الصفحات الأولى من رواية "كيف
ترضع من الذئبة دون أن تعضك"
الصادرة عن منشورات الاختلاف
في الجزائر في عام 2003
قبل أيام
قليلة، لم تكن الساعة قد تجاوزت الثامنة صباحاً، بينما كنت جالساً على
إحدى مقاعد المترو أفرك عينيّ وأقاوم بصعوبة النعاس المترتب على النهوض
المبكر، إذ وقع بصري على شابة إيطالية وهي تلتهم بنهم بيتزا بحجم
المظلة، فأصابني الغثيان، كنت على وشك التقيؤ. حمدت الله أنها نزلت في
المحطة التالية. يا له من مشهد فاحش حقا! ينبغي أن لا يفلت من عقاب
القانون كل من تسوّل له نفسه إزعاج راحة المواطنين الصالحين الذاهبين
إلى عملهم في الصباح والعائدين إلى بيوتهم في المساء. لا شك أن الضرر
الناجم عن أكل البيتزا في المترو يفوق بكثير أضرار التدخين. أرجو أن
ينتبه المسؤولون إلى هذه الظاهرة الخطيرة، فيسرعون إلى وضع لافتة مكتوب
عليها ممنوع أكل البيتزا إلى تلك اللافتات المنتشرة في مداخل وأروقة
المترو والمؤلّفة من كلمتين تثيران سخط الكثير من الناس: ممنوع
التدخين. ثم أريد أن أفهم: كيف يستطيع الإيطاليون التهام هذه الكميات
المعتبرة من العجائن في الصباح والمساء؟
-
...؟
لا! العكس هو
الصحيح: للبيتزا علاقة متينة بالموضوع. أنا أكره البيتزا كرها لا نظير
له، لكن هذا لا يعني أنني أكره كل من يأكلها! هذه الملاحظة في غاية
الأهمية، فلتكن الأمور واضحة من البداية: أنا لا أكن أي عداء
للإيطاليين.
-
... ؟
لم أخرج عن
الموضوع على الإطلاق بل أَمِدِيُو في صلب الحديث. الرجاء أن تصبروا علي
قليلا. لا شك أنكم تعرفون أن أَمِدِيُو هو صديقي الوحيد في روما بل
أكثر من صديق، لا أبالغ إذا قلت إنه في مقام أخي عباس. أنا أحب
أَمِدِيُو كثيرا رغم أنه مدمن على أكل البيتزا! كما ترون، كرهي للبيتزا
لا ينطوي على أي نوع من الحقد على الإيطاليين.
-
... ؟
أعرف! أعرف!
هذه مشكلة أخرى. لا يهم كثيرا إذا كان أَمِدِيُو إيطالياً أم لا. ما
يهم الآن هو أن أتفادى قدر الاستطاعة المشاكل المترتبة عن موقفي الصارم
المعادي للبيتزا. أنا لا أبالغ، قبل أسابيع قليلة فصلوني من عملي كغاسل
الصحون في مطعم قريب من ساحة نافُونا عندما اكتشفوا عن طريق الصدفة
كرهي للبيتزا! أولاد الحرام! بعد هذه الفضيحة تجد من يقول لك إن حرية
الأكل والتعبير والاعتقاد والديمقراطية مكفولة في هذا البلد! أريد أن
أعرف: هل يعاقب القانون من يكره البيتزا أم لا؟ إذا كان الجواب
بالإيجاب؛ فهذه فضيحة لا يمكن التستّر عليها، أما إذا كان الجواب
بالسلب؛ فمن حقي أن أرفع قضية لأحصل على تعويض.
-
... ؟
لا داعي
للاستعجال. اسمحوا لي أن أقول لكم: عيبكم الكبير هو الاستعجال. التسرّع
هو شعاركم اليومي، تشربون فنجان القهوة كما يفعل الكُوبُوي بكأس
الويسكي، بينما القهوة كالشاي؛ ينبغي أن لا يصب المشروب في الجوف دفعة
واحدة بل على جرعات. أَمِدِيُو كالشاي الساخن في يوم بارد.
-
...؟
بل أَمِدِيُو
كالفاكهة تماما تؤكل في آخر المطاف بعد الانتهاء من المشهيّات أي
لانْتِيباسْتي المتمثلة في لابْروسْكيتا بالطماطم أو بالزيتون ثم الطبق
الأوّل أي البْرِيمُو الذي يشمل على العجائن المتنوعة التي لا أطيق
رؤيتها من سباغيتي ورفْيولي وفِيتوشيني ولازانيا إلى آخر القائمة ويليه
الطبق الثاني أي السِكُنْدُو الذي يحتوي على الخضراوات مصحوبة باللحم
الأحمر أو الدجاج أو السمك. هذه بعض المعلومات التي جمعتها من خلال
عملي المتقطّع في المطاعم الإيطالية. أنا أحب الفاكهة كثيرا، فلا غرابة
في تشبيه أَمِدِيُو بالفاكهة. فلنقل إنه حلو وطيب كالعنب وما أحلاك يا
عصير العنب!
