فصل من رواية : هالة النور

محمد العشرى / روائى مصرى

( أ )

تأمل حسام الظلال الهادئة التي بللت الرمال بلونها الرمادي ، رآها تُكون أشباه وجوه يعرفها متناثرة في سطح الأرض ، امتدت شعورها صاعدة إلي حقل الشمس ، فغطت وهجها بوشاح رطب ، أزاحت في حركاتها البطيئة ، وابتساماتها الهادئة ، السراب الراقص في المطبات الهوائية الباردة وأبطلت سحره ، اجتمعت تلك الوجوه الغائبة التي تنتظره ، وشكلت نافورة ضخمة على شكل نبتة عيش غراب وحيدة ، تنمو بلا توقف منذ أن خُلقت ، فبدت هياكلها عالية ، رءوسها السحاب ، وتمر من بين سيقانها المرتفعة دوامات غبار خفيف ، نتجت عن هبة هوائية مخروطية الجسم ، تحركها الموسيقى يمينـًا ويساراً ، بدت من بعيد كأشجار عتيقة ، متكئة على جذورها الممتدة في الفراغات النائمة بين الحبيبات الأرضية المكونة للون الأصفر الصحراوي ، رسمت الطبيعة لوحة حية ، استحضرت الغائبين أمام عينيه ، لونت ظلالهم بالروح المتوهجة التي تتغلغل في داخل مسام الجماد ، والحيوان ، والطير ، والإنسان ، بشكل طاغ لا تستطيع أن تغفله عين ، أو تهرب منه للحظة ، فالصحراء آسرة ، ساحرة ، تشرب الروح في رمالها العطشى ، وتبخرها في ليلها نسيمـًا أخاذاً ، يلف الكون بعطره وموسيقاه .

*

نظر حسام في ساعته ، نفخ مبرداً لسعة عقاربها ، أحس بضجر وضيق عميقين يعصرانه ، خرج من الكرفان مدفوعـًا بأمله في أن يرى عربة تقله إلي بيته ، بعد أن أنهى المهمة التي أتى لها ، وبقى عاطلاً بلا شيء يؤديه .

أخبره مديره عبر الهاتف أن عليه الانتظار إلي يوم الجمعة ، يعود في العربة " الجيب " التي ستقل الشيخ من الإسكندرية صباحـًا ليصلى بالعاملين صلاة الجمعة في الموقع ، بعدها يتناول طعامه في الميز ، يُرجعه السائق إلي بيته .

أكد عليه أن يلتزم بخط السير المرسوم للعربة مسبقـًا ، وبمجرد وصوله يدعه ينطلق بها ليسلمها في جراج الشركة في القاهرة .

في ذلك القلق والتوتر فكر في شيء يفعله ، تحرك ، لف حول نفسه ، يداه مشتبكتان خلف خاصرته ، ينظر في الرمل تحت قدميه ، بحثـًا عن فكرة ما ، لكنه استكان حين وجد رأسه خاويـًا ، متعبـًا ، لا نفع فيه ، فقط رسمت عيناه الحائرتان جملة لم يستطع أن يكتمها في حلقه ، هَمْهَم متأففـًا :

لابد أن أنتظر !! شيء مؤسف .

*

رأى نفسه يجرى بلا توقف ، في المسافة التي تقترب من أربعمائة كيلو متر ، منها مائة كاملة في عرض الصحراء ،حتى تلامس إطارات العربات أول طريق إسفلتي ، تساءل :  ماذا لو ترك كل ذلك خلفه ورحل ؟
مالذي سيحدث؟

امتد الوقت أمامه وتضخم فاقسـًا المزيد من الفقاعات الهوائية بين شفتيه ، لامس بأصابعه تلك الفقاعات التي تسقط أمامه بسرعة ، فينبت لها جناحان يحملانها ويطيران بها في المسافة ما بين وجهه المعروق ، واللاشىء الذي يقف أمامه كسد حصين يمنعه من الحركة والعودة سريعـًا إلى حيث يريد .

*

تحول فراغ الصحراء من حوله إلى بحر من الأمواج الرملية الساخنة ، التي تغرقها باندفاعها وثورتها ، تسحق رأسه بحوافها الحادة ، وأسنانها الشرسة . قبض على قطعة صخر زلطية ، شعر بلسعها ، قذفها أمامه بعنف ، أحدثت شرراً صاحبه صوت حاد ، ارتد متضخمـًا مولداً في المدى البعيد حيوانات هائجة ، تفر من قيودها ، تدوس كل ما يعترضها ، بحثـًا عن بوابة تخرج منها لتعيش حريتها ، فرت أمامه وأقدامها تدب في الأرض وتهزها هزاً ، اختفت ولم يبق منها سوى ذيل الغبار الطويل .

