رجل.. امرأة.. من الشاطئ الآخر..

   قصة* برهان الخطيب

   هناك حتما سوف يراها، على قعر ذلك الفراغ الكوني الرهيب، خلال ثقب الآزون المشعث الكبير هذا..
 بين النجوم، فوق علياء غيوم وسحب، بيضاء ورمادية وسوداء، متلبدة حول تلك الكرة الهائلة الزرقاء المنبعجة قليلا، بانت لعينيه وديان عميقة مظلمة مكتنفة بضباب وسخام شبيه بعادم سيارات، وقمم جبال مكللة بثلوج قاتمة كرماد حرائق غابات وحروب، وبحار مغطاة ببقع زيت شاسعة انعكس عليها ضياء القمر والشمس في آن بقنوط فبدت مثل مرايا مشوشة بغبار، أسماك طافية بلا حراك، علب، أخشاب، أنقاض، وأنهار ملتوية جفت فأضحت في الأرض مثل أفاع ضخمة ميتة، وحقول غزتها صحارى بدت مثل شيب على رأس في عز شباب، وحشود نخل وأشجار قطعت رؤوسها بقذائف عمياء فبدت عيدان ثقاب مغروسة في هباب..

  وهناك إلى الشمال، فوق تلك الكرة الهائلة الزرقاء، لاحت تلك الرقعة أو الثقب أو الحفرة المتشققة عن جو الأرض لعينيه المغمضتين كأنها فم للرعب يصيح ويستغيث.. آزون، آزون، آزون، آخ، آخ.. بينما قلب هو رأسه في عرق وصمت وردد كأنه أنشد في جوقة سحرة: أخشى أن تشيب أمنا الأرض.. قبل الأوان.. من قهر أبنائها البشر.. وإلاّ فما هذه الصلعة القبيحة.. على رأسها الجميل؟!..

  ومن خلال الثقب، الرقعة، الحفرة، رأى هذه المرة بحيرات زرقاء صافية كعينيه، كعيون البشر حوله، مبعثرة بين غابات يافعة مثل شذر لازوردي مقدس نشره اله طيب بسخاء على مخمل أخضر هناك في الأعماق السحيقة حسنة وهدية لأناس أحبوا أرضهم وعاشوا عليها بسلام، أرض بدت بشكلها من هذه المبعدة أشبه بنمر أو دب صغير لم يخضع لترويض وضرب سياط، والبحر في حضنه مخلوق أليف اندفع إلى لقائه أملا بدفء وحماية، فالتقى الاثنان على حب ووئام، وهناك بعد.. في عمق ذلك الحضن الكبير بحث بعينيه عن مدينته وبيته، ووجدها مليئة بأنوار منعكسة على خليج ميلرن، وبيوتها ذات القرميد الأحمر والجدران الصفراء المخططة بالأبيض حول نوافذها مرصوفة بعناية وانتظام على جزرها العديدة المديدة وصخورها السوداء الملساء برشق المياه الهادئ المستمر، وهناك أيضا، إلى الشمال قليلا من ميلرن خليج يورفلن الصغير وجواره شاطئ بلدته الصغيرة يرفيلا، بيته، قلعة يورفلن القديمة، مدرسة الطبيعة في جناحها الجنوبي، حيث يعمل وينام أحيانا حين يأخذ حارس القلعة إجازة، وهناك الشاطئان المتقابلان قبالتها، داخلان في مياه الخليج، فإذا واصل البحث بعينه في عمق الغابات القريبة وامتداد الشاطئين وجدها.. أجل.. هناك.. في قعر الرقعة الثقب كما وجدها من قبل وهو على الأرض واقفة عارية تتشمس أمام المياه على صخرة أو هائمة على وجهها في مسالك الغاب أو مستحمة في ضوء القمر مثل جنية..

