فصل من رواية : نبع الذهب
 

موسم صيد الصقور

محمد العشرى / روائى مصرى

وبينما العربة تمرق بنا فى الصحراء الممتدة إلى حد السماء ، والسراب يهرب أمامنا إلى ما لانهاية ، والعيون تتطلع إلى شئ حي بين التلال الدائرية المتناثرة ، والواقفة كفوهات البراكين الناضبة والخالية من الحياة ، وعلى غرة أذهبت شرودي ، قال المهندس سعيد القائم بأعمال شركة الحفر المؤجرة لشركتي صاحبة الامتياز :

أنظر إلى ذلك التل .

أي تل .

ذلك الذى على يمينك .

فنظرت جاهداً ، محاولاً رؤية ما ينبهني إليه وأردفت قائلاً :

لا أرى شيئاً .

دقق جيداً .

تبينت أن ثمة حركة ما ، من كائن ما ، تلفت الانتباه ، فنظرت بعيداً فى اتجاه التل وقلت:

شئ ما يتحرك فوق التل ، أعتقد ذلك .

سوف أقترب منه حتى ترى جيداً .

واقتربنا بالعربة ، فرأيت ثلاثة رجال نائمين على ظهورهم فى العراء ، ووجوههم فى اتجاه السماء ، فقلت مندهشاً :

ما هذا … ماذا يفعل هؤلاء الرجال هنا ؟!

رد المهندس سعيد والابتسامة على وجهه تتكون ببطء شديد :

إنهم يعملون الآن .

عقبت مقهقهاً :

يعملون فى أي شئ … إنهم نائمون .

بل ذلك هو عملهم .

كنا أربعة فى العربة وجهتنا البريمة التي لم تظهر حتى الآن ، رحت أفكر فى عمل هؤلاء الرجال النائمين بينما صمت الآخرون ، وشعرت أنهم متواطئون معاً عليّ بحكم تواجدهم القديم نسبياً فى الموقع و حداثتي عليه.

" وحدهم فى هذا المكان الذى لا حياة فيه ."

جملة قلتها بيني وبين نفسي ، ويبدو أنها قد وصلت إلى أذن المهندس حسين ، القائم بأعمال شركة الأسمنت ، الذى يضخ فى فتحة البئر لحمايته من الانهيار ، فعلق قائلاً :

لقد باعوا بالأمس لرجل خليجي صقراً بمبلغ عشرين ألف جنية .

ماذا ؟!

تعجبت من الأمرين معاً … أمر الصقر الذى لم أعرف قصته ، وأمر المبلغ الكبير المدفوع لأجل صقر … وحين بانت الدهشة أكثر على وجهي ، ضحك الجميع ، وبعد أن تلاشى الضحك فى الصحراء الواسعة قال المهندس سعيد :

سوف أخبرك بالقصة كلها .

واشترك فى الحوار رابعنا المهندس أمين القائم بأعمال شركة الطفلة ، وتدخل قائلاً :

احك له يا سعيد … هيا بسرعة .

قال سعيد مشيراً إلى الزميلين :

لا تنـزعج منهما ، لقد كانا مثلك ، يجهلان أمر الرجال النائمين ، أول ما أتيا إلى هنا .

ونظر سعيد فى اتجاه التل ، وشرد بفكره بعيداً .

حسبته قد انفصل عنا ، وعاد إلى أهله أو أنه تذكر حادثاً مر به ، لكنه عاد إلينا حين قال :

هؤلاء الرجال يعرفون موعد هجرة الصقور ، فقد رأيتهم أكثر من مرة فى العام الماضي وفى نفس الموعد . إنهم يعيشون هنا لمدة شهرين وبعدها لا تجد لهم أثر ، يختفون وكأن الرمال قد ابتلعتهم . قلت وعيناي تمشطان المكان :

وكيف يصطادون الصقور ، فأنا لا أرى معهم أي أدوات للصيد .

قال سعيد :

لا تتعجل فأمر طويل ومشوق .

و أضاف :

إنهم يصطادون الصقور بالصقور .

قلت :

بالله عليك لا تزد فى إبهامك ، وإلا سوف أصبح مثل النبي موسى ، الذى لازم العبد الصالح ، ولم يستطع معه الصبر .

قال :

إنهم ينصبون خيمة لمعيشتهم ، بعيدة عن ذلك التل ، ويحملون معهم صقوراً مدربة على الصيد .

قال أمين وهو مترقب لما يرويه سعيد :

لا تنسى الحمام .

استغربت من الأمر ، وقلت فى نبرة ودودة ، باطنها الشوق وعدم القدرة على الانتظار ، وظاهرها الاستعطاف ، حين رأيتني طفلاً فى حضرة جدته و هي تحكى له حكايات من هنا وهناك ، و متشوقاً لمعرفة المزيد و الجديد ، وشغوفاً باكتشاف العالم من حولي .

لمس سعيد بتشويقه لي ذلك الركن الخامل فى الذاكرة ، وفتحه لمعرفة جديدة .

قلت :

احك و لن يقاطعك أحد .