-
...؟
هل هو إيطالي
أم لا؟ لا فائدة ترجى من هذا السؤال؛ النفي أو الإيجاب لن يحل المشكلة.
ثم ما أدراك من هو الإيطالي؟ من ولد في إيطاليا، أو من يملك جواز سفر
وبطاقة تعريف إيطالية، أو من يتقن اللغة الإيطالية، أو من يحمل اسماً
إيطالياً، أو من يسكن في إيطاليا؟ المسألة كما ترون معقدة جدا.
-
...؟
لم أقل إن
أَمِدِيُو لغز يحيّر العقول. إنه كرباعيات الشاعر الكبير عمر الخيام،
تحتاج إلى سنوات طويلة لإدراك مغزاها، عندئذ ينفتح قلبك على العالم
وتفيض دموعك لتدفئ خديك الباردين. الآن على الأقل، يكفي أن تعرفوا أن
أَمِدِيُو كان يتقن الإيطالية أحسن من ملايين الإيطاليين الذين ينتشرون
كالجراد في ربوع المعمورة.
-
... ؟
أنا لست
مخمورا. لم أقصد بهذا الوصف إهانتكم. أنا لا أحتقر الجرادة بل احترمها
كثيرا فهي تبحث عن لقمة العيش بكرامة دون الاعتماد على أحد. ثم ما ذنبي
إذا كان الإيطاليون متعلقين بمتعة السفر والهجرة؟ الأمر الذي يدعو إلى
الإعجاب حقاً هو إتقان أَمِدِيُو للإيطالية. لا يزال يتملّكني العجب
كلما أستمع إلى تصريحات بعض السياسيين الإيطاليين في نشرات الأخبار
والحصص التلفزيونية. فلنأخذ على سبيل المثال رُوبِرْتُو بُوسُوسُو.
-
...؟
ألا تعرفون من هو رُوبِرْتُو
بُوسُوسُو؟! إنه زعيم حزب "الشمال" الذي يعادي المهاجرين المسلمين!
كلما أسمع صوته يراودني الشك وتستبدّ بي الحيرة، فالتفت حولي وأسأل أول
من تقع عليه عيني: "هل اللغة التي يتكلّمها بُوسُوسُو هي الإيطالية
حقاً؟". لحد الآن لم أعثر على جواب مقنع، وبالرغم من كل هذا كثيرا ما
يقال لي: "أنت لا تعرف الإيطالية" أو "عليك أن تحسّن لغتك أولا" أو
"آسف مستواك اللغوي منخفض جدا"،…الخ.
عادة ما أسمع هذه الكلمات المهينة عندما أبحث عن العمل في المطاعم قبل
أن أُرمى في المطبخ لغسل الصحون! "يبدو أن اللغة الوحيدة التي تتقنها
يا عزيزي بارْوِيز هي غسل الصحون". هكذا يحلو لسْتِيفانْيا استفزازي
والسخرية مني. لا شك أني خيبت أملها، فهي أول من لقنتني أو بالأحرى
حاولت تلقيني أصول الإيطالية. أنا لست أَمِدِيُو هذا واضح وضوح النجوم
في سماء شيراز الصافية. لكن يؤسفني أن أقول لكم: لست الوحيد الذي لا
يتقن الإيطالية في هذا البلد!. لقد التقيت في مطاعم روما بالكثير من
الشبان الإيطاليين القادمين من نابولي وكلابْريا وسارْدينيا وصقلية
وباري وغيرها من المدن الجنوبية، واكتشفت أن مستوانا اللغوي متقارب
جدا. كم كان مارْيُو طباخ محطة تِرْمينِي محقا، كان يقول دائما: "أرى
نابولي أولا، ثم أموت! تذكّر يا بارْوِيز أننا كلنا أجانب في هذه
المدينة". لم أر في حياتي كلها رجلا مثله، يشرب الخمر كالماء تماما؛ لا
يؤثّر فيه أبدا. في إحدى المرات...
-
... ؟
أنتم على حق، سأحدّثكم عن
مارْيُو النابوليتاني في مناسبة أخرى. ما يهمكم الآن هو معرفة كل شيء
عن أَمِدِيُو. يبدو أنكم ستبدءون العشاء بالفاكهة مباشرة، هذا من حقكم.
