الرخام الأسود
لي في النشيد الشوكُ و القلبُ المهيضْ
لي في البريق الموتُ و النحلُ المريضْ
لي في الطريق إلى البلاد
قلبٌ يطير على سحاب الجرح
سرباً من حضيضْ
سرباً تكدَّس قرب عاصفة العواطف
وهي تجمعُ
أو تفرّق قامتي مدّاً و جزراً
قلبي هناك
صبّارةٌ مدّت جذور أصابعي
في المعبر الأبدي للبلد البعيد.
بلدي رخامٌ أسودٌ
لا ضوء يعبر غابتْيه
هذا المكعبُ
كعبةُ الأضلاع و الألم المهم لقافلة
بلدي رخامٌ أسودٌ
كم من طيورٍ كسّرت منقارها عند العبور
كم من وجوهٍ حُطِّمت جبهاتها عند العبور
كم من صراخٍ للعبور
كم من عبورٍ للعبور
ولا عبورٌ للعبور.

****************

هذا أنا
عاشقٌ
أغبى من الفرح القصيّ
وأبلدُ من براكين الفتات
حوّلتُ أبنائي بذوراً
للمساحات التي فرضت على الجنزير وقتاً للحراثة
آهٍ بذور الورد
هل صعبٌ نموُّك في الرخام؟
مدّي جذورك في ضلوعي
كم من الصبار ينمو فوقها
خذ يا( مهند ) مضغة الأرض ابتداءً للشفق
خذ قصفتين من العبق
امسحْ شراييني بها
صدأت دمائي يا صغيري من بُعاد الطين عنّي
دخلت حروفي في الحروفِ
 و ما عَجَِزْتُ عن الدعاء. 
مسبحتي هواءٌ للتنفّس و السباحة
مطرٌ تسلّق مئذنة
أذِّنْ بزيتٍ عقّني طول الطريق
أذِّنْ وحيّ على العبور.

****************

لي( فارسٌ ) عَبَرَ الصخور صباح قهر
ومضى إلى برقٍ تجمّد في السواد
إلى قلبٍ توقّف طيلة الدهر هناك
عَبَرَ اكتظاظاً للدموع الحارقة
عَبَرَ اشتباكاً بين داخله و خارجه
و أوله و آخره.

****************

هذا أنا
العاشق الأغبى من الأنهار في دلتا المهمات السحيقة
حوّلتُ أبنائي إلى غُرَزٍ
لتطريز القباب
هذا أنا
أجني على نفسي ولاجنيٌ لنفسي
هذي الملوحة حاسةٌ للأزمنة
نحتت مفاصلنا شراعاً
استوعبتنا كلنا للبحر.
قبّلتُ يافا لحظة التفكير في البجع المُعلّق
إنني أتلو صلاة تفرُّعي في الصخر كالشرر العتيق
تعِبَ البُراق من المناديل الثقيلة
فارتميتُ على السرير الضحل أبكي كالسنابل
وربطتُ في كبدي البُراق. 
من يُعطي للحزن الطيور
إني اكتشفتُ تفاهتي في الوحل
لا سقفٌ هناك لأي طير
كلنا- أمم الزواحف- نستلذُّ إلى التمرّغ
هكذا، حتى تسلّخ جلدنا
الضوءُ يلهب لحمنا المفتول من وقتٍ و رمل
يعصر النجمَ المتاحَ لضفتيْن
انكسرتْ عظام الضوء في النَفَس الأخير من الطريق
تكدّست مُهج البرايا
عمودياً يعود البحر للرئة المصابة بالصقيع
آهِ يا جزري و يا مدّي إليكم
كم من نبيٍّ ذاب في الأرض الرخام
نحت التعاليم التحاماً في الخلايا
هذا أنا
أحمي جلود الأنبياء من التسلّخ والسياط
روحي
عباءة من يعود لداخله
كوفية القُبلات عند المعبريْن
وملاءةٌ للعابرين.

****************

يا نصف قرنٍ من عظامٍ أيقظتْ جسد الحريق
يا نصف قرنٍ من رمالٍ باهظة
إني الوصول المعجزة
إني احترافٌ في الزجاج الصهدِ
والصخر المُذاب على الصدور
مقبرة النجوم أنا
كُلَّني ثقبٌ رخاميُّ السواد
افتح عيونك في الرخام
إني وصلتُ لياقتي نصلاً من التلمود،أتلو المذبحة
كن قاتلي يا نصف قرن
كن سائقي لعطالةٍ
نبشت مكاناً في جوار معابري
حلِّق قريباً من دقيقٍ عاجزٍ
فقد التَّقَمُّحَ و العجين.
****************

 أسكبُ ماء وجهي في دقيق الوقت
أصنعُ السفن المضاءة من عجين تحيتي للعابرين
بأعيننا بنيْنا كل هذا الفُلك
أنحني للسائقين خيولَهم في البرتقال
والرافعين فؤوسهم نحلاً يلملم قامتي
من زهرة الوجع العُضال
أنحني للقمح يحبو
فوق طفلٍ لا ينام
هذا أنا
جسدي دقيقٌ لليتامى
الفاقدين فضاءهم
و المنتمين إلى الرخام
إني صنعتُ سؤالهم عسلاً على ريق الحقائق
كُنْ هاتفي يا كلّ شيء
دخل الصغار إلى رخامٍ أسودٍ لا ماء فيه
لا صوت يأتي من هناك ولا أحد
هل من أحد؟!
هل من رنينٍ جائعٍ للصوت مثلي
صوتٍ تدلى من مسد.

****************

ألهو بما ترك اليراع على الشهيق مساءَ جرح
يا كُلَّ شيءٍ رِنّ..رِنْ
مستنقعٌ جسدي بقرب هواتفي
سحب البعوضُ الشِّعر من جوف الوريد
سحب اليراع الضوء من لغتي
اليعاسيبُ لها شكل الأباتشي
تقصفُ القلب المطلّ على النوافذ
قصبٌ يجر جذوره فيما تبقّى من حوار
إني صنعتُكَ يا سفين
ألقيتُ أبنائي طيوراً في سماءٍ من رصاص
أين الخلاص
مكثوا طويلاً قرب طُورٍ لا يهادن
عندما آنستُ ناراً
طلّ رَخٌ في التواصل
فانحنى موسى لأرغفة الغبار المُرِّ
في غضب الطريق إلى رفح
هل من عَصاةٍ للصغار ليضربوا هذا الرخامَ و يعبروا نحو الرخام
هل من دعاءٍ يسحب الجنزير من كتل الحديد
و يفضّ هذا الانتظار من الوريد إلى الوريد.

****************

إيهٍ صغاري
أمكم تعبت من السعي الحثيث لبعض ماءٍ و انتماء
أمكم عنبٌ لغزةَ
كُلُّها عنبٌ لغزة
عرائشي ذهبتْ هناك لتلتقي لغة السماء
عرائشي
نبتت على خطو الطريق إلى البلاد
هل أنتم عطاشى؟
ناموا على الرمل المُكَرْمَشِ كالرسائل
اضربوهُ بأرجلٍ تعبتْ من الدوران
سوف ينبعُ ما يتيح لنا العبور
زمُّوا مياهي بالحكايا
زمُّوا الصواعق و السحاب
زمُّوا لهيب العابرين
هذا أنا
لي وردتيْن على رفح
أو ما تيسّر من رحيل.