|
كائنات لغز مجهول
وذات يوم وقف رضوان على الممر الذي يفصل بين النار
والجنة.
لم يكن الطريق إليه سهلا ولكنه كان قد أعد للأمر عدته
ولم ينس شيئا. نجعه الصغير الذي لم يرغب في الخروج منه
أبدا كان يقع كمرفأ على بحر شاسع من رمال الصحراء.
مزارعو النجع كلهم من الفقراء يحيطون أراضيهم بفواصل
عريضة من البوص وسعف النخيل يقاومون بها سفي الرمل على
مزروعاتهم. الصحراء تقذف إليهم من جوفها أشياء أخرى
غير الرمال:سلعوات، غيلان، حيات ذات رؤوس، ضباع ذات
أصوات آدمية، صقور صلعاء لها بدل المناقير شفرات
جمال.. بيده قتل رضوان مرة حية ذات ذيول ثلاثة، احتفظ
بها لنفسه طويلا حتى تعفن جسمها، لكن قبل أن يحدث ذلك
كانت ذيولها قد اختفت جميعا دون أن تخلف أثرا.
لم تكن هذه الكائنات جنّا أو من أفاعيل الجن..رأى
رضوان ذلك وهو يتساءل عن حاجة الجن وهم يملئون الهواء
والزرع والصحراء إلى مثل هذه الرسل. كان على يقين من
أن الكائنات العجيبة لا تصل النجع إلا تائهة بعيدا عن
عالمها الذي لا يعرفه أحد، وليس من المفترض أن تتخطى
حدوده هذه الكائنات أو أن يدخل إليها أحد.
كانت فكرة رضوان بسيطة..
النجع الذي ولد به يقع في نهاية العالم. يعرف الجميع
ذلك وهكذا يرددون أيضا. نهاية أي عالم هي بداية لعالم
آخر. رأى رضوان ذلك ونفى أن يكون ما وراء عالم نجعه
الصغير هو عالم الجن، فالجن موجود في كل مكان وعالمه
لا يختلف فيما عدا ذلك عن عالم البشر اختلافا كبيرا.
قاده تفكيره الميتافيزيقي في نهاية المطاف إلى أنه في
مواجهة لغز مجهول، لغز لم تر عين بشر من قبل حلا له.
وبدأ رضوان رحلته. كانت عدته لها بسيطة:عدة تمرات جافة
في قاع سيالة جلبابه، كوز ماء نحاسي بغطاء قماش مربوط
حول الكوز بقطعة دوبارة، سكين صدئ كان يعلم أنه لن
يكون في حاجة له فكل ما يملكه البشر من قوة لن تكفي
للدفاع عنه أمام أدني رغبة تأتيه من قبل العالم
المجهول لتدميره.
حمل رضوان كوز الماء وسكينه الصدئ في يديه ومضى.
كانت أصداء آذان الفجر من مسجد النجع لا تزال تترجع في
أنحاء الصحراء توقف قليلا يلتقط بأذنيه ترانيم الأصداء
المنسابة في اتجاهات مختلفة. كان يطرب لها وتحرك قبل
أن تنهار عزيمته.
لم يسر طويلا. وقت الظهر وبينما كان يستطلع موقع الشمس
في السماء ليحدد الوقت ترددت من بعيد أصداء لآذان
الظهر. استطلع رضوان ما حوله. لم تكن أمامه ولا خلفه
ولا في أي مكان سوى رمال ذات كثبان تتقبب كبطون منتفخة
توشك على التفجر في وجهه بالأسرار الملغزة. وبعيدا
بعيدا، في جهة من الجهات كانت الرمال ترتفع كطود
يستعرض هيئته الفسيحة للعيون.
سار رضوان نحوه مهتديا ببوصلة قلبه. كلما اقترب كانت
تبدو لعينيه أشياء كثيرة:هياكل أشخاص وأشياء تتحرك
كالأطياف، أضواء عجيبة كأضواء القرى في ظلام الليل
الحالك تلمع وتخفت، غبار كغبار أقدام الخيول الراكضة
يهيج ويتلاشى، قطعان سحاب في السماء تقترب وتبتعد في
اتجاه عكسي..
كان رضوان مأخوذا ولم ينتبه في البداية إلى أنه لم يعد
يسير فوق الرمال ولكن في داخلها حتى رأى على سطح الأرض
يعلو على جانبيه كلما تقدم للأمام أكثر. ورأى نفسه
يسير داخل شق رفيع يغوص في باطن الرمال. كانت السماء
تبتعد كلما رفع لها رأسه من داخل حتى بدت خيطا دقيقا
أزرق شاهق البعد.
وتأمل رضوان ما يحدث له.
الرمال فيما يشبه السدين يمشى بينهما أخذت تشف وتسحب
منها ألوانها فأصبحت كحبات زجاج مجروش، حبات زجاج
دقيقة ظلت تلتحم فيما بينها فأصبحت سطحا هائلا من زجاج
شفاف..من اللاشيء.
ورأى رضوان.
رأى أخيرا ولم يتعرف فيما رآه على سر عالمه المجهول أو
شيئا يشبهه. كان كل ما يراه معروفا لديه من قبل حتى
أنه لم يندهش واستوعب المشهد الهائل كله من نظرة
واحدة.
على يمينه كانت جنة بقصورها وصبيانها وحورها وأنهارها
وملائكتها وكل هذه الأشياء. وعلى يساره نار بدركاتها
وبحيراتها النارية وزبانيتها وكل الأشياء الأخرى.
وأناس يتنعمون وآخرون يتعذبون على الجانبين. ورأى
رضوان حلا لمأزق انتظار الناس وقتا طويلا حتى تقوم
القيامة وتحل خلافاتهم. من ثم بدأ يتأمل في التفاصيل.
أناس الجنة لم يكن رضوان يعرفهم. خمن طول الوقت الذي
سيستغرقه من أجل عقد صلات قوية بهم وحجم الأشياء التي
يمكن أن يكتشفها على أيديهم. كانوا أناسا نورانيين
جدا، قضى رضوان وقتا في تأمل وجوههم وحركاتهم البطيئة
التي لم تبد له حركات وإنما سكونا متحركا.
كان يدير ظهره كل هذا الوقت للنار حتى كاد ينسى وجودها
ولم يعرف ما الذي دفعه للنظر إلى خلفه فجأة. واعترته
صدمة قوية. رأى رضوان في النار وجوها كثيرة يعرفها.
بدء بأمه وأبيه الذين رحلا منذ سن مبكرة له وأخوته
ذكورا وإناثا وطائفة كبيرة من عجائز النجع الراحلين في
أوقات متفاوتة.
بكى رضوان..وجد دموعه تنهمر في سهولة لم يعرفها من قبل
أبدا. بكى كثيرا وابتل من الدمع جلبابه، بكى بكى وكان
صوت بكائه يتردد عاليا بين الحوائط الزجاج. وبكى بكى
حتى خرجت دموعه من مسام جسده وأوشكت روحه على الخروج
من خلفها. بكى رضوان وتشقق من هول بكائه الزجاج وارتجت
الجدران متخبطة حتى الانهيار…
وقف رضوان على تخوم نجعه الذي يشبه مرفأ يشرف على بحر
شاسع من الرمال. لم يعد يبكي لكن الدموع كان تترقرق
على حدقتيه كثوب فاضح. هو يعرف الآن مصيره. |