|
هل إسرائيل ملزمة بتطبيق القانون الدولي
الإنساني؟
أصدرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر تصريحاً صحفياُ في
18/2/2004 تندد فيه بالسور الفاصل الذي تبنيه إسرائيل في
الضفة الغربية وتدعوها لوقف تلك الأعمال وهدم ما تم بناؤه إذ
أن ذلك السور يخالف القانون الدولي الإنساني وذلك، أولاً، "
لأنه يحرم آلاف الفلسطينيين من الوصول الملائم إلى الخدمات
الأساسية كالماء، العناية الصحية والتعليم ومن مصادر الدخل
مثل الزراعة وغيرها"؛ ثانياً، "لأنه سيتم عزل مجموعة من
الفلسطينيين عن باقي المجتمع الذي ينتمون إليه أصلاً"؛
ثالثاً، "لأنه يعني السيطرة على أملاك الفلسطينيين وتدمير
بناياتهم وأراضيهم الزراعية". في الوقت الذي اعتبرت فيه
إسرائيل هذا التصريح سياسياً لأنه صدر قبل أقل من ثلاث أيام
من بدأ المرافعات في محكمة العدل الدولية. في الواقع بدأت
المرافعات في محكمة العدل الدولية في 23 شباط بتغيب من
إسرائيل والولايات المتحدة والدول الأوروبية وستبت المحكمة
في "النتائج القانونية للسور الفاصل" على ضوء القانون
الدولي. وقد تم الإشارة بشكل صريح إلى اتفاقيات جنيف الرابعة
لعام 1949 سواء في قرار طلب الاستشارة دإط (10/14) أو في
قرار إدانة السور الفاصل (دإط 10/13). وفي هذه المناسبة
رأينا أنه من الضروري أن نُعرِّف القانون الدولي الإنساني
وتوضيح الوضع القانوني للأراضي الفلسطينية بحسب القانون
الدولي بالإضافة إلى الطريقة التي تتعامل فيها إسرائيل مع
القانون الدولي قبل أن نجيب على التساؤل الذي نطرحه هنا: "هل
إسرائيل ملزمة بتطبيق القانون الدولي الإنساني؟".
تعريف القانون الدولي الإنساني
منذ العصور القديمة كانت هنالك رغبة – بدافع ديني أو حتى
فلسفي- بجعل الحرب أكثر إنسانية. في كتاب "فن الحرب" للصيني
سون زي (القرن الخامس قبل الميلاد!) نجد أقدم النصوص لما
يمكننا تسميته اليوم القانون الدولي الإنساني. في الوقت الذي
فرض الدين اليهودي والمسيحي والإسلامي تحديدات أثناء الحرب
وخصوصاً تجاه المدنيين، و والأطفال والنساء وكبار السن؛ كما
أن فلاسفة عصر الاستنارة اعتمدوا مبدأ الكرامة الإنسانية
وبالتالي قاموا تدريجياً بوضع الحدود لسلطة الدولة حتى خلال
فترة السلم. الهدف من وراء ذلك هو: أولاً، التخفيف من معاناة
ضحايا النزاعات المسلحة التي تقع تحت سيطرة قوات العدو؛
ثانياً، السيطرة على أعمال اعنف؛ ثالثاً، التخفيف من أضرار
الحرب السيئة جداً. لكن انطلاقة القانون الدولي الإنساني
بمفهومه المعاصر كانت خارج الدين والفلسفة واعتماداً على
مبدأ "الحياد" إذ أنه يتم اعتبار آلام البشر فقط بغض النظر
عما كان يقوم به الشخصُ الذي يتم إسعافه. كان ذلك بفضل
كتابات رجل الأعمال السويسري هنري دونان الذي تأثر من الدمار
الذي تركته معركة سولفيرين التي انتصر فيها الفرنسيون على
النمساويين (40 ألف قتيل وجريح) فكتب "ذكريات سولفرين" التي
كانت دافعاً لتأسيس الصليب الأحمر سنة 1863 وبداية ما كان
يسمى "قانون جنيف" سنة 1864. هنالك أيضاً "قانون لاهاي" أو
ما يسمى "قانون الحرب" والذي يعود إلى إعلان بيترسبورغ لسنة
1868 والاتفاقيات التي تلتها والتي تسري على الدول أثناء
الحرب.
