قصة حصار

 قصة قصيرة

 د.أسد محمد

قرر مجلس أمناء البلد بأغلبية عضو واحد بأنهم سيعاقبون زعيما  لا يضحك كما يضحكون ولا يتنفس كما يتنفسون ، علما أن أحد الأعضاء قدم لهم تقريرا مفصلا عن هذا الزعيم ، وجاء فيه " إنه من أقرب الناس إلينا ، وهو مستعد لتلبية مطالبنا بالكامل " لكن عصوا آخر رد عليه بغضب :

-  إذا لم نحاصره فمن نحاصر ؟

وكان الجواب " فلنحاصره إذا كان لابد لنا من عدو "

قرروا منع السجائر والجبن، والمواد الأولية دون استثناء حتى يجوع ويستمع إلى الأغاني ذاتها التي يستمعون إليها ، وقرروا التجسس على مكالماته الهاتفية وتفاصيل حياته اليومية وخصصوا لذلك جهاز أمن كامل مرتبط مع قمر صناعي ، وكي يحكموا عليه الحصار سدوا المنافذ الكبيرة والصغيرة عن بلاده ، وأظهروا ذكاء في بث بعض الأخبار المضادة له ، وتم تذيل هذا الشكل من الحصار تحت شعار " إنه شخص خطير على أمن الوطن  " وتحولت هذه إلى فلسفة ، جاءت عناوينها بالخط العريض في كبريات الصحف العالمية " تطويع الأنظمة المارقة"..

ردا على هذه القرارات ، داعب الزعيم شاربه أمام أعضاء مجلس حكمه، وقال ساخرا :

-  لن يتمكنوا من حصاري .

فسأله شخص كان رتب معه هذا السؤال من قبل بدقة :

-  يا سيدي ، كيف سيكون ردك ؟

مباشرة طلب من خادمه الخاص أن يوزع  سجائر من ذلك البلد للحاضرين ، ثم طلب من مصوره التلفزيوني أن يصورهم ، وأمامهم علب سجائر من بلد العدو ، رفع أحد الأعضاء إصبعه طالبا الكلام ، تجاهله الزعيم ، بينما سمح لآخر بإطلاق نكتة، انتهت بجملة" أنا لا أدخن يا سيدي، لكن كرمال عيونك مستعد للتدخين " ضحك
 الزعيم ، فضحكوا دون أن يعرفوا السبب ، هز برأسه فهزوا برؤوسهم ، وخرجوا ..

تفرقوا ، وكل واحد يردد:

-  يا لها من هزة رأس جبارة !

أظهرت الصحافة المحلية في اليوم التالي أعضاء القيادة وهم تدخنون سجائر " بلد العدو " دون أي تعليق ، انزعج المواطنون من هذا المنظر ، خاصة من نائب الزعيم الذي يعرفون عنه أنه منضبط ولا يدخن ، وهذا أدى إلى شائعات مختلفة ، انتهت " إن في الأمر حكمة " ، وأحدثت رؤى متباينة لدى الناس حول معنى تدخين النائب في مثل هذه الظروف ..

ارتبك الناس ، وفي اليوم التالي أرسل جهاز المخابرات الخاص تقريره إلى الزعيم ، بأن الناس ، فهموا من صور الصحف إنها مقدمة " لاسترضاء العدو "

وجاءه  تقريرا آخر من عاصمة العدو " إنه لايوجد أي رد من العدوعلى الصور في صحافتنا المحلية "

ظل أعضاء القيادة خائفين ولم  يتجرأ  أي منهم على الاتصال مع الآخر أو طرح أي سؤال حتى على نفسه بانتظار الأمر السامي بكيفية التصرف ، وبقيت هزة رأس الزعيم هي اللغز الذي أشغلهم ..

بعد أيام دعا الزعيم نائبه ، فدخل عليه ، وجده يتكلم في الهاتف ويضحك ، قال النائب في نفسه :

- لابد وأن الأزمة مع العدو قد انتهت ..

أنهى كلامه ، بجملة :

-  لا تقلقي يا سيدتي من الحصار ، فكل ما تحتاجينه سيؤمنه لك رجالي ..

انتظر النائب أن يكلمه عن آخر المستجدات ، لكن الزعيم ، كلمه عن مغامراته وفتوته طويلا ، اعتقد النائب أنه يخفي سرا بشأن الحصار ، طلب منه الانصراف وهو يبتسم، ثم قال في نفسه :

-  لقد فهم من سخريتي بأنني لست مبال لهذا العدو.

 كان نائبا نائب الرئيس في انتظاره ، دخلا عليه ، فحدثهما عن آخر رحلاته للخارج ، وابتسم ابتسامة عريضة عندما ذكر لهما قصة الفتاة الجميلة التي راقصته .. وبعد نهاية هذا اللقاء .. طلب منهما الخروج ، فخرجا ، وقال في نفسه :

- لقد فهما الرسالة ، بأننا لسنا معنيين بقرارات العدو ، لكن     لست فاهما بماذا يفكر الزعيم ؟!

