فصل من رواية تفاحة الصحراء

 

محمد العشرى/ روائى مصرى

( 1 )

انطلق بعربته " الجيب " الرمادية بسرعة جنونية ، يده اليسرى على مقودها ، واليمنى تقبض على بندقية سريعة الطلقات ، دار في منعطفات ضيقة بين التلال الدائرية ، خرج منها إلي براح لا نهاية له ، متتبعـًا الظل المذعور الذي تلقيه الشمس المتوهجة تحت أرجل غزالة هاربة من صوت رصاصات بندقيته ، التى تشده بنشوة انطلاقها إلي تتبع تلك الرقيقة ، ذات الجسد المنتفض هلعـًا ، قلبها يدق بعنف مفرزاً خوفـًا يبلل الرمال خلفها ، قفزت إلي وادي " الحديج " ، والعربة تقترب أكثر من قفزاتها ، والقناص لا ترمش له عين ، كله إصرار على ذبحها ، كادت دقاتها تخرج دفعة واحدة حين أحست بسحبة الزناد ، والرصاصة تتجه نحو صدرها بمجرد أن وقفت تنظر حولها للحظة ، تتطلع إلي ذلك العنيد .

تهلل وجهه وهو ينـزل من العربة متجهـًا إليها ، وهى مكومة على أطرافها تئن ، دماءها تسيل وقد انحصرت في الوادي ذي الأرض المنبسطة الكاشفة لكل حشرة فيها ، والتي كانت بمثابة الشرك لها ، فبدت التلال الصغيرة من بعيد كحوائط مرتفعة تمنعها من الهرب ، فسهلت له قنصها .

حملها بين ذراعيه مبتهجـًا ، رأسها متدلٍ إلي أسفل ، عيناها على العشب – مأكلها ووطنها – وهى تبتعد عنه للمرة الأخيرة ، أطلقت دموعها لتروى مكان قدميها ، فربما يجد تلك الدموع أحباء من بنى جنسها فتتذكرها ، أو ربما تتشمّم آثار العجلات العائدة بها ، فتنطلق خلفها ، تقف أمام الموضع الذي سيحوى عظامها ، وتنبش الأرض بحوافرها .

ألقاها في خلفية العربة على أخريات صريعات ملوثات بدماء حارة ، أجسامها تترجرج مفسحة لها . تحسس رؤوسها مزهواً ، ألقى إليها قُبلة طائرة .

ركب العربة ، داس على قلبها ، وهو ينتزعها من بيتها إلي مكان تجهله .. أخرجت مِسكها فى خامه الصمغي البني ، أسالته من غدة تبرز من بطنها ، رشته في الهواء مُطلقة نباحها المتقطع ، مستغيثة بأوراق وجذور العشب ، الذي اندس خجلاً بين حبيبات الرمل .

*

على جانبي الوادي من الناحية الغربية يقف تَلان عاليان كهرمين فرعونيين ، فوق كل تل سور من الحجر الجيري المائل إلي الاصفرار ، ملتف في نصف دائرة ، ارتفاعه يقترب من المتر ، من خلف السور تخرج ماسورة مدفع يبدو من هيئته أنه من النوع الصائد للطائرات .

لم يكن يدرى أن الغزالة سحبته إلي تلك الفخاخ التي لم يرها وهو يرمح وراءها ، توجس قليلاً ، صعد في اتجاه أحد التلين ، شعر بقطع الصخر تهز الإطارات وترنحه في مقعده ، انقلبت الأرض تحته من رمال ناعمة مكسوة بطبقات العشب الأخضر الجاف إلي قطع من صخور " الكونجلومرايت " الزلطية الصلدة ، المتراكمة فوق بعضها في أشكال هندسية مختلفة ، على طول الطريق الصاعد إلي أعلى في مجرى حلزوني ضيق .

خلف السور كان هيكل المدفع غير مكتمل ، من حوله طلقات ضخمة مبعثرة ، بعضها فارغ والبعض الآخر ما زال بكبسولته الخلفية ، تحسسها بلمسة خاطفة ، كمن يجس سلك كهرباء مكشوف ، ثم جذب يده .