ألا يقال إن الزبون هو الملك! لا أزال أذكر المرة الأولى التي رأيته
فيها. كان يجلس على إحدى المقاعد الأمامية القريبة من السبُّورة،
فاقتربت من المقعد الشاغر المجاور لمقعده، ابتسمت له وجلست بعد أن قلت
له الكلمة الإيطالية الوحيدة التي كنت أعرفها: تْشَاوْ! هذه الكلمة
مفيدة جدا للتحيّة تقال سواء عند الالتقاء أو الافتراق. هناك كلمة أخرى
لا تقل أهمية هي "كاتْسُو!" وتستخدم للتعبير عن الغضب وتهدئ الأعصاب
كثيرا، وهي ليست حكرًا على الرجال دون النساء. حتى العجوز البوابة
بِنِدِتا تكثر من استعمالها بلا حياء، بالمناسبة العجوز بِنِدِتا هي
البوابة التي تشرف على العمارة التي يقيم فيها أَمِدِيُو في ساحة
فِيتُورْيو، من عادة هذه الملعونة الاختباء وراء المصعد وهي كلها عزم
واستعداد للتشاجر مع كل من يهم باستعماله. أنا أعشق المصعد، لا أستعمله
بدافع الكسل وإنما من أجل التأمل. تضع إصبعك على الزِر دون أي جهد،
تصعد إلى الأعلى أو تنزل إلى الأسفل، قد يتعطّل وأنت قابع فيه، إنه
كالحياة تماما لا يخلو من العطب؛ تارة أنت في الأعلى وتارة أخرى في
الأسفل: كنت في الأعلى... في الجنة... في شيراز سعيدا مع زوجتي وأولادي
أما الآن، فأنا هنا في أسفل المستنقع…
في الجحيم أقاسي حرقة الحنين والفراق. تعوّدت مع مرور الوقت على ممارسة
هذه الهواية الجميلة، أي هواية الصعود والنزول، فهي رياضة ذهنية
كاليوغا غير أن بِنِدِتا تترصّدني كقطة شرسة، ما إن أضع قدمي في المصعد
حتى تصرخ في وجهي: وايّو! وايّو!
- ... !
"وايّو" هي
كلمة بِنِدِتا المحببة، لا شك أنكم تعرفون أن "وايّو" تعني "كاتْسُو"
بالنابوليتانية. هكذا أكّد لي الكثير من النابوليتانيين الذين عملت
معهم. كلما رأتني متوجهاً نحو المصعد، تطلق العنان لحنجرتها: وايّو!
وايّو! وايّو! من عادتنا في إيران احترام الشيوخ والعجائز وتجنّب
الألفاظ البذيئة، لهذا السبب عوض أن أرد على الإساءة بالإساءة وأنهال
عليها بالشتائم كما يفعل الكثيرون، أكتفي بالردّ عليها قائلا:
"مِرْسِي!"، أتركها وأنصرف دون أن ألتفت إليها. بالمناسبة هل تعرفون أن
"مِرْسِي" كلمة فرنسية تستخدم للشكر؟ أَمِدِيُو هو الذي أخبرني بذلك
فهو يعرف الفرنسية معرفة جيدة.
-
... ؟
تعرفت عليه في
إحدى المدارس المجانية لتعليم الإيطالية للأجانب في ساحة فِيتُورْيُو،
كان ذلك عقب وصولي إلى روما بقليل. كان أَمِدِيُو متميزا عن الجميع
بمداومته على دروس سْتِيفانْيا دون أن يفوّت درسا واحدا. لم أفقه سر
هذا الاجتهاد والتفوق في حينه. لكن العشق كالشمس الساطعة، يستحيل تجاهل
أشعته الحارقة، العشق توأم الشباب، صدق المثل الفارسي القائل: سكر
الشباب أقوى من سكر الخمر! بعد شهور قليلة قرر أَمِدِيُو الانتقال
للعيش مع سْتِيفانْيا في شقتها المطلة على حديقة ساحة فِيتُورْيو، كما
انقطع عن الحضور إلى المدرسة لأنه لم يكن بحاجة إلى دروس المبتدئين
مثلي، لكننا بقينا على اتصال دائم، كنا نلتقي يوميا تقريبا في بار
سانْدْرو لتناول الكابُوتْشِينُو والشاي. سانْدْرو شخص طيب لكنه سريع
الغضب، يكفي أن تقول له: "تحيا لاتْسيو!"، لترى الشرر يتطاير من لسانه،
أما إذا رآك تحمل رمزا يدل على أنك من أنصار لاروما، فإنه يعاملك
معاملة متميّزة تليق بصديق حميم. في إحدى المرّات سألني هل يوجد أنصار
لاروما في إيران؟ قلت له بالتأكيد فأخذني في حضنه.
