صفحات من الفصل
الثاني من رواية "البقّ والقرصان"
الصادرة عام
1999 باللغتين العربية والإيطالية.
السابعة والنصف. بقيت نصف ساعة.
سأبقى في مكاني ريثما يحين موعد الخروج. ما أقسى أن تستيقظ وحيدا كل
صباح. تفتح عينيك على نفس المناظر. نفس السرير. نفس النافذة. نفس
المنبه. نفس السقف. نفس الباب. نفس الشْكوبّي. نفس الخزانة. نفس
الرائحة. نفس الهواء. ديكور قديم. روتين قاتل. نوم. استيقاظ. عمل.
قطار. ذهاب. رجوع.
مسجد. عرفاوي. الحاجة فضيلة. البرابول. شْكوبّي. الجيران. حياتي تسير
على قدمين ثابتتين. الروتين والوحدة. متى صرت وحيدا؟ الوحدة بدأت مع
زواج فتيحة وذهاب العجوز يمّا إلى بجاية. كانت فتيحة هي القائمة على
شؤون البيت. تتسوّق. تطبخ. تكنس. تغسل. تسهر على رعاية العجوز يمّا
المحاصرة بمرض السكر وضغط الدم والروماتيزم. سبحان الله مغيّر الأحوال.
بعد زواج فتيحة تغيّر كل شيء. أثناء العرس حاولنا نحن الثمانية إيجاد
حل مناسب يضمن الصحة والعافية للعجوز المريضة. بعد التذكير بخطورة
الموقف على طريقة النقابيين. قدّم سليمان اقتراحه. التكفل بالعجوز
بالتتابع 12 شهرا تقسّم على ثمانية.
365
χ 8.
عمله كمحاسب في السونطراك مكّنه من إجراء القسمة بسرعة فائقة.
وقال: «كل واحد يتكفّل بالعجوز 45 يوم في السنة حتى
«.
حتى
فلتة لسان لا تغتفر. ورطة خطيرة. توقف عند «حتى«
ولم يكمل. المسكين بلع الكلمة التالية: تموت. حتى تموت هي الجملة
المفيدة. حاول أن يخفي ورطته بجدية مصطنعة. كانت نظرات العجوز تحمل
أكثر من معنى. ثم أكمل متلعثما: كل واحد منا يستضيفها
يبقيها
يتكفل
لم يجد الكلمة المناسبة. ياله من مأزق. موقف لا يحسد عليه. لكنه يستحق
أكثر. الشّح فيه. هو الذي أراد القيادة والمسؤولية بعد وفاة الشيخ
بابا. «كل واحد
45
يوم«.
هذي المرة إفهم يا الفاهم. لسانك ميزانك. تأتي عندي أولا. ثم تذهب عند
فريدة ثم نعيمة ثم حسينو ثم عبد القادر ثم عبد الرحمان ثم كريم ثم
فتيحة. من الأكبر سنا إلى الأصغر سنا. بعد مناقشة الاقتراح أعفينا أنا
وفتيحة من المشاركة مؤقتا. لا أزال أذكر مرافعة فريدة ونعيمة. «بوه
عليّ بوه! أشكون سمع عن أعزب يسهر على صحة أمه المريضة؟ هذا عمل تقوم
به النساء. حسينو لا يصلح لهذه المهمة. أنتم الأربعة كذلك لا تصلحون
لكنكم متزوجون. فواجب زوجاتكم تحمل هذه المسؤولية بدلا عنكم«.
هذا ما قالته نعيمة يومئذ. نعيمة كما عهدتها دائما لا تخاف أحدا. تقول
ما تراه صوابا ولا تفكر في العواقب. «يا حنوني الأعزب كالصبي يحتاج من
يرعاه. عندما يتزوج حسينو إن شاء الله يتحمل نصيبه من المسؤولية«.
هذا كلام فريدة. فريدة حذرة جدا. تحسب لكل كلمة ألف حساب. ويرجع فضل
إعفاء فتيحة من المشاركة إلى خبرة فريدة ونعيمة. فهما على إطلاع واسع
بأمور الزواج وعقلية الزوج وأم الزوج وأخت الزوج وأب الزوج وأهل الزوج
وأعداء الزوج وأصدقاء الزوج. ذهاب العجوز عند فتيحة في الشهور الأولى
من الزواج ولو لمدة قصيرة ستكون له نتائج وخيمة. وخيمة جدا. الطلاق
مثلا. عندما سمعت العجوز كلمة الطلاق خرجت عن صمتها. وأطلقت صفارة
الإنذار: يا وخذي! يا وخذي! تقول «يا وخذي«
كلما أحسّت بالخطر. ثم إن الزوجة الجديدة تحتاج إلى وقت كاف للسيطرة
على البيت الجديد. كل الانقلابات الناجحة تحتاج إلى وقت كاف. يا وخذي!