بعد سنة 1945 بدأ استعمال مصطلح "القانون الدولي الإنساني"
والذي يجد مصدره في قانون جنيف ولاهاي وأصبح هذا المصطلح
رسمياً في السبعينات بعد تبني البروتوكولين الإضافيين سنة
1977 ليكملا اتفاقيات جنيف الأربعة لسنة 1949 والتي وسعت
الحماية على المدنيين أثناء الحروب "الداخلية" أيضاً لدرجة
إلزام الدول بتطبيق القانون الدولي الإنساني أثناء الحروب
الدولية أو الداخلية. الفرق بين قانون لاهاي وقانون جنيف هو
أن الأول يخص الدول في حال نزاع دولي -وهي تحدد استعمالها
لأنواع معينة من الأسلحة مثلاً- وهدفها هو تجنب الآلام
"الغير ضرورية" للبشر والتي يمكن تجنبها؛ بينما تخص الثانية
حماية الأفراد في حال نزاع دولي أو محلي وتسعى لتوفير
الحماية للمدنيين والتعامل الإنساني مع السجناء والجرحى.
القانون الدولي الإنساني هو إذن –بحسب تعريف اللجنة الدولية
للصليب الأحمر- "عبارة عن مجموعة من القواعد التي تحمي، في
أوقات الحرب، الأشخاص الذين لا يشاركون في القتال أو لم
يعودوا قادرين على المشاركة فيه. والهدف الأساسي لهذا
القانون هو الحد من معاناة الإنسان وتفاديها في النزاعات
المسلحة. وليس على الحكومات وقواتها المسلحة وحدها أن تلتزم
بهذا القانون، بل على جماعات المعارضة المسلحة وأي أطراف
أخرى في النزاع أن تلتزم به أيضاً. وتعد اتفاقيات جنيف
الأربعة لعام 1949 بالإضافة إلى بروتوكوليها الإضافيين لعام
1977 أهم صكوك القانون الإنساني".
الوضع القانوني للأراضي الفلسطينية
في رسالة وجهها السفير الفلسطيني لدى الأمم المتحدة (جنيف)،
السيد نبيل رملاوي، في30/9/2003 إلى رئيس لجنة حقوق الإنسان
ضمن التحضيرات للمؤتمر الستين لحقوق الإنسان الذي سيعقد في
جنيف بين 15 آذار و23 نيسان، نقرأ: "من الضروري أن نذكر بأن
إسرائيل تشير إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة بمصطلح
(الأراضي) دون أي تحديد، وهي تخالف كل قرارات مجلس الأمن
الدولي والجمعية العامة ولجنة حقوق الإنسان منذ احتلال
إسرائيل لتلك الأراضي بالقوة عام 1967 إذ تعتبرها (أراضٍ
محتلة)"؛ واعتبر استعمال مصطلح "الأراضي المتنازع عليها" من
قبل السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة "كذبة إسرائيلية
مختلقة هدفها التحايل على الرأي العالمي، وفرض مصطلح وواقع
على الأرض تخالف حقيقة الأشياء". أما دوافع إسرائيل وراء رفض
اعتبار الأراضي الفلسطينية أراضي محتلة، فهي –بحسب السفير
الفلسطيني: أولاً، رغبة إسرائيل "بالتهرب من مسؤولياتها
كسلطة احتلال"؛ ثانياً، "لتجنب إعادة تلك الأراضي إلى
أصحابها الأصليين".
أما الجمعية العامة فقد أكدت في عدة قرارات لها بأن اتفاقيات
جنيف وبروتوكوليها الإضافيين يطبق على الأراضي الفلسطينية
أيضاً، آخذين بعين الاعتبار نتائج لقاء الخبراء لمناقشة
مشاكل تطبيق اتفاقية جنيف الرابعة بمبادرة من الحكومة
السويسرية بين 27-29/10/1998؛ ومن هذه القرارات نذكر على
سبيل المثال لا الحصر قرار الجمعية العامة 56/60 المؤرخ
10/12/2001 الذي يؤكد "من جديد أن اتفاقيات جنيف المتعلقة
بحماية المدنيين وقت الحرب... تنطبق على الأراضي الفلسطينية
المحتلة بما فيها القدس، وعلى الأراضي العربية الأخرى التي
تحتلها إسرائيل منذ عام 1967".
