تنصب على ترجمة المعاني، إلا أن الإشكالية التي تسببها إزاء النص المقدس إشكالية عسيرة، فهذا النص أساساً يرمي إلى تجاوز الزمان والمكان وبذلك يرمي إلى تجاوز اللغة بحد ذاتها، ولذلك تبقى الترجمة مجرد محاولة تفسيرية قاصرة لا بد لها من الزوال لتظهر محاولة ترجمة أخرى. وهكذا نجد أن التأويل في فضاء المعرفة الإسلامية كان أمام نص يحافظ على لفظه حفاظه على معانيه، لذلك كان لا بد له من التكيّف مع الضوابط المفروضة عليه ومسايرة التفسير؛ أما في فضاء المعرفة الغربية المستندة أساساً إلى المسيحية وخاصة الكاثوليكية، إضافة إلى التأثيرات الرومانية واليونانية فكان التأويل إزاء نص مقدس ( العهدين القديم والجديد) لا يمتلك قداسة اللفظ. فالنص بحد ذاته نتاج ترجمة وكذلك فإن الخلاف حول تكامل النصوص المشكلة لهذا النص خلاف ذو جذور متشعبة، والإنجيل انتقل عبر تعبيرات (وألفاظ) تلامذة المسيح الذين هم بالضرورة بشر وليسوا آلهة لا تخطيء على الرغم من المكانة التي يتميزون بها كقديسين، لذلك فإن التأويل أصبح الصلة الوحيدة تقريباً مع هذا النص، وكذلك وسيلة النص الوحيدة للتواصل الكوني، فلا غرابة أن يكون أساس الفكر الغربي وخاصة في الجانب الفلسفي أساساً تأويلاًتأويلياً ولا غرابة في أن يكون التراث التأويلي ضخماً، وأيضاً أن يستمر التأويل! إن منهجية الغرب في التأويل تتفق وتجربته التاريخية عبر التراثين الإغريقي والروماني، مروراً بعصور الانحطاط – التي كان لها الأثر الأكبر _ ووصولاً إلى عصر النهضة والعصر الحديث حيث أتاحت الثورات الاجتماعية مساحة واسعة لتصارع الأفكار والفلسفات والتأويلات. وكذلك فقد أباحت حدود التأويل بعد أن كانت مقتصرة على طبقة معينة من الكهنة وفي ظل الكنيسة، فتراجعت الكنيسة إلى هامش التركيب الاجتماعي وتم تهميشها في المجال الفكري وتحجيمها ضمن منظور معين يؤطرها في إطار طقوس وبروتوكولات اجتماعية وبطريقة شبه آلية. ومما يدل على الدور الهامشي للكنيسة الغربية عجزها عن التواصل مع الحقائق العلمية الحديثة التي أطاحت بالعديد من الثوابت السابقة فعدم تكيّف الكنيسة مع هذه الحقائق العلمية في بواكيرها يدلّ على الطابع الطقسي الذي بدأت تغرق فيه بعد زوال سلطتها المطلقة على عموم أوروبا. لا نرمي هنا إلى بيان طبيعة المعتقد الغربي، إنما نحاول إظهار الجدلية القائمة بين المعتقد والممارسة لا نرمي هنا إلى بيان طبيعة المعتقد الغربي، إنما نحاول إظهار الجدلية القائمة بين المعتقد والممارسة أو المعتقد والتجربة، فالغرب عامة يتميز بآفاق تجريبية شاسعة استمدها من تجربته الاعتقادية التي كونت فلسفته الخاصة به. ووصل بهذه الجدلية إلى توازن يلائم ما يصبو إليه من احتكار للسلطة الحضارية في العالم ووسيلته الوحيدة في ذلك التأويل، ولعل هذا يفسر إقبال معظم فلاسفة وأدباء أوروبا على إحياء الأساطير ودراستها وقراءتها قراءة متجددة بل وحتى إعادة صياغتها، ونستطيع