يا وخذي! يا وخذي! الطلاق خطر. الطلاق كارثة. المجتمع لا يرحم
المطلّقة. المطلقة سلعة كاسدة. المطلقة سلعة بلا عذرية. بلغة التجار
والسماسرة: باعت عذريتها في الصفقة الأولى للزبون الأول. ولم يبق ما
تبيعه للزبون الثاني. من قال إن القحبة هي الوحيدة التي تستأجر جسدها؟!
يا بو الرب! أريد أن أعرف ما الفرق بين مليكة البلوندا ويسمينة؟ يا له
من سؤال. على من أطرحه؟ على الشيخ عبد الرحمان الجيلالي مفتي الإذاعة
أم الشيخ الطاهر إمام المسجد أم عمي رابح والد يسمينة؟؟؟ واش كان يصير
لو قلت له حينما رفض مصاهرتي وأنا أغادر بيته اللعين: لم أكن أعلم يا
عمي رابح أن بيتك بيت دعارة خمس نجوم! بل واش كان يصير لو صممت على
نهايته آنذاك كأن يصاب بشلل نصفي أو سكتة قلبية أو انسداد فتحة الترمة:
واش حسبت بنتك المصون مريم العذراء أم امرأة لها خمس «ثقبات«
باستطاعتها مضاجعة خمسة رجال دفعة واحدة؟؟؟ لعنة الله عليك يا عمي
رابح. أنا أعرف لا تجوز على الميت إلا الرحمة. هاأنا ذا أدعو عليك
بجهنم. الله يلعنك. الله يلعنك. الله يلعنك. الله يلعنك. الله يلعنك.
الله يلعنك
هاهي لعنات الجمعة تتسابق إلى قبرك. يا طمّاع. يا طحّان.
يا عطّاي. يا بقة ابن القحبة. قلت إن يسمينة صغيرة لم تبلغ بعد سن
الزواج. قلت في نفسي: ما عليش. ما عليش أنتظر. ما
عليش أصبر.
ما عليش
لكن علاش زوّجتها بعد خمسة شهور من تقديمي لخطبتها؟! ألم
تزوّجها لتاجر السيارات الذي يكبرها بعشرين عام؟ حلوف بن حلوف. لعنات
الدنيا كلها لا تكفي يا عمي رابح. لا الموت ولا جهنم ستشفي غليلي. تفو.
تفو. تفو عليك. لماذا لم يكن صريحا معي. فالصراحة راحة. لماذا لم يكشف
كل الأوراق؟ لماذا لم يقل مثلا: «لا تشرفني مصاهرتك لأنك فقير زوالي«؟
لقد حرق قلبي. الله يحرق
آه
أعود إلى سليمان. لم يكن راضيا في صميمه
على القسمة الجديدة. كان منهمكا في تحضير تقرير مفصل لزوجته زهرة. فهو
يخافها كما يخاف الله أو أكثر. رغم ذلك حاول أن يلطّف الجو بمزاحه
الثقيل. «أنا أعارض إعفاء حسينو. العزوبية ليست ذريعة كافية. يجب أن
نرغمه على الزواج في الحين. هيا نزوّجه رغم أنفه. ها ها ها ها ها ها
«.
فضحك الجميع وضحكت معهم. بعد ذلك بدأت إلحاحات فريدة ونعيمة المعتادة.
«لو تشوف يا خويا حسينو بنت جارتي في وهران لقررت الزواج منها في
الحين. أخلاق. جمال. علم.
«
لم أسمع بقية الصفات. «لو تطاوعني يا خويا الصغير وتترك لي مهمة اختيار
العروس لدعوت لي بالخير طول عمرك«.
لو
لو
لو
شُدّو في الخيط. العجوز لم تنطق حرفا واحدا. فهي تعرفني حق
المعرفة. حالتي ميؤوس منها. اشحال ألحّت! اشحال زارت الطلبة والأولياء
الصالحين! في الأخير رفعت يديها إلى السماء وقالت: «مسلّمين مكتّفين يا
حسينو يا وليدي. مسلّمين مكتّفين يا حسينو يا وليدي. مسلّمين مكتّفين
يا حسينو يا وليدي«.