كيفية تطبيق القانون الدولي الإنساني في إسرائيل
يشير الدكتور أنيس القاسم في أحد مقالاته حول النظام
القانوني في فلسطين إلى قرارٍ أصدره الحاكم العسكري
الإسرائيلي في 7/6/1967 (القرار رقم 3) والذي ينص بأنه "على
المحكمة العسكرية... تطبيق نصوص اتفاقية جنيف الرابعة
المؤرخة 12/8/1949 لحماية المدنيين أثناء الحرب بما يتعلق
بالمرافعات القضائية". لكن هذا القرار تم إلغاؤها بالقرار
رقم 144 الصادر في 22/10/1967 وبالتالي تم نزع حماية جنيف
الرابعة عن المدنيين الفلسطينيين. في الواقع، ترفض إسرائيل
تطبيق اتفاقيات لاهاي قانونياً (de
iure)
وتبرر ذلك بكون تلك الأراضي التي سيطرت عليها إسرائيل سنة
1967 من غير سيادة وبالتالي فإن السلطات الإسرائيلية تديرها
فقط بسبب غياب صاحب سيادة. كذلك ترفض محكمة العدل العليا
الإسرائيلية تطبيق اتفاقيات جنيف الأربعة لسنة 1949
والبروتوكولين لسنة 1977 قانونياً على الأراضي الفلسطينية.
في الوقت نفسه، تشدد محكمة العدل العليا الإسرائيلية على
ضرورة تطبيقها عملياًَ (de
facto)
على المدنيين؛ الفرق بين "قانونياً" و"عملياً" هو أن المحاكم
الإسرائيلية لا يمكنها أن تراجع قضائياً أعمال السلطة
التنفيذية بما يخص تطبيق تلك الاتفاقيات. في الواقع، طالبت
الجمعية العامة أكثر من مرة "بأن تعترف إسرائيل بالانطباق
القانوني للاتفاقية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها
القدس، وفي الأراضي العربية الأخرى التي تحتلها إسرائيل منذ
1967 وأن تتقيد بأحكامها" (مثلاً، قرار 56/60 المؤرخ
10/12/2001).
في الواقع، قامت محكمة العدل العليا الإسرائيلية بتبني
النظام "المزدوج" فيما يخص العلاقة مع القانون الدولي، هذا
يعني بأن المحاكم الإسرائيلية تميز -بحسب التقليد
الأنجلوساكسوني- بين القانون الدولي العرفي والقانون الدولي
الذي ينشأ عن الاتفاقيات بين الدول. وسبب تبني النظام
المزدوج بحسب أحد أشهر فقهاء القانون الإسرائيلي (Benvenisti)،
هو مبدأ الفصل بين السلطات. لكن الكاتب نفسه يؤكد بأن قرار
محكمة العدل العليا الإسرائيلية كان سياسياً إذ أنها كانت
ترغب في البداية بتبني الأسلوب "الوحدوي" بخصوص القانون
الدولي إلا أن اعتبارات أمنية طرأت وأجبرتها لتبني ذلك
القرار الذي يترك للسلطة التنفيذية مجالاً أوسع للتصرف. هذا
يعني بأن القانون الدولي العرفي (الالتزامات الواردة في
اتفاقيات لاهاي مثلاً) تصبح جزءاً من النظام الداخلي مباشرة
وهي ملزمة دون الحاجة إلى قانون إلا إذا تعارضت مع قانون
داخلي بينما لا يكون القانون الدولي الناتج عن اتفاقيات
دولية (مثل اتفاقيات جنيف الأربعة والبروتوكول الأول والثاني
مثلاً) نتيجة قانونية إذا لم يتم تثبيته في قانون داخلي.
إن المعاهدات الدولية تسري على الدول التي تتبناها فقط بحسب
القاعدة التي تنص بأن "المعاهدة لا تلزم الدول الأخرى". لكن
بعض المعاهدات تستمد نصوصها من القانون الدولي العرفي، وهذا
الأخير ملزم لكل الدول وبالتالي فإن كون بعض النصوص قد تم
تبنيها في معاهدة لا يعني بأن القانون العرفي لم يعد ملزماً
بل على العكس إذ أن الدول التي تبنت المعاهدة ملزمة بحكم
القانون الدولي العرفي والتي تم تقويتها باتفاقيات دولية
بينما تبقى الدول الأخرى ملزمة وذلك بحكم القانون الدولي
العرفي. المشكلة هنا تمييز نصوص المعاهدات التي تعبر عن
قانون عرفي، وهذا –بحسب رأيي- لا يجب تركه إلى تفسير الدولة
الأحادي الجانب بل إلى لجنة من المختصين في القانون الدولي.