من خلال دراسة المصطلح النقدي أن نتبين كيف تم تكريس الشخصيات الأسطورية من خلال أسمائها كاصطلاحات دالة على أنماط معينة أو كرموز دالة على مناهج وأساليب وتوصيفات خاصة، بل وصل الأمر إلى درجة تكريس شخصيات أو مفاهيم ظهرت في آثار حديثة نسبيا" كدلالات اصطلاحية عامة. أما التأويل في تجربة المعرفة الإسلامية فكان له وضع مختلف تماماً، يفسر فشل المحاولات التي ترمي إلى تطبيق مناهج _ ناتجة عن تجربة الغرب _ على التراث الإسلامي أو النص القرآني أو التاريخ الإسلامي، ولعل أبرز أشكال الفشل المعاصرة هي تلك القراءات المستجدة للنص القرآني أو النص الإسلامي عامة! فالتأويل كان لا بد له من السير في طريق لا يحيد عنها خشية الشطط والانحراف من جهة، وحرصاً على إتاحة المجال أمام النص ليتواصل مع الواقع المتجدد من جهة أخرى. وقبل أن نمضي في دراسة التأويل لا بد من العودة إلى مصطلح التأويل في المفهوم الإسلامي. ورد مصطلح التأويل في القرآن الكريم ثلاث عشرة مرة، حددها التفسير في خمسة أوجه: 1_ العاقبة: (هل ينظرون إلا تأويله}} أي يوم يأتي تأويله وهو يوم القيامة حيث تقف كل نفس أمام ما فعلت وتنال عاقبة ما فعلت. 2_ اللون: (( لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله)) ويبدو أن المقصود ب(اللون) هنا _كما أورده ابن الجوزي عن التفسير _ بمعنى الدلالة وهذا ما يتفق ووجهة نظر التفسير حيث ورد الكلام على لسان النبي يوسف إذ يعلن عن قدرته على تأويل / تفسير ما يشاهد النائم في منامه من طعام ودلالة هذا الطعام قي اليقظة. 3_ المنتهين: (( ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله)) إذ وردت هذه الآية رداً على اليهود الذين حاولوا التدخل في تأويل المتشابه من الآيات (أي التي لا تفهم معانيها تماماً) إذ زعم اليهود أن عمر الدعوة الإسلامية محدد بقدر، اعتماداً على عمليات حسابية اعتمدت على أوائل السور وذلك ابتغاء إقناع بعض ضعيفي الإيمان بزعمهم وابتغاء نهاية الإسلام والمسلمين. 4_ تعبير الرؤيا: ((وعلمتني من تأويل الأحاديث)). أي بمعنى أن هذا تحقيق الرؤيا التي رأيتها. 5_ التحقيق: (( هذا تأويل رؤياي من قبل)). أي بمعنى أن هذا تحقيق الرؤيا التي رأيتها. في الأوجه الخمسة نجد أن التأويل يعبر عن التداخل بين المبتدى والمنتهى.. مبتدى الأشياء ومنتهاها.. وبمعنى آخر حقيقتها.. والكشف عن دلالاتها. وبالعودة إلى المفهوم التراثي لهذا الاصطلاح نجد أن هذا المفهوم لا يتعارض مع تحديدات التفسير.. ولكن يبقى السؤال الذي يثيره الاجتهاد: هل يتأتى لمعرفة بشرية أن تحكم على معنى النص المقدس أو تحاصره. بمعنى محدد وهو الذي صدر عن ذات شاملة كونية (إلهية)؟ للإجابة عن هذا التساؤل نعود إلى الآية: (( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيبتغون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب)). فالكتاب (القرآن الكريم) فيه آيات محكمات وأخر متشابهات، والمحكمات أي الآيات ذات المعنى الواضح والبين، أما المتشابهات فقد اختلفت آراء الفقهاء والمفسرين حولها _ وإن كانت تعني الآيات التي بإمكانها أن تثير الخلاف عند جمهور الفقهاء، ففي حين اقتصر بعضهم في تحديد هذه الصفة وإطلاقها على الآيات التي ترد في فواتح السور مؤلفة من بضعة أحرف، خالفهم آخرون في هذا التحديد. وفي حين أجاز بعضهم التفكير فيها بغير غرض الفتنة وإثارة اللغط، استنكر آخرون مجرد التفكير فيها! وبالمقارنة مع مصطلح التأويل نجد أن المحكم يعني ما تم تأويله وترسخ معناه وثبت أي انتهت عملية تأويله ووصل إلى معناه الأول / الأساس/ الأصل. أما المتشابه فهو ما لم يتم تأويله بعد، ما يهرب من المعنى، ما لا يحاصر بمعنى، أو بمعنى آخر: ما يكون في قابلية لعملية تأويل مستمرة. أما متابعة المتشابه والبحث في معناه الأول _ كما هو واضح في الآية الكريمة _ فأمر يتعلق بالنية القائمة وراء المتابعة، والحظر الظاهر في الآية حظر يتعلق بغاية التأويل، لا بالتأويل بحد ذاته، كما أن حصر معرفة تأويل المتشابه بالله تعالى والراسخين في العلم له دلالة عميقة، فمفهوم (الراسخون في العلم) مفهوم نسبي تتغير مقاييسه بتغير العصور والمعارف؛ أي مفهوم يتعلق بالنظام المعرفي السائد وأدوات هذا النظام، وكأنما الآية تحرض في الوقت نفسه الراسخين في العلم على التصدي لمحاولة التأويل وذلك لسببين: أولا" فهم الآيات أو محاولة فهمها واستكناه دلالاتها في الواقع المستجد، وثانياً قطع الطريق أمام المحاولات المغرضة والتي ترمي إلى تحقيق مكتسبات معينة لا الكشف عن معنى الآيات. ولعلّ ختام الآية الكريمة يوضح هذا أكثر إذ يشير إلى أن كلاً من المحكم والمتشابه من عند الله، والإيمان بهما قائم، ولكن يبقى تفسير هذه الآيات وتأويلها محصوراً بأولي الألباب.. لا بأولي الأسباب! وشتان ما بين أولي الألباب وأولي الأسباب! ففي جدل النص والمعنى ثمة سلطات جانبية تقام، وإذ يتيسّر لها الدخول بينهما؛ تمارس تسلطاً ووصاية يوديان بالمعنى، ويميلان بالنص ميلاً يهمشه، ويلغي أبعاده الحقيقية، ليتشوه ويصبح مجرد نص ينطق بما تفرضه عليه هذه السلطة، ليصبح النص هشاً إلى درجة عجزه عن إنتاج واقع راسخ وصلب خال من التناقض. قوة النص في عالميته وأزليته! وعالميته في تعميم تفسيره في الحاضر بحيث يكون منسجماً مع نفسه وآلياته وليس ثمة انغلاق في وجه هذا الحاضر… وأزليته في افتتاح التأويل لآفاقه بحيث يتخطّى حاجز الزمن. فمجافاة النص لأي عصر أو ظروف مكانية دليل عجز فيه، ودليل على عجزه عن تحقيق ثنائية العالمية والأزلية.. وبالتالي دليل صدوره عن لا عقلانية.. عن حسيّة قاصرة قصور الحواس ولكن في الوقت نفسه متكيّفة مع معطيات واقع معيّن. فاعتماد النص على أدوات معرفية خاصة بنظام معرفي معيّن يعني أنه واضح جداً أو بمعنى آخر أنه يشكل نوعاً من القانون المؤقت.. وهذا النص ميت لا محالة.. وإن أثير مرة أخرى