قبل نهاية العرس أعاد سليمان القسمة من جديد. 12 شهرا χ 6. عملية بسيطة
جدا. لا تحتاج إلى خبرة محاسبنا. كل واحد
60 يوم. دون التورّط في
الكلمات القاتلة. لا استضافة. لا تكفل. استضافة العجوز
يعني أنها غريبة. غريبة عند أبنائها. حذار. العجوز تفهمها وهي طايرة.
لكن عقبت الاتفاق صعوبات كبيرة في التنفيذ. فالعجوز لم تطق تسلّط زهرة
زوجة سليمان. ولم تتحمل حرارة الصحراء المرتفعة. فاستنجدت بنعيمة بعد
أسبوعين فقط. فبقيت عندها حتى العيد الكبير. عندما التقينا ناقشنا قضية
العجوز من جديد. العجوز خرجت عن صمتها. بكت. اشتكت. هددت. لامت. بعد
الأخذ والرد قبلنا اقتراح فريدة. «تعيش يمّا حنونتي معي مقابل منحتها
في التقاعد. ومصاريف العلاج والدواء على حساب الرجال«.
العجوز يمّا
الثامنة والنصف! تأخرت. يجب أن أسرع. الطابور لا يرحم.
طابور الخبز يوم الجمعة محنة كبيرة. المليح يروح في لجرارة القبيح. وين
الصابون؟ لو قبلوا بتحديد النسل ما بقينا في الطوابير ساعات وساعات. قل
لي ما ذنبي أنا حتى أتسمّر في الطوابير من أجل لتر واحد من الحليب
وثلاث خبزات. وين
la serviette؟ الناس
عندنا
يتنافسون في استهلاك الخبز والحليب. يجب على
الحكومة أن تتحرك. كأن تحدد كميات الاستهلاك. سبع خبزات وزوج لترات
حليب لكل بيت. لا رحمة ولا شفقة. لا يهم عدد أفراد الأسرة. بهذه
الطريقة يتحدّد النسل من تلقاء نفسه. حملات التوعية لا تنفع في بلادنا
لأنها تخاطب العقول. ما يفيد حقا هي حملات تقشفية تخاطب البطون. ينبغي
الاعتناء بالأسرة القليلة العدد عموما. والعزّاب على وجه الخصوص. لا.
هذا لا يكفي. يجب تكريم العزّاب.
فهم لا يحدّدون النسل فحسب بل لا يفكّرون فيه إطلاقا.
25 مليون. في عام 2000 نصير
40
مليون. الله لا يبارك فينا. وين رايحين؟ لن نجد ما نأكله. هذا قوم
يأجوج ومأجوج.
*****
كم أنا مرتاح بعد هذه القيلولة.
نمت نوما هادئا. صليت صلاة العصر في وقتها. الحمد لله على هذه السكينة.
الله يدوّمها. إن شاء الله. هذه رحمة ربي. الآن حان موعد الغسيل. سأبدأ
بغسل الملابس. ثم أنظّف البيت. الملابس الوسخة ليست كثيرة. لم يبق من
بيتنا القديم إلا نصفه. في الماضي كان واسعا جدا. أربع غرف.
salle de bain. مرحاض. مطبخ. بعد
زواج فتيحة طالب عمي إسماعيل بحقه في البيت. إثر القسمة مباشرة عرض
علينا شراء نصيبه عملا بمبدأ الشفاعة قبل البيع للأغراب. لم يتحمّس
إخواني الذكور لهذه الصفقة. كلهم برّروا موقفهم المعارض للبيعة. قالوا:
«الثمن المطلوب باهظ جدا. واش نعمل بنصف بيت في حوش قديم؟!«
الخ.
الحقيقة أنّهم فكّروا في أنفسهم أولا. لم يكونوا بحاجة إلى غرف في حوش
قديم. كل واحد منهم يملك بيتا خاصا به إلا أنا. لكن ربي خير. من عادة
العجوز يمّا أن تقول أن الله يبارك للرجل المتزوج. وتدعّم ذلك بأسماء
الأزواج المحظوظين الذين فتحت لهم أبواب البركة عقب الزواج. أنا لست ضد
الزواج. لا رهبانية في الإسلام. لو كانت الظروف مواتية ما بقيت أعزبا.
لكن الله غالب. يسمينة! كلّما فكرت في الزواج إلا ويحضرني اسم يسمينة.