*

يومان آخران هنا بلا شيء يفعله ، فقط يجلس أمام مرآة الانتظار المستفزة ، قاضمـًا أظافره بنهم ، رغم تجاوزه للثلاثين من العمر بأشهر عديدة ، إلا أنه ما زال يتفتف فتات الأظافر ، بالعـًا مرارة استمراره الضجِر ، غير قادر على الإقلاع عنها ، مغلقـًا عينيه للتفكير بعيداً عما تركه خلفه في المدينة ، انشغل بتتبع التضاريس التي تبديها واجهة الصخور الناتئة تحت قدميه ، أمعن في ثنى حديد الوقت والتخلص من سطوته ، أزاح سيف القلق المسلط على رقبته ، تحرك لا مباليـًا في فراغ لا أخر له ، انصاع إلى الأوامر الروتينية التي تقف تحت سقف خرساني عتيق ، تحد من الرغبة في تغيير الواقع ، تسرب إليه إحساسه الذي لازمه منذ فترة ، رأى نفسه قرداً تائهـًا وحيداً يهز ذيل اللامبالاة من خلفه ، ترك رأسه المنتفخ كبالون ليتيه في تفكير متداخل لا يؤدى إلي شيء ، فقط يقوده إلى المزيد من فتات الأظافر في فمه ، جرب كثيراً ولم يستطع أن يترك أظافره تنمو بشكل مستوٍ ولو مرة واحدة ، فما أن يدب القلق والتوتر في نفسه حتى يتحول إلى واحد من كبار القاضمين للأظافر في العالم .

*

سأل زملائه عن إمكانية وصول عربات إليهم ، بداية من تلك اللحظة ، أكد عليهم أن يخبروه إذا أتت واحدة في مهمة ما من إحدى الشركات التي يتعاملون معها ، شد رموش عينه اليمنى قليلاً ، تثاءب ، رن في أذنيه صوت مديره وهو يحدثه من مكتب القاهرة ، يرتب معه تفاصيل العمل الذي أتى من أجله .

بعد أن أملى حسام عليه تقريراً مفصلاً بما قام به ، أعطاه نتائج التسجيلات الكهربائية للبئر ، متضمنـة سجل تفاصيل الطبقات الأرضية ، من السطح الخارجي حتى العمق النهائي المحفور ، على بُعد تسعة آلاف قدم ، دلل على احتمالات تواجد الزيت في الطبقة المستهدفة من الحفر إلي ذلك العمق ، بما شاهده من قيم كبيرة ، لمقاومة الصخر الرملي – صخر الخزان – للموجات الكهربائية التي تبثها الآلات المتدلية في فتحة البئر – كشخص معذب يتدلى من قدميه ليعترف على حقيقة يخفيها – وتستقبلها العربة المجهزة على شاشات أجهزة الكمبيوتر ، تُرسم على هيئة منحنيات خطية يستطيع أن يحللها حسام إلى أرقام ، ومع تواجد فتحات مسامية عالية بين حبيبات الرمل الدقيقة ، كممرات مدينة عربية قديمة ، تؤدى مسالكها إلى بعضها البعض ، تسمح بمرور السوائل فيها فتتعاظم فرصة تواجد الخام ، ويُجرى الأعداد لترتيب مهام أخرى خاصة باستخراجه ، بعد قياس الضغط المحبوس كمارد ينتظر من يفتح له ثقبـًا في أي اتجاه ، فيندفع من فتحة البئر ساحبـًا الزيت في ركابه ، أما إذا كان ذلك الضغط شيخـًا هزيلاً فانه سيصبح في حاجة إلى مساعدة خارجية من المضخات الرافعة .

*

العربة التي أقلته من بيته تركته في الصحراء ، عادت بعد أن أوصلته لتبيت في جراج الشركة في القاهرة . كان لديه أمر هام يود إنجازه بأسرع ما يمكن قبل أن تظهر تلك المأمورية فجأة ، وهاهو وحده في متاهة لا يستطيع الخروج منها ، معزولاً في مكان ناءٍ ، لا يربطه بالعالم الخارجي إلا أصوات الهاتف عبر القمر الصناعي ، أجرى عدة مكالمات سريعة ، خرج إلى مكان نومه ، أخرج قدميه من الحذاء الجلدي الطويل ، خلع أفروله الأزرق ، ألقاه جانبـًا بإهمال ، استلقى على سريره .

*

وهو ممدد ، وغارق في التفاصيل التي يمر بها ، فرد ذراعيه محاولاً الإمساك بأي شيء يقع تحت ملمس أصابعه ، تسرب ضجيج مولد الكهرباء في الفراغ الواسع ، شَكّلَ كائنات أثيرية عملاقة ، تهيم على وجوهها المعروقة بحثـًا عن الراحة ، فتدخل مُتعَبة في دهاليز الأرض ، تحط على بطونها ، تترك أقدامها وأذرعها مفككة ، تنام مُطلقة زفيرها الساخن يدفع عجلات الريح إلى الدوران .