  فتح ويلي عينيه، نهض من فراشه، وأطل من نافذة علية جناح القلعة الجنوبي إلى شاطئ يورفلن فلم يجد لها أثرا في الظلام المفضض بضوء القمر، مياه يورفلن هادئة تماما، والقمر سامق في سماء صافية، والأشجار ساكنة بلا حراك، كان سمع جواره خشخشة، تناول مصباحه اليدوي وأدار شعاعه في أرجاء العلية، أعمدة السقف الخشبية وألواحه المائلة ساكنة بدورها، لا جرذ، لا أفعى، لا مخلوق آخر يحظى برعاية مديرة المدرسة وحمايتها يدب في الشقوق، الراقصان والمغنيان على الستارة بلا حراك، بلا صوت، لا شئ بين أو خلف قطع الأثاث المركونة هنا في زوايا العلية منذ قرون، سار وفي يده مصباحه إلى مدخل العلية فآطت ألواح تحت قدميه قليلا، نزل السلم المتعرج بحذر ثم مشى بمحاذاة الشبابيك الفرنسية العالية جدا ذات المصراعين مطلا أثناء ذلك على مياه خليج يورفلن والقلعة وجناحها الشمالي والأشجار العريقة ذات السنين الثلاثمائة منتقلا من غرفة إلى أخرى ومصباحه اليدوي يكشف لعينيه أشياء القلعة الهرمة نابضة بحياة ما وكأن شعاع الضوء حين يسلط على شئ أو مكان يعيده إلى مجرى اليوم في لحظات الإنارة العابرة.. ولكن.. كلا.. لا أثر لها هنا طبعا.. فهي ليست شبحا ولا جنية ولا روحا هائمة ولا قوة خارقة ما..

  ربما أصبحت هي لديه رمزا لشيء ما.. إنما هي حتما امرأة من لحم ودم، رآها مرات عديدة وأعجبه تناسق جسدها، نهداها النافران، بطنها المكور، ردفاها العاليان، شعرها الغريب، ولسوف يلتقي بها يوما مرة أخرى عن قرب ويعرف من هي بالضبط، ولماذا هي هائمة في هذه الأرجاء، هو لا يصدق أن لكل قلعة شبحها كما قيل ويقال، وهو يعمل هنا منذ سنوات ولم ير شيئا خارقا غير هذه المرأة التي باتت تظهر له وتختفي أمام عينيه حتى في المنام..

   كلا، إنه لا يستطيع العودة إلى فراشه والإغفاء، عليه القيام بجولة أخرى حول القلعة، من يدري.. لعله سمع وهو نائم وقع خطوات لص جاء لدفع الباب الخلفي الهش للمدرسة والاستيلاء على بعض أشيائها الثمينة، هنا ميكروسكوبات، تلفزيونات، فيديو، كاميرات.. أجهزة أخرى كثيرة وعليه أن يؤدي واجبه في حراستها كما ينبغي، كما أوصته مديرة المدرسة، قبل الاهتمام بشبح امرأة بات يظهر له عاريا أحيانا على هذا الشاطئ أو ذاك، وراء تلك الشجرة أو هذه..

  الهواء العذب الشفاف خارج المبنى القديم عبق برائحة الأشجار ورطوبة الجو ومياه يورفلن ودخل صدره مثل بلسم شاف، وحين بلغ طرف الحقل المزروع بتوت العليق لاحت له الغزلان التي يعرفها منتصبة في ذروة حذر، تطلعت إليه برهة ثم جرت في ضوء القمر هاربة باتجاه الغاب، عاد إلى مرسى القوارب القريب من القلعة وقصد خشبته الطافية على الماء فأصدر تحركها تحت ثقله ضجيجا أيقظ بطات غافية بين أحراش الشاطئ وأرانب هناك، فرت هذه إلى عمق الماء، وتلك إلى عمق الغاب، نظر ويلي إلى الشاطئ والممشى الممتدين يسارا فلم ير غير الأشجار الساكنة وظلالها الكثيفة غير المخفية شيئا عن عينيه سوى سر تلك المرأة الغريب..

  نظر إلى الشاطئ الأيمن وصخوره اللامعة في ضوء الثمر.. فرآها هناك.. وسط الضباب.. شامخة على إحدى الصخور.. جمرة سيجارتها تحركت في المدى البعيد، فومض لها بمصباحه اليدوي بفرح، ولوح بيده عاليا محييا، لكنها لم ترد عليه، ولعلها لم تره فيما هي مستغرقة في أفكارها..

  مضى إليها دون تردد متنقلا على الصخور في الظلام مثل عنز جبلي دافعا عنه أغصان الأشجار قدما بمحاذاة الماء..

  كان مكانها مقابل البحر فارغا..! كما توقع..!

  عقب السيجارة منطفئ.. قرب الموقد الخامد..!