في الوقت نفسه هنالك ظاهرة حديثة نسبياً وهي تقنين القانون
الدولي التدريجي عن طريق معاهدات متعددة الأطراف؛ وبالتالي
فإن بعض المعاهدات الدولية قد تساهم في نشر وتطبيق القانون
الدولي لدرجة أن تصبح بعض القواعد فيه عرفية مع الزمن وهذا
ممكن إن تم تطبيقها من قبل معظم الدول واعتبارها ملزمة بغض
النظر عن المعاهدة نفسها. هذا يعني بأن بعض نصوص اتفاقيات
جنيف تعكس القانون الدولي العرفي أو ساهمت في خلق قانون عرفي
جديد (مثلاً، بما يخص معاملة المدنيين أثناء الحرب) وهي
ملزمة لإسرائيل ويجب أن تطبقها المحاكم الإسرائيلية مباشرة
دون الحاجة إلى ترجمتها إلى قانون داخلي.
هل يوجد ما يبرر السور الفاصل الذي تبنيه إسرائيل في الأراضي
الفلسطينية؟
إن إسرائيل هي سلطة احتلال بحسب القانون الدولي وبحسب قرارات
مجلس الأمن والجمعية العامة وبالتالي فإن القانون الدولي
الإنساني يطبق على الأراضي الفلسطينية ومنها اتفاقية جنيف
الرابعة. أما السور الفاصل فهو يخالف القانون الدولي بغض
النظر عن معارضة إسرائيل وأمريكا (وبعض الدول الأخرى)
وامتناع الدول الأوروبية عن التصويت على قرار تقديم طلب
استشاري لمحكمة العدل الدولية. إن موقف الدول الأوروبية
وغيرها لا يرتبط باعتبارات قانونية بل سياسية بحتة والدليل
على ذلك هو أن أوروبا اعتبرت السور الفاصل مخالفاً للقانون
الدولي وصوتت مع القرار (ملاحظة هامة: تم تقديم القرار من
قبل إيطاليا باسم الإتحاد الأوروبي). من ناحية أخرى، يبدو أن
موقف إسرائيل تجاه السور يدعم موقفنا هذا بشكل غير مباشر إذ
أن إسرائيل تبرر السور بكونه ضروري لحماية المواطنين
الإسرائيليين من الهجمات الانتحارية، وكأن إسرائيل تقول
للعالم: أعلم أن القانون الدولي الإنساني ملزماً، وأعلم أنه
يطبق على الأراضي الفلسطينية وأعلم أن السور مخالف له لكن
ذلك ضروري لحاجة أمنية.
وهنا نود أن نطرح ثلاث تساؤلات وثلاث تحفظات: أولاً، هل
سيوفر السور الفاصل الأمن لإسرائيل فعلاً؟ (لنا تحفظ: الأمن
يتحقق فقط بإنهاء الاحتلال والسور يثبته!) ثانياً، إن
افترضنا أنه سيوفر الأمن فهل من الضروري أن يقتطع أراضي
الضفة الغربية؟ (لنا تحفظ: إن كان السور شراً لابد منه،
فيمكن بناؤه بما يطابق الخط الأخضر!) ثالثاً، وإن افترضنا إن
ذلك السور بمخططه الحالي ضروري للأمن فهل هذا يبرر هذا قيام
إسرائيل بمخالفة القانون الدولي الإنساني؟ وهنا نترك الكلام
إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي أدانت العمليات
الانتحارية واعترفت بحق إسرائيل بالدفاع عن نفسها لكنها
أضافت بأن ذلك لا يمنح إسرائيل الحق "بتجاوز التزاماتها
كدولة محتلة بحسب القانون الدولي الإنساني".
خاتمة: هل إسرائيل ملزمة بتطبيق القانون الدولي الإنساني
وكيف؟
ليس لاعتراف إسرائيل أو عدمه تأثيراً على وضع الفلسطينيين
وأراضيهم القانوني (موقف القانون الدولي واضح: الأراضي التي
تم احتلالها عام 1967، ومنها القدس الشرقية هي أراضي محتلة)
ولكنه يؤثر على مدى إمكانية أو سهولة تطبيق القانون الدولي
الإنساني (سواء العرفية أو المتفق عليها) على الأراضي
الفلسطينية؛ ومن هنا فإن اعتراف الدولة بكونها سلطة احتلال
يكون عادة بمثابة "إظهار حسن النية" لتطبيق المعاهدات
الدولية على السكان والأراضي التي وقعت تحت سلطتها. إن
اعتراف الدولة المعنية إذن يصبح ضرورياً لتطبيق القانون
الدولي الملزم في نظامٍ عالمي يخلو من سلطة مركزية تطبقه
بالقوة إن لزم؛ وإن وُجدت بعض الوسائل لفعل ذلك (مثلاً عن
طريق مجلس الأمن) إلا أن تلك ترتكز على المصالح المشتركة
والعلاقات بين الدول وليس على القانون الدولي، مسببة
ازدواجية في المعايير وفي التعامل مع المخالفات الواضحة
للقانون الدولي الإنساني؛ وهذا يبرر قيام الجمعية العامة
بإدانة إسرائيل أكثر من مرة بينما يتم إيقاف أي مشروع قرار
"غير مناسب" في مجلس الأمن بواسطة الفيتو الأمريكي.
