لمس سعيد بتشويقه لي
ذلك الركن الخامل فى الذاكرة ، وفتحه لمعرفة جديدة .
قلت :
احك و لن يقاطعك أحد
.
قال
حين يرى الرجال
صقراً فى السماء ، يطلقون صقرهم المدرب إليه، وباقي المهمة
يتولاها الصقر ، الذى يعرف جيداً ماذا يفعل حتى يوقع أخيه
الصقر الحر فى الفخ ، فبمجرد أن يطلقوه ، يفردون شباكهم ،
بعدما يربطون حمامة حية من رجليها فى خيوط الشباك ، ويختفون
وراء صخرة كبيره بالقرب من موقع الصيد ، و تظل الحمامة ترفرف
بجناحيها مندفعة إلى أعلى ، ومحاولة الخلاص من الشباك ، دون
فائدة .
دخل أمين فى الحكى و
قال :
هذا جزء من الفخ حتى
تتم عملية التمويه .
واستطرد سعيد :
بينما هناك فى
الفضاء الرحب يحلق الصقر الحر ، وقد وصل إليه صقر من جنسه ،
فيتعارفان ويتألفان ، ويبدأ ذلك المدرب فى تنفيذ خطته ،
فيحادث الصقر ويدعوه على وجبة شهية ، ويحاول أن يلفت بصره
إلى الحمامة فيهبط ببطء ، بينما الآخر قد وجد الأنيس فيهبط
وراءه .
وهنا يقترب الصقر
المدرب من الحمامة المقيدة ، ثم يتنحى جانباً ويتركها لصديقه
الضيف الذى يصيح شاكراً ، وينقض على الحمامة محاولاً رفعها
لأعلى ، فتشتبك رجلاه المنقضتان بكل قوة بالشباك … وهنا يظهر
الرجال فى لمح البصر ، و يمسكون به قبل أن يستطيع الخلاص من
أسره ، ويضعون غمامة سوداء على عينيه … و يقدمون الحمامة
مكافأة لصقرهم ، لنجاحه فى المهمة والخداع بدقة متناهية .
سألت بعد أن توقف
سعيد فى الكلام :
ولماذا يضعون على
عينيه غمامة ؟
قال و فى عينيه نظرة
أسى :
الصقور من الطيور
الحرة التي تحزن وتموت إذا رأت نفسها فى الأسر .
فقلت :
ذلك أمر الصيد و ما
فيه من حيل خبيثة … لكن ماذا عن البيع ؟ … أي عاقل يدفع
مبلغاً كبيراً كهذا لأجل صقر .. ؟!
قال سعيد :
فى معظم البلاد
العربية يمارسون الصيد فى البراري .. يصطادون الأرانب
والغزلان والحيوانات البرية بالصقور .. تلك هواية قديمة
توارثوها عن أجدادهم لإثبات فروسيتهم .. إنهم يأخذون الصقر
ويدربونه على ذلك فيصبح موالياً لهم ولاء الجائع لمن يقدم له
الطعام بعد حرمان .. يصبح أسير النعمة رغم أنه هو جالبها .
قال حسين الذى اشترك
قليلاً فى الحوار :
ما الذى يجعل الطير
مؤثراً للأسر ، رغم أن الله خلقه حراً ، لا يتحكم فيه أحد ..
و جعل مملكته السماء والانطلاق من جاذبية الدنيا.
قلت :
ربما من أجل الطعام
الذى يأتيه فى موعد ثابت … هكذا بعض البشر، حين تسير الحياة
على وتيرة واحدة ، يفقد روح المغامرة ، ويركن إلى ما هو ثابت
، ومعه يفقد حريته تدريجياً بدون دراية منه .. وكل أجناس
الكائنات الحية متشابهة فى معظم سلوكياتها .. انظر فى
مخلوقات الله و سوف ترى ذلك بوضوح .
قاطعني سعيد وقال :
دعوني أكمل لكم باقي
القصة قبل أن نصل إلى البريمة ، فقد ظهر أعلاها من بعيد ..
هناك .. كما ترون .
واستطرد سعيد قائلاً
:
انهم يشترون الصقر ،
ويدربونه على الصيد ، ويخرجون إلى صيدهم ، ومعهم صقورهم
المدربة .. وهناك فى مكان الصيد ، تطير الصقور فى السماء ،
مرسلة أبصارها الحادة حتى تلتقط برادارها الداخلي الفرائس
فتنقض عليها وتحملها بمخالبها إلى أصحابها إذا أمكنها … أما
إذا لم تستطع فإنها تهاجم الفريسة فى عينيها فتفقأهما
بمخالبها … فتتخبط الفريسة هنا وهناك حتى يصل إليها الصياد و
يقبض عليها .. تلك هي الصقور التي عانت من الاصطياد لأجل شخص
تصطاد لأجل شخص آخر ، وكل موال لمن هو فى قبضته .
قال أمين :
تلك طيور رديئة .
أصابتني رعشة مفاجئة
، لاحظها الزملاء ، فقال سعيد :
ماذا حدث لك ؟