-
... ؟
طبعا كنا نلتقي
في بيته أيضا، أنا متعلق بمطبخه الصغير، إنه المكان الوحيد الذي يدخل
الاطمئنان إلى قلبي المجروح. عندما أتذكر أطفالي الصغار شادي وسعيد
وصُهراب وعمر وزوجتي زينب أحزن كثيرا. أقول في نفسي: أين هم الآن؟ لا
شك أنهم مشردون في مكان ما. أنا مشتاق لتقبيلهم واحتضانهم جميعا. وحدها
الدموع المتدفقة على خديّ وزجاجات "كيانْتي" تطفئ نار الشوق والحنين.
أبكي كثيرا وأشرب أكثر لأنسى المصائب التي حلّت بي. تعوّدت على الجلوس
يوميا قرب النافورة المقابلة لمدخل كنيسة سانْتا مارِيا ماجُورِي إمّا
لإعطاء القمح للحمام أو للبكاء. لا أحد يستطيع أن ينتزع من يدي زجاجة
"كيانْتي" إلا أَمِدِيُو، إنه الوحيد الذي يجرأ على إخراجي من جحيم
الحزن، يجلس بجانبي صامتا، يتركني أبكي وأشرب لدقائق معدودة، ثم فجأة
ينهض كأن حية لسعته ويقول لي بصوت مضطرب: "يا الهي تأخرنا! يجب أن
نحضّر الأكل، اليوم حفلة سْتِيفانْيا، هل نسيت يا بارْوِيز؟" إنه يكرّر
دائما الكلمات ذاتها وبنفس النبرة والجدية، أنظر إليه وأضحك إلى حد
الإنهاك، ويساعدني الضحك على التنفس ويبعدني شيئا فشيئا عن الاختناق.
في هذه الأثناء ينهال علي أَمِدِيُو بنكت مضحكة جدا، فنضحك كمجنونين
على مرأى السياح. قبل أن نذهب إلى بيته، نمر على بقالة إقْبَال
البنغالي في ساحة فِيتُورْيو لشراء لوازم الحفلة مثل الأرز والدجاج
والتوابل والفواكه وزجاجات البيرة والخمر. بعد أن أستحم وأغير ملابسي،
يفتح لي أَمِدِيُو باب المطبخ قائلا: "مرحبا بك في مملكتك يا ملك
الفرس!" ثم يغلق الباب ويتركني وحدي ساعات طويلة. أشرع دون تأخير في
تحضير أطباق إيرانية متنوعة مثل غورْمة سَبْزي وبره كَباب وكشك
بادِمْجال وبورَاني كدُو. الروائح التي تعم المطبخ تنسيني الواقع
ومشاكله وأتخيّل نفسي في مطعمي في شيراز، في غضون دقيقة أو دقيقتين
تتحوّل رائحة التوابل إلى بخور مما يدفعني إلى الرقص والإنشاد
كالدراويش: حي! حي! حي! هكذا ينقلب المطبخ في دقائق معدودة إلى حضرة
صوفية! عندما أنتهي من الطبخ أفتح الباب وأجد الضيوف ينتظرون في
الصالون، ولحظتها تبدأ الحفلة.
-
... ؟
لكل شخص مكان يرتاح فيه، هناك
من يجد راحة البال في الكنيسة أو في المسجد أو في المعبد أو في السينما
أو في الملعب أو في السوق، أما أنا فأرتاح في المطبخ. فلا غرابة في
ذلك، فأنا طباخ ماهر ورثت أصول الطبخ أبا عن جد ولست غاسل صحون كما هو
شائع عنّي في مطاعم روما. كنت أملك مطعماً جميلاً في شيراز، لعن الله
من كان وراء ضياعي، في رمش العين فقدت كل شيء؛
الأهل والبيت والمطعم والمال. قيل لي أكثر من مرة إذا أردت أن تشتغل
طباخاً في إيطاليا، يجب عليك أن تتعلّم أصول الطبخ الإيطالي. ما حيلتي!
لا أطيق رؤية البيتزا والسْباغِيتي وأخواتها. ثم ما الفائدة من تعلّم
الطبخ الإيطالي! أنا لن أبقى طويلا في روما، بعد زمن قصير أعود إلى
شيراز، فأنا متأكد من ذلك.
 |