نقلا نائبا النائب الفكرة نفسها إلى معاونيهما ، وهكذا بالتسلسل حتى وصلت الفكرة إلى القاعدة " الوطن في أمن وآمان ولا خوف من الحصار"

جاء التقرير الأمني التالي لسيادته " الناس يثقون بكم وبالروح والدم يفدونكم وهم يبتسمون  كما تبتسمون و يضحكون ، لكنهم يريدون سجائر من أجل التدخين قدوة بسيادتكم " ..

بينما جاء تقرير من عاصمة العدو " العدو لا يبالي بنا"

فقال الرئيس :

-  بدأت تكبر كلمة " عدو" إنها إكسير الحياة بالنسبة لي ..

ازداد التساؤل بين الناس حول البدائل الممكنة للموارد الضرورية للبلاد وكيفية تعويضها،  ظل أعضاء القيادة يتكتمون حول سؤالهم الأساسي " لماذا هز الزعيم رأسه؟"

مضى أسبوع آخر ، كان الزعيم قد بدأ ينسى الحصار ، وبدأ ينسى معه بقية أعضاء القيادة معنى هزة رأس زعيمهم ..

لكن عضو سابق في استخبارات العدو كان قد علق في إحدى المحطات التلفزيونية ، وذكر كلمة هزّ في رد
 على سؤال حول أزمة مضى عليها ثلاثين عاما بين بلاده ودولة أخرى ، نقل  النائب هذا الخبر بسرعة
إلى الزعيم ،فقال له :

-  ماذا تقصد" بهز" أيها النائب ؟

-  يا سيدي ،  أنتم من هز رأسه .

صمت الزعيم ، وابتسم ..

-  فعلا ، فعلا ..

انتظر النائب أن يضيف شيئا ، لكن الزعيم طلب من مصوره الخاص أن يصورهما معا ، وينشر الصورة في الصحف كافة ..

خرج النائب دون أن يفهم شيئا ، وفي اليوم التالي سأله نائباه عن مغذى الصورة المنشورة في رأس صحافة اليوم ، لم يجبهما ، وبقي الأمر غامضا ..

وقال النائب :

-  أنا لا أعرف ماذا يخطط الزعيم ، ولم يقل لي معنى هزة رأسه .

بعد أيام طلب الزعيم من النائب أن يدخن ، فالتزم بالأمر دون أن يعرف السبب ، وفسر بعض أعضاء القيادة أنه تحد للعدو وللبرهان أن المنافذ لم تغلق ..

بعد شهرين جاء تقرير للزعيم من جهازه الأمني يقول " أن معمل الأسمدة توقف بسبب فقدان المخزون من المواد الأولية "

ابتسم وقال في نفسه :

- إن خطتي تتحقق ، و تترسخ العداوة والكراهية في قلوب الناس ضد ذلك العدو ، ولن يجدوا بديلا عن إخلاصهم لي ، وتعلقهم بي كمخلص..

طلب من نائبه أن يتدبر أمر المعامل التي تعتمد على مصادر العدو  ، فقال له :

-  يا سيدي ، إن مصدر المواد الأولية الوحيد في العالم هو العدو .

صرخ الزعيم ، وقال :

-  اغلقوا المعمل .

وقال النائب :

- سيغلق من تلقاء نفسه ..

اطمأن الزعيم أكثر للكراهية التي تزداد ضد العدو ..

بعد ستة أشهر تم إغلاق نصف معامل البلاد ، وفي كل مرة ، يقول الزعيم :

-  تخلصوا من كل ما هو معاد ..

جاءه تقرير أمني " ليس لدى الناس جبن"

سخر ، وقال :

-  لكن لدي كثير من الجبن ..

اتصل مع عشيقته وسألها :

- ألا يوجد في السوق جبن ؟

-  لا أعرف .

-  يوجد لديك جبن .

- طبعا ، هل نسيت ، يؤمن لي رجالك كل ما أحتاجه ..

أقفل الخط وقال :

- بما أنه لديها جبن ، يعني أن خططهم فاشلة..

كان في هذا الأثناء يقف طابور طويل أمام مؤسسة تموينية خلقه الحصار بانتظار شراء بعض المواد المقننة ، دخل رجل مفتول العضلات يحمل مسدسا على جنبه ، تجاهل هذا الحشد الكبير من الناس وكأنهم أعداؤه ، اقترب من البائع ، همس في أذنه ، ثم عزل له عشرة صناديق أمام مرأى الناس ، خرج رجل من الصف
 الرابع ، اقترب من البائع وسأله :

- لماذا عزلت هذه الصناديق ؟

سكت البائع ، كرر الرجل سؤاله أكثر من مرة ، فأشار له بطرف عينه إلى المسدس، وأجاب الرجل :

- إنها لي..

وهز مسدسه بحركة مقصودة ..

فقال الرجل بثقة :

-لا، لن نسمح لك .

- لم أطلب منك السماح .

-  هذه المواد التموينية من حقنا..

- من أنتم ؟

-   نحن أهل البلد .

- (طز) فيكم ..

 انطلقت أصوات تحد من رجل  ثان ، ثم ثالث ورابع و.. وقالوا بصوت واحد :

-         حتى ولو كنت الزعيم نفسه، فهذه المواد من حقنا جميعا ولن نسمح لك بأخذها  ..