فهو مجرد صدى تواصله مع عصره لا مع العصور اللاحقة! وهذا حال التشريعات الوضعية… لا مفر للنص من مواجهة الموت ببعدين أساسين… يجب توفرهما فيه ليبقى نصاً حيّاً.. ومثلما التواصل والتناسل ضروريان لاستمرار أي كائن كوجود.. لا بدّ للنص من التمكن من العالمية بمعنى (التواصل) ومن الأزلية بمعنى التناسل (الاستيلاد) فأجيال المعاني المتجددة تضمن استمرار النص.. وتحميه من الزوال أو الموت.. فبدلاً من موت النص.. يموت المعنى المترهل ليظهر عوضاً عنه معنى جديد نضر متألق يتزيّا بزيّ العصر حاملاً في صلبه روح النص. انعدام عالمية النص دلالة على مقاييسه النسبية المحدودة، وانعدام أزليته دليل اقتصاره على واقع معرفي معين يموت بانقضائه، أما النص المالك وأزليته فهو نص حي مستمر متوالد.. نص ممتد وخارق. وسيلة النص في تحقيق العالمية الانغلاق المؤقت، ووسيلته في تحقيق الأزلية الانفتاح المنضبط.. فالنص في معناه الأول يتواصل مع لا نهائية كونية.. ورحلة التفسير في ثناياه تمثل رحلة استكشافية بحثاً عن المعنى الأول / الحقيقي.. والتأويل من أكثر وسائل التفسير افتتاحاً للآفاق على الرغم من كونه من أكثر هذه الوسائل تضليلاً الإنغلاق المؤقت على تفسير يتواصل مع الطبيعة المعرفية والعلمية للعصر ضرورة لاستثمار النص، والانفتاح المنضبط على آفاق الحاضر بواسطة مقاربات تأويلية ضرورة لاستمرارية النص.. وهذا ما يعني أن التفسير تفاعل مع الحاضر، والتأويل انفتاح على الزمن وفي التفاعل والانفتاح تكمن الطاقة الكبرى للنص! ليس ثمة تفسير لا يناقض الحقائق العلمية والمعرفية والاجتماعية بإطلاقية.. ذلك أن هذه الحقائق بحد ذاتها ليست إطلاقية.. فهي إذ تتخذ أو تكتسب صفة (الحقائق) فإنما اعتمادا" على وسائل استدلال وأدوات معرفية خاصة بزمان ما… بمكان ما.. بمعرفة ما.. ولذلك فإن الإنغلاق على التفسير وإغلاق كل المنافذ التي تهبه القدرة على التجدد قتل للنص وشرعنة لتبوأ التفسير مكانه، أي أن النص يصبح في خدمة التفسير بدلاً من أن يكون العكس! والتأويل المنضبط بمنهجية عقلانية.. محاولة رصينة لتوثيق الصلة بين النص والواقع بوقائعه المستجدة.. فالتأويل لحظة حساسة بين زمنين ثقيلين.. أو منطقة وسطى بين منطقتين انحداريتين.. بين الجمود والإنفلات.. بين الموت والإختلاق، وإذ يميل المؤول نحو الجمود فغنما ينهي فعل التأويل ويثبطه، وينحدر به إلى القاع ليتأسّ المعنى.. وإذ يميل نحو الانفلات والاختلاف فإنّه يشتط ويغالي في الانفصال عن النص حتى يفتقد المعنى كل صلة بالنص. كلاّ التفسير والتأويل عمليتان ضروريتان لحياة النص وتفاعله مع المعرفة واستمراره في الحاضر والمستقبل.. ولكل منهما مزالق إذا انحرفا عن غايتهما وفي تحليلهما وبحث صلتهما بأي منهجية تحليل لهذه المنهجية وكشف عن دوافعها وتعرية لجوانبها، فلا نص بدونهما.. ولا هما قائمان بدون منهجية. نشرت في مجلة الفكر العربي/ بيروت نيسان عام 1994
|
|
|