في الوقت نفسه هنالك ظاهرة معاصرة وهي ترتبط بتطور القانون
الدولي الإنساني وهو أساس تطوير فكرة المحكمة الجنائية
الدولية لمعاقبة المجرمين الدوليين؛ وبما أن الرأي الاستشاري
الذي ستصدره محكمة العدل الدولية ليس ملزماً لإسرائيل
قانونياً فهل يمكن ملاحقة إسرائيل قضائياً أمام المحكمة
الجنائية الدولية؟ بحسب اتفاقية روما، سلطة المحكمة محصورة
بالجرائم التي تحصل بعد دخول المحكمة حيز التنفيذ (1/7/2002)
وبالدول الأعضاء في تلك المعاهدة (أي أن تكون الجرائم قد
وقعت في أرض تلك الدولة أو أن يحمل الشخص الذي تتم ملاحقته
مواطنة تلك الدولة العضو)؛ وبما أن إسرائيل لم تتبنى تلك
المعاهدة (ملاحظة هامة: الدولة العربية الوحيدة التي تبنت
تلك الاتفاقية هي الأردن!) فإنه من غير الممكن ملاحقتها في
المستقبل قضائياً أمام المحكمة الجنائية الدولية. لكن هنالك
مخرج واحد وهو أن يقوم مجلس الأمن بتحويل قضية معينة إلى
المحكمة الجنائية الدولية حتى ضد دولة غير عضو في معاهدة
روما؛ هذا الحل يصطدم بنظام عمل مجلس الأمن الدولي الحالي
والذي يتطلب عدم رفض الدول الدائمة الأعضاء! هذا سيقود
بالضرورة إلى ما بدأنا فيه حديثنا هنا، وهو ازدواجية
المعايير وذلك لتغلب مصالح الدول على حرصها على تطبيق
القانون الدولي.
ما العمل إذن؟ يبدو أنه من غير الواضح كيف سيتم إلزام
إسرائيل بتطبيق القانون الدولي الإنساني، لكن من المؤكد بأنه
لن يكون عن طريق المؤسسات الدولية الحالية. فهل يمكننا أن
نلجأ إلى طرق أخرى بديلة؟ وهنا أقترح على الفلسطينيين والعرب
بأن لا يستخفوا بالرأي العام الإسرائيلي وبإمكانية أن يمارس
ضغطاً قوياً على حكومته لتطبيق القانون الدولي الإنساني على
الأراضي الفلسطينية، وبالتالي الضغط من خلال محكمة العدل
العليا الإسرائيلية ليتم ملاحقة من يخالف ذلك القانون.
بالإضافة إلى ذلك يمكن التركيز جدياً على "حملة توعية"
عالمية من خلال وسائل الإعلام كي يظهر الوجه الحقيقي والبشع
للاحتلال الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية وبالتالي فضح
ممارسات الحكومات الإسرائيلية غير الأخلاقية وإحراجها دولياً
إذ أن الشعوب سيكون لها مواقف مختلفة، ستكون بالضرورة عفوية
وغير مرتبطة بمصالح سياسية أو اقتصادية التي قد تحدد موقف
حكومتها الرسمي (يمكننا الإشارة هنا إلى الاستفتاء الذي تم
حديثاً في دول الإتحاد الأوروبي والتي كشفت على كون الشعوب
الأوروبية ترى في إسرائيل خطراً على الأمن العالمي!). هذا
يعني بأن بعض الممارسات الفلسطينية (العمليات الانتحارية
مثلاً) سيكون لها تأثيراً سلبياً على الفلسطينيين أيضاً
بطريقة غير مباشرة (بالإضافة إلى كونها أعمال غير أخلاقية
طبعاً، وإن أمكن تفسيرها –ولا أقول تبريرها- بوجود الاحتلال
منذ 1967) إذ أنها تمنح الحكومات الإسرائيلية حججاً تبرر بها
أعمالها الغير إنسانية ضد الفلسطينيين أمام الرأي العام
الإسرائيلي والعالمي أيضاً.
|