*

المخلوقات الحية المنتشرة هنا وهناك ، فتحت أفواهها وزعقت ، ملأت صوانا أذنيه بالزحام ، تناثرت في فراغ الصحراء ، وملأته بدبيبها المتواصل . الزملاء في الموقع فتحوا أبواب الثرثرة في أشياء كثيرة لا تعنيه ، ولا يود سماعها .

بحث عن مخرج ، باب يهرب منه ، مد يده ، أطفأ النور ، أحاط رأسه بأصابعه . نامت الدوائر التي يفكر فيها تحت غطائه ، غلبه جهد العمل ، وطائرة النوم أطلقت أزيزها المرتفع ، أنشبت جناحيها العملاقين ، اخترقت السحب الكثيفة ، ظللته بجسمها البارد ، وفراشها الناعم ، طارت به إلي عالم هامس ، بعيداً عن صوت الماكينات المتخلق ليلاً ونهاراً.

لفه سير النعاس الناعم في دورانه ، غطى عينيه بحرير التعب والإرهاق ، حمله في مركب هوائي ، رفعه في الهواء وعَمّقه في وادٍ مبهج الألوان .

( ب )

رأيتها للمرة الأولى في الطريق ، تلفتُّ منجذبـًا ، نظرتُ إليها ساهمـًا ، فضحكتْ مُغلقة رموشها القصيرة ، خفق القلب خفقة مباغتة ، انتفض بعدها وانفجر في صدري بعد سكونه زمنـًا ، حتى ظننت أنه مات ، ولا أحد يستطيع أن ينتشله من نومه ، ارتفع ساق الورد بسرعة وازدهر محمراً ، قطفتُ وردة من بائع متجول ، صدرتها في مواجهتها ، تلون وجهها بخطوط الخجل ، تلعثمتْ كلماتها ، تقدمتُ منها خطوة وضممت كفىَّ إلي بعضهما ، تفتحت وردة الابتسام بيننا وأطلقت أريجها المنعش .

*

فكرتُ كثيراً بوجل في طموحات العاشقين ، وهم يهبطون بمظلات الحب الفضفاضة في نار الوجد ، فيطفئون النار وتشتعل قلوبهم بالمحبة ، رأيت قلبي يتسع ليظلل الكون ، يهبط بي في لب الحياة ، وأنا أعبر الخط الفاصل بين الخيال والحقيقة ، توصلت إلي أن النهل من عسل القلوب المتوهجة لا يلزمه وقفات وتردد ، فقط الانطلاق بأقصى سرعة في خلاياها ، والتشبث بأحضانها ، مهما كبر ألم اللسع ، وانغرست في الجسم إبر الواقع ، فالعمر مهما طال قصير كطرفة عين ، والحياة تستحق أن تعاش ، أن تُأخذ من بين فكيَّ الزمن ، الذي لا يتوقف عند أحد ، فالحياة المشبعة بالوصال فيها من المُتع ما يروى ألف صحراء جرداء ، يحيلها إلي بساتين وجنان.

*

لم أتوقف طويلاً ، فقد قررت أن أخوض التجربة إلى منتهاها ، أن أتتبع العلامات ، أن أحفر بإزميل ساخن في سيقان الأشجار العتيقة ، أن أجعل لخطواتي آثاراً في كل مكان تهبط فيه ملائكة الحب ، أن أقترب من شاطئ النهر العتيق متأملاً ، وعلى حافته اللينة - فقط - أترك عطشى ليغوص إلى القاع .

*

في الخطوة التالية سرنا متجاورين، أصابعنا على ساق الوردة المتوهجة ، تلتذ بوخز براعم شوكها المتأججة

*

دعوتها للخروج بعيداً عن الزحام ، تسللنا إلى مكان خافت الإضاءة ، وارف الأشجار على ضفة النيل ، فاجأتها بقبلة خاطفة على خدها الأيمن ، ارتعشت يدها في يدي ، مضت إلى جواري صامتة ، تستجمع أطرافها وتشدها إليها ، أخرجتُ من جيبي قصاصات الورق ، التي دونت فيها كلمة واحدة ، ملأت كفىَّ بها ، رفعتها في الهواء ، تركتها تتناثر فوق رأسها كحبات مطر منعشة ، تلمس الخدود برفق ، والكلمات تتأرجح في الهواء ، تفرش الأرض تحت أقدامنا ، ضحكتْ بطفولة لذيذة ، انحنت تلتقط بعض القطع الصغيرة المتفرقة بأصابعها ، قرأتْ واحدة واندهشت ، وأخري وازدادت اندهاشـًا وضحكـًا ، وثالثة ، ورابعة وعاشرة

*

الكلمة الواحدة التي رسمْتها متأنيـًا بلون أخضر زاهٍ في كل الأوراق ، تندفع خارجة من قلب صغير مرسوم باللون الأحمر ، جَعَلَتها تحرر جناحيها ، تحيطني بذراعيها ، تلح بفرح طفولي :

أريد أن أسمعها منك أيها الساحر .