رفع عنصر الأمن مسدسه باتجاه الرجل الذي انقض عليه وأرداه أرضا ، أطلق رصاصات عشوائية ، أصابت بعض الحاضرين ، حدثت فوضى ، ضرب الناس المسلح الذي صاح :

-  أنا عنصر أمن وستنالون عقابكم أيها الخونة !..

أخذوا منه مسدسه ، وأسعفوا الجرحى ، وكان البائع أحد المصابين ، اضطروا لتشكيل لجنة منهم ، ثم وزعوا المواد التموينية بالتساوي بين بعضهم البعض..

قال أحدهم :

- إننا نموت من الجوع بينما يجلس الزعيم على عرشه دون تحريك ساكنا..

وقال آخر :

-  يجب أن نعتمد على أنفسنا .

وقال ثالث :

- ذلك البلد ليس بعدونا ، وأنا لم أعتدي عليه أبدا ، فلماذا يعاقبني ؟

وقال رابع :

- ليس الشعب هو من يعاقبنا و إنما قلة من أعضاء حكومته يكرهون الزعيم ، فأصدروا حكما جماعيا بمعاقبتنا ..

امتزج النقاش مع آلام الجوع  واستمر أكثر عنفا في الأيام التالية حتى بدأ يتحول إلى حقد ليس على العدو فقط و إنما على العالم أجمع الذي ترك هؤلاء الناس بين الجوع و الحصار ، قال أحدهم :

- نُعاقب لأننا خُلقنا هنا ؟

بينما كانت أسئلة الأطفال والتلاميذ أكثر حرجا لآبائهم ومدرسيهم حول أدوات التعليم والدراسة والمستقبل .. كان المجتمع برمته يدخل في عفونة الكراهية التي بدأت تسحق الأرواح والقيم ..

اتصلت صديقة الزعيم به ، وقالت :

- إن ضابط الأمن الخاص لم يجلب لي حاجاتي لهذه اليوم ..

سأل الزعيم عنه ، فأخبروه أنه في المشفى ، وأنه لن يتمكن لا هو ولا غيره من تأمين حاجات صديقته لأن ما تحتاجه لم يعد موجودا في الأسواق ، فأرسل لها الزعيم حاجتها من مخزنه الخاص ،  اتصل به ضابط الأمن ، وقال له :  لقد سافرت إلى بلد العدو ، فقال الزعيم :

- العاهرة ، ألم تتحمل ساعات قليلة دون رفاه ؟

اشتكى الضابط المصاب من قلة الأدوية وعدم وفرة لوازم الجراحة الموجودة فقط في بلد العدو ، فأرسله الزعيم إلى بلد العدو للعلاج هناك ، بينما بترت ساق مواطن و أصيب آخر بتشوه في العمود الفقري بسبب عدم وجود لوازم الجراحة ، وعندما عاد المشلول إلى بيته على كرسي متحرك :

-  بكى أطفاله ، وقالوا بصوت واحد " إننا نكره العدو المجرم والجبان الذي منع الأدوية والعلاج عن والدنا "

-  بينما قالت زوجته :

-  فليحاصروا الزعيم الذين يؤمنون له حتى السجائر ، بينما نحن نموت من الجوع ، فما ذنبنا إن كانوا

 يكرهونه ، لماذا يقتلوننا باسمه ..

بينما كانت صورة الزعيم تعتلي صفحة الجريدة وهو يدخن ..

وكان اجتماعا في القيادة برئاسة النائب الذي أنهى اجتماعه بجملة " كلنا نحب الزعيم "

هذا هو شعار المرحلة القادمة ، ويجب أن نلتف حول قيادته الحكيمة..

بينما ردد بقية أعضاء القيادة في أنفسهم :

لا نعرف ماذا يجري ، إنه يتصل مع العدو لتلبية احتياجاته ، بينما منع العدو عنا كل شيء ..

وقال آخر في نفسه :

- إنها مؤامرة كي يلتف الناس حول الزعيم ضد عدو ما، وينسوا ما يفعله الزعيم بهم من سوء..

اجتاحت الكراهية القلوب ، واعتقد الزعيم أنه يوجهها وهو يتلمس أعواد كرسي عرشه ، ويردد:

- إنه العدو ، العدو الذي خسر الكثير وربحت ..

وفي لقاء سري له مع أحد أعضاء مجلس أمناء العدو ، طلب منه أن يستمع إلى أغاني بلاده ، فأجابه :

- أنا لم أتوقف عن الاستماع إليها ..

-  نريدك أن تسوقها لدى شعبك ..

أجابه الزعيم :

- أوكل هذه المهمة لكم..

قالها ولديه قناعة أن الكراهية لن تسمح لهم بترويج منتجاتهم من جديد ..

توسط لديه كثيرا ، شعر الزعيم بانتصار ما ، وقال :

- لقد لجؤوا إلي من جديد كي أطوع شعبي، يجب أن يتعلموا أنني أفضل وسيلة من أجل تحقيق مآربهم ..