قال

حين يرى الرجال صقراً فى السماء ، يطلقون صقرهم المدرب إليه، وباقي المهمة يتولاها الصقر ، الذى يعرف جيداً ماذا يفعل حتى يوقع أخيه الصقر الحر فى الفخ ، فبمجرد أن يطلقوه ، يفردون شباكهم ، بعدما يربطون حمامة حية من رجليها فى خيوط الشباك ، ويختفون وراء صخرة كبيره بالقرب من موقع الصيد ، و تظل الحمامة ترفرف بجناحيها مندفعة إلى أعلى ، ومحاولة الخلاص من الشباك ، دون فائدة .

دخل أمين فى الحكى و قال :

هذا جزء من الفخ حتى تتم عملية التمويه .

واستطرد سعيد :

بينما هناك فى الفضاء الرحب يحلق الصقر الحر ، وقد وصل إليه صقر من جنسه ، فيتعارفان ويتألفان ، ويبدأ ذلك المدرب فى تنفيذ خطته ، فيحادث الصقر ويدعوه على وجبة شهية ، ويحاول أن يلفت بصره إلى الحمامة فيهبط ببطء ، بينما الآخر قد وجد الأنيس فيهبط وراءه .

وهنا يقترب الصقر المدرب من الحمامة المقيدة ، ثم يتنحى جانباً ويتركها لصديقه الضيف الذى يصيح شاكراً ، وينقض على الحمامة محاولاً رفعها لأعلى ، فتشتبك رجلاه المنقضتان بكل قوة بالشباك … وهنا يظهر الرجال فى لمح البصر ، و يمسكون به قبل أن يستطيع الخلاص من أسره ، ويضعون غمامة سوداء على عينيه … و يقدمون الحمامة مكافأة لصقرهم ، لنجاحه فى المهمة والخداع بدقة متناهية .

سألت بعد أن توقف سعيد فى الكلام :

ولماذا يضعون على عينيه غمامة ؟

قال و فى عينيه نظرة أسى :

الصقور من الطيور الحرة التي تحزن وتموت إذا رأت نفسها فى الأسر .

فقلت :

ذلك أمر الصيد و ما فيه من حيل خبيثة … لكن ماذا عن البيع ؟ … أي عاقل يدفع مبلغاً كبيراً كهذا لأجل صقر .. ؟!

قال سعيد :

فى معظم البلاد العربية يمارسون الصيد فى البراري .. يصطادون الأرانب والغزلان والحيوانات البرية بالصقور .. تلك هواية قديمة توارثوها عن أجدادهم لإثبات فروسيتهم .. إنهم يأخذون الصقر ويدربونه على ذلك فيصبح موالياً لهم ولاء الجائع لمن يقدم له الطعام بعد حرمان .. يصبح أسير النعمة رغم أنه هو جالبها .

قال حسين الذى اشترك قليلاً فى الحوار :

ما الذى يجعل الطير مؤثراً للأسر ، رغم أن الله خلقه حراً ، لا يتحكم فيه أحد .. و جعل مملكته السماء والانطلاق من جاذبية الدنيا.

قلت :

ربما من أجل الطعام الذى يأتيه فى موعد ثابت … هكذا بعض البشر، حين تسير الحياة على وتيرة واحدة ، يفقد روح المغامرة ، ويركن إلى ما هو ثابت ، ومعه يفقد حريته تدريجياً بدون دراية منه .. وكل أجناس الكائنات الحية متشابهة فى معظم سلوكياتها .. انظر فى مخلوقات الله و سوف ترى ذلك بوضوح .

قاطعني سعيد وقال :

دعوني أكمل لكم باقي القصة قبل أن نصل إلى البريمة ، فقد ظهر أعلاها من بعيد .. هناك .. كما ترون .

واستطرد سعيد قائلاً :

انهم يشترون الصقر ، ويدربونه على الصيد ، ويخرجون إلى صيدهم ، ومعهم صقورهم المدربة .. وهناك فى مكان الصيد ، تطير الصقور فى السماء ، مرسلة أبصارها الحادة حتى تلتقط برادارها الداخلي الفرائس فتنقض عليها وتحملها بمخالبها إلى أصحابها إذا أمكنها … أما إذا لم تستطع فإنها تهاجم الفريسة فى عينيها فتفقأهما بمخالبها … فتتخبط الفريسة هنا وهناك حتى يصل إليها الصياد و يقبض عليها .. تلك هي الصقور التي عانت من الاصطياد لأجل شخص تصطاد لأجل شخص آخر ، وكل موال لمن هو فى قبضته .

قال أمين :

تلك طيور رديئة .

أصابتني رعشة مفاجئة ، لاحظها الزملاء ، فقال سعيد :

ماذا حدث لك ؟

قلت :

لا شئ .

قال :

لقد تبدل وجهك .

قلت :

حقاً ، لقد شعرت بالانقباض .

وأضفت بعد فترة صمت خيمت على الجميع :

فهناك مجرمون بالأجر حتى بين الطيور .

وخرج الزميل حسين من صمته و قال :

يا صديقي لا تحزن .. إنها مملكة الله يسيرها كيف يشاء .