شعور داخلي شحنه بشحنة عالية خدرته ، وقعت عيناه المتوجستان على بعض المعلبات الفارغة المهترئة بفعل الصدأ ، والذخيرة ذات الأحجام المختلفة مرصوصة في ركن إلي جانب نهاية السور الحجري ، التقط عدداً من الطلقات ، وضعها في الخلفية ، في مكان فارغ بين أرجل الغزلان .

وقف ينظر أمامه ، رأى امتداداً لا نهاية له ، دار ببصره في كل الجهات ، هاله ما شاهده من فراغ منكشف ، فأي شئ سيقترب من ذلك التل لابد أن يراه الواقف عليه حتى لو كان مجرد نملة تصعد متخفية .

ذلك ما جعله يستدير إلي المدفع النائم أمامه ، اقترب منه ، تحسس ماسورته ، وجد الندى عالقـًا بها ، يتكثف في قطرات تتدحرج إلي الأرض ، تروى عشبـًا نديـًا ينمو متسلقـًا الأحجار ، اخضراره زاهٍ ، ونبات شوكي مورد يشربه طازجـًا ، يضخه فى زهوره الحمراء ، فتنبت في التو أسراب النحل على رائحته ، تمتص الرحيق وتنقله إلي معاملها .

*

هاجمته صورة المعركة الضارية ، من مكانه شعر أن صفوفـًا من الجنود والدبابات تنتشر في الصحراء في اتجاهات مختلفة ، رأى أمامه جنود المدفع وهم يعبئونه ، يدورون به ضاربين تلك الجموع المتحركة ، التي تبدو من بعيد كجيوش خراف هزيلة ، أنهكها السير فى صحراء مزروعة بالحرارة المرتفعة ، والشوك المدبب يملأ فوالق الصخور المفتتة .

و" مونتجمرى " وسط الجنود يضع النظارة المعظمة على عينيه ، يرى أشباح جيش خصمه " روميل " تقترب منه ، مخترقة الفخاخ التي بعثرها في كل مكان ، يتملكه الرعب ، يلتقط قلمه ، يخط رسالة إلي زوجه ، علها تكون آخر شئ يصلها منه :

( إن المعركة عنيفة ، والعدو يسحقنا ، وأنا أرقد في الليل مفتوح العينين ، أفكر في وسيلة للخروج بقواتي البائسة ، المحظوظون هم فقط الأموات ) .

سيطرت على القائد أذرع الفزع . فكيف استطاع الثعلب أن يتخطى رؤوس الشيطان المزروعة في أكثر من 1772 حقلاً لغميـًا في مساحة طولها اثنين وسبعين ونصف كيلومتراً مربعـًا ، وعرضها ثلاثة وخمسين كيلومتراً مربعـًا ، موزعة بعشوائية لا مخرج منها ، لا عربة أو حيوان أو حشرة أو إنسان يمكنه أن يفلت ، حتى الطيور التي في الجو لابد أنها هالكة .

ضرب الخوف مسماراً في رأسه ، أمسك البوق ، نادى في آذان جنوده :( إذا هوجمنا فلن ننسحب ولن نتراجع ، وإذا لم نستطع الثبات في مواقعنا ، ونحن على قيد الحياة ، سنبقى هنا جثثـًا فوق الرمال ) .

*

قطف وردة حمراء من تحت المدفع ، ابتسم وقال :

يا له من مكان عبقري !

.. كيف اهتدوا إليه ..

.. لابد أنهم قد اعتمدوا على البدو في السير والتنقل ، وإلا غرقوا

في تلك المتاهة الجهنمية .

رأى الشمس على وشك أن تدخل في قلب السماء ، ركب عربته ، نزل بتأنٍ وهدوء . حين لامست العجلات أرض وادي " الحديج " دفع البنـزين ، هرب في اتجاه الممر الذي أتى منه ، دخل في الطريق الممهد بالحصى في اتجاه البريمة ، التي يعمل بها .