دفعني طلبها إلى الصمت ، مدركـًا أن صمت العشق في وجوه المحبين يلهب الشوق ، يزرع في القلب ورود المحبة المتوهجة ، أحطت رقبتها بذراعي ، فابتسمت ، لفت ذراعها الأيمن حول خصري ، واصلنا السير في خطوات بطيئة ، في عمق الأشجار الوارفة ، والعشب الندى يصحو على ملامسة أقدامنا له ، انتبهت لإنصاتها التام ، وهى في انتظار أن أمطرها بلمسات وكلمات الغزل .

نظرت خلفي مبتسمـًا ، لقطع الورق التي لحقت بنا ، وغطت أكتافنا وصدرينا كسرب حمام أراد أن يستريح ، سمعتها تهمس في أذني ، تردد منتشية في غناء عذب لمستهُ يخرج من بين أوراق الأشجار المتدلية الأغصان ، يحط على كتفيَّ مستكينـًا :

" أحبك .. أحبك .. .. " .

*

حينما اقتربت منى إلى هذا الحد ، لم أدر إلا والأفرع تمتد وتخرج منى ، تُملأ بأوراق كثيفة ، تحولت إلى شجرة في الليل ، مكتظة بالعصافير ، وتحول اقترابها الناعم منى إلى طلقة صياد أفزعت العصافير النائمة ، فانطلقت متسربة وراء بعضها البعض .

*

السكون الذي خدرني بعد أن مسني شعور اللذة ، جعلني حائراً ، أتساءل :

من أنا ؟

هل أنا حقا أنا ؟

أم أنا الشجرة ؟

هل أنا ظلها ؟

في شوق إلى أن تسكنني العصافير ، تخترقنى طلقة الصياد من آن لآخر ، وفى لحظات ما أستطيع أن أتجرد من كل شيء ، تتساقط أوراقي ، تطير طيوري ، أصبح عاريـًا في حاجة إلى الدفء ، إلى غلاف حي يحتوى الروح الشاردة .

*

مرة أخرى ضممت أصابعي على أرواح صغيرة ، أخرجت القصاصات وطيرتها في الهواء ، فبدا الحب الخارج من جيبي كالعصافير المرحة ، تبص من أعشاشها فاردة رقابها العارية من الريش ، تملأ الجو بالزقزقات ، تدعو أسرابـًا كثيرة للانضمام إلى حفلها ، فتتهادى ضربات الأجنحة لتحجب السحب بنثر الزغب الأخضر في الهواء ، والجيبان اللذان امتدا بطول الساقين لم يتوقفا عن إنتاج أفراخ جديدة .

*

عدت يسبقني صفيري ، وزهوي يشدني من ذراعيَّ ، يضع كفى الأيسر على الخشب الأملس ، وأنا أصعد درجات السلم ، واحدة تلو الأخرى كأنني أعزف على أصابع بيانو ضخم ، يضخ الموسيقى في حجرات المبنى العتيق ، يوزعها في تناغم ، يتصاعد من الفتحات ، والجوقة تردد غنائي من خلف الإضاءة المثبتة على الحوائط ، المجلدة بألواح خشبية مزخرفة ، تتراقص أمام عينيَّ ، زَيّنَ مس الحب كل شيء بلون وردى ، يدعو إلى الفرح ، والصعود على درجات الموسيقى ، للوصول إلى بهجة الروح .

*

قفزت البهجة من عينيَّ ، فابتسمتُ لمكتب استقبال الفندق ، وأنا أمد يدي لألتقط مفتاح الحجرة ، من المسمار المزخرف ، الذي مد أصابعه ليسقطه في راحة يدي ، دون أن أنطق كلمة واحدة أعطيته ظهري ، سبحت بخفة في اتجاه غرفتي ، وأنا أمدد على السرير ، مُعجبـًا بنفسي ، قلت: حتى المبتكرون العظام، ( لا يفعلون سوى أشياء بسيطة للغاية ، يعتبرها الآخرون معجزات).

فلم أكن أدرى أن مجرد ابتكار حيلة بسيطة للتعبير عن نبضات القلب ، كانت هي العصا السحرية التي رفعت السماء على قدمين ، فتحت لي سبعة وسبعين بابـًا ، في اتجاه العرش .