يسمينة حبي الأول والأخير. يسمينة يا ولفي! يكذب من ليس له شاهد. لو
كان بلاط هذه الساحة الصغيرة يتكلّم. لو كانت بوابة الحوش العتيقة
تتكلم. لو كانت الجدران تتكلم. لو كانت
الخ. لقالوا عني إننّي قيس هذا
الزمان. في هذا الحوش رأيتها تلعب «لاماري«
مع فتيات الحوش وتغني لدميتها. في هذا الحوش ساعدتها على حل بعض
العمليات الحسابية. وأمسكت لها كراس المحفوظات. كانت تعشق قصيدة بول
إلوار «Libertι
«.
فجأة كبرت. في غمضة عين صارت امرأة. لا أستطيع أن أتصور امرأة دون
ابتسامة يسمينة. دون تسريحة شعرها الطويل. دون ابتسامتها الخجولة. دون
مشيتها. دون
يسمينة هي كل النساء. وكل النساء يسمينة. حاضرة رغم
غيابها. قريبة رغم بعدها
- نهواك نهواك/ ومازلت نهواك/
نهواك نهواك/ والحب يقوى/ والحب يقوى حتى يوم القيامة/ أنا عندي قلب/
بعدك مابقلوش يحب/ غيرك مانديرو في بالي/ مابقيتش نحب/ يا قلبي ما
بقالك تقرب/ يا اللي ظنيتك غزالي/ تعيا وتتعب/ لا لا لا لا لا لا
عمي رابح هو
رأس الأفعى. سأفرغ هذا الماء الوسخ في ثقب المرحاض. في ماذا كنت أفكر؟
آه يسمينة! يسمينة قاومت وصمدت في البداية لكنّها في الأخير استسلمت.
لن أنسى ما حييت دموعها حين جاءت تخبرني بموافقة والدها على زواجها
بتاجر السيارات. يومها بكيت أنا كذلك. أحسست بزلزال رهيب في عقلي. في
قلبي. في جسمي
- راح اللي راح/ ولي فات مات/
والذكريات
لو تركت غسل
الملابس إلى الأسبوع القادم لكان أفضل. فهي كما أرى ليست كثيرة. أغسل
الآن أم لا تلك هي المشكلة. واش حسينو نديرو شادي مادي. شادي مادي قال
لي رأسي أما نأخذ هذه أو هذه. لن أترك الملابس الوسخة تتراكم. سأغسلها
في الحين. الكثير من العزّاب لا يغسلون ثيابهم. يسمينة فقدت الكثير من
جمالها. لقد صدمت لمّا رأيتها في العيد الماضي. في تلك المرة كانت
حاملا أيضا. لحد الآن ولدت خمسة. والبقية تأتي. لو كانت زوجتي لاكتفينا
باثنين. ذكر وبنت. سمير وسميرة. أو جمال وجميلة. أو حكيم وحكيمة. أو
كريم وكريمة. لا. لن نسمي الذّكر كريم. عندنا كريم في العائلة. كريم
واحد في العائلة يكفي. لا أعرف هل يعوّض الله عباده الصالحين الذين
حرموا من الذرية في الآخرة؟ ما أعرفه أنه تعالى يزوجهم بحور العين.
الكثير من حور العين. هل يلدن أم لا؟ هذا لا يهم. ما يهم حقا هو جمالهن
الخارق. جمالهن لا يوصف. لا مارلين مونرو. ولا رومي شنايدر. ولا دليدا.
ولا شمس البارودي. ولا ملكات الجمال في العالم يبلغن جمالهن. ينبغي أن
أعيد حساباتي من الأساس. لا أبد أن أفكر في الأمر جيدا. يجب أن لا أخسر
الدنيا والآخرة معا. هذا حرام حرام حرام. خسارة الدنيا تكفي. لا بيت
محترم. لا سيارة. لا زوجة. لا أولاد. لا
لا
لا
يبدو أن الملتحين
ليسوا أغبياء كما ظننت. إنهم واقعيون. عمليون. أذكياء جدا. في هذه
الدنيا يلعبون ورقة الجنة. إنهم محقّون في مسعاهم. صحيح أنهم لا يؤدون
الزكاة مثل الأغنياء. ولكنّهم يعوّضون ذلك بالنوافل وصوم الاثنين
والخميس. لا شك أن رصيدهم كبير في بنك الحسنات. أواه ندوّرها بولحية
وخلاص! تجفيف الملابس مشكلة عويصة. ليس لي من حل آخر غير نافذة المطبخ.
كلما فتحت هذه النافذة يصدمني وجه حليمة العرّافة. هذه المرأة لا تريد
لي الخير. أتجنّبها قدر المستطاع. اللي يخلّط في الزبل يفوح عليه. لو
كان تحطني في رأسها تْجِبْنِي حْبَلْ. فهي خبيرة في أمور السحر. الحمد
لله ليست هنا
|