*

عَفّرت العربة الفضاء خلفها ، مكونة سحابة من الغبار التفت حوله ومنعت عنه الرؤية ، ضاعف سرعته خوفـًا من الغرق في موج التراب الهائج ، دقق النظر أمامه ، أبصر كتلة كبيرة تسد عليه الطريق ، هبط على الفرامل بقوة ، فزعقت تحت قدمه ، دفعت العربة إلي الدوران حول محورها .

تطاير دم الغزلان ، سال من فوق كتفيه ، نتيجة ارتطامها بظهر مقعده ، خرج متأففـًا ، وهاشـًا الجملين النائمين في عرض الطريق غير عابئين به ، فقط حركا رأسيهما في اتجاه الزوبعة التي صنعها ، ورجعا يلوكان ما تحت أضراسهما ، ويكملان حوارهما .

اقترب منهما ، فأرغيا وأزبدا .. تراجع خوفـًا .

تساءل : ما العمل ؟

نظر في ساعته ، متكئـًا بجذعه على مقدمة " الجيب ". فعلى جانبي الطريق الممهد الأرض مفخخة بالألغام ، لم يتم مسحها مثلما مُسحت المنطقة التي يذهب للصيد فيها ، التي تحتوى على إرشادات بالحجر الجيري المدهون بالطلاء الأبيض الناصع – حجر كبير أو حجرين فوق بعضهما على مسافات متقاربة – تبدو كهياكل آدمية منحوتة بالتجوية ، واقفة فى الخلاء كرؤوس مُعممة ، فوق أجساد متكئة على جوانبها ، ملتفة فى حلقة سمر ، نارها الهادئة تلمع فى ضوء القمر ، شايها وقهوتها يُسربان رائحة " الشيح " ، فيستطيع أن يميزها حتى في الليل ويمشى على هديها .

وقف تائهـًا فى الفراغ المحيط به ، يفكر فى المدى اللانهائي ، الذي ضاق حوله فجأة ، ولا يجد ممراً ينفلت منه إلي موقع الحفر .

تخلف الجملان عن القافلة الشاردة في الصحراء في أماكن خطرة ، لا يجرؤ أحد على أن يطأها بقدمه ، فمع كل خطوة من خفوفها ينتظر الناظر إليها أن يهب لغم من نومه وينثرها أشلاءً في الهواء .

*

رغم تلك التداعيات التي صحت فى مخه وأربكته ، قيدت حركته فى المكان الذي يقف فيه منتظراً أن ينهى الجملان حديثهما ، يتركا له شريط المرور ، إلا أنه شاهد صبيـًا حرقت بشرته الشمس ، يقترب منهما ببطء ، ناظراً في اتجاهه .

لوح له بذراعه ، فأسرع إليه ، وعود الحطب يرقص بين يديه .

سأله :

ما اسمك ؟

صميدة .

هل هذه جِـمالك ؟

لا .. إنني أرعاها فقط .

أضاف :

حضرتك مهندس في البريمة ؟

نعم .

كنت أريد أن أعمل بها مع إخواني ، لكن الحاج ناجى– المقاول - منعني .

ضحك ضحكة عالية . قال :

هيا حرك الجملين ؟

هل ستشغلني ؟

نعم .. مُر علىَّ غداً في البريمة .

تقافز صميدة تجاههما ، زعق فيهما ، ضربهما بعود الحطب ، غارسـًا طرفه فى ظهريهما . قاما من بركهما على مضض في حركة كسولة ، أفسحا له الطريق ، وأعينهما تستغرب إصراره على أن يزعجهما ، بدا كغريم يتربص بأوقات الخلوة لمنافسه ، فقد بذل الذكر جهداً مضنيـًا للفوز بتلك اللحظات مع رفيقته ، بعيداً عن تلصص الأعين ، وتفتح الآذان من حولهما .

*

ركب مسرعـًا .. من بعيد أتاه صوت الصبي الذي انتبه لتحركه المفاجئ ، سأله وهو غير موقن أن سؤاله سيصله :

-أسأل على مَن ؟

رد عليه بصوت عالٍ مستغربـًا ظهوره ، فهو واقف أمام العربة منذ فترة ولم يره ، ولم يكن يتوقع أن يجد في ذلك الخواء اللانهائي قدمـًا تسير .

الجيولوجي تامر " الدكر " .