  تلفت وطوّف مصباحه اليدوي.. يسارا.. يمينا.. لا شئ غير السكون حوله.. الظلام الموشى بفضة القمر.. الأشجار.. الصخور.. المياه.. سيسأل مديرة المدرسة عنها، هي تعرف كل شئ في الجوار، الغزلان السارحة في المنطقة، الأفاعي المقيمة في سياج القصر القديم وسلمه وأشجاره، عددها وأعمارها وطرقها اليومية إلى الماء وأماكن استرخائها وقنصها، ذلك الثعلب الأحمر غليظ الذيل، روحاته وغدواته تياها هنا وهناك في أوقات معينة كأنه يحمل ساعة، أسماءها وأماكن وفصول تكاثرها، انغريد تعرف حتى عدد الطحالب والأشنات هنا وفي السويد، في اسكندنافيا، بل وفي العالم أجمع، عشرون ألف أشنة في العالم، منها في الشمال 1160.. أجل، هي تعرف كل شئ عن كل شئ في هذه الأرجاء ولا يعقل أن لا يصلها خبر هذه المرأة الهائمة هنا عن طريق أحدهم..

  في الصباح بدت حركة العاملين القليلين في المدرسة، في غرف وممرات الجناح الجنوبي لقصر يورفلن هنا، نشطة، كحركة طيور وراء النوافذ، وانتقلت مديرة المدرسة انغريد بين المختبر والمطبخ وصالة الدرس وغرفة الإدارة بحيوية تشرف وتهيئ لقدوم مجموعة من معلمي ومعلمات بلدة مجاورة وانشغال طيلة يوم بالتعرف عن كثب على المخلوقات المجهرية في مياه يورفلن، فيما بعد سيقوم هولاء المعلمون بنقل ما عرفوه هنا إلى تلامذتهم هناك..

  لم تتح له فسحة وقت لاختلاء بأنغريد والتكلم في شأن المرأة الغريبة، ظل ويلي يرقب انغريد من بعيد وهو يرتب، شأنه دائما في عمله، الكتب في خاناتها، يدرج أسماء الجديدة منها في سجل المكتبة العام لمدرسة، يراجع أسماء طالبي الكتب ويحرر مذكرات للمتأخرين منهم في إعادة ما استعاروه..

  ومرت انغريد قربه أخيرا وتبادلا تحية الصباح فاستغل ويلي الفرصة:

 ـ داغنز نيهتر لم تكتب اليوم شيئا عن الذئب؟

 فارتسمت الابتسامة العريضة المعتادة على وجه مديرة المدرسة الطيب وتوقفت عنده وأعقبت:

 ـ فعلا.. لكن الجريدة المحلية ليرفيلا ستنشر عنه موضوعا آخر فهو يسمى الآن ذئب يرفيلا..

 علق ويلي:

ـ لعل ذئبنا المسكين كان يبحث عن غرفة في فندق باركربي عندما دهسته السيارة قبالته على طريق 18..

 ضحكت انغريد:

ـ أو كان يبحث عن وليف ليحبه كما تبحث أنت منذ زمن..

ـ الذئاب أكثر نبلا من الأسود على كل حال.. هذا معروف.. فلن أزعل من المقارنة..

ـ تطعم هي جراءها قبل أن تأكل.. والأسود مهتمة بنفسها فقط.. فماذا عنك؟

ـ أجمع معلومات حاليا عن حيوان وبشر..

 ضحكت انغريد مرة أخرى:

ـ هو سيحنطونه ويعرضونه في صالة مكتبة ياغوبزبيري فماذا سيحدث معك أنت؟!..

ـ شئ مشابه ربما.. لأني واقع في حب شبح كما يبدو..

ـ تقصد المرأة التي رأيناك تتهرب منا فترات الغداء وتذهب إلى الشاطئ بحثا عنها؟..

 فبرقت عينا ويلي الزرقاوان وابتسم كمن ضبط متلبسا بجرم:

ـ أنت سمعت عنها شيئا إذاً؟..

ـ هي امرأة ألمانية، من محبي الطبيعة كما يبدو، جاءت إلى هنا للراحة وحدها مع خيمة..

ـ لتؤكد أن النساء الألمانيات لا يقللن شجاعة عن أخواتهن السويديات؟!..

 عادت انغريد إلى انشغالها واختفت ابتسامتها فجأة كما ظهرت كشمس يوم غائم وقالت:

ـ لا أدري.. يبدو لي من نزوعها إلى الوحدة أنها تخفي تراجيديا شخصية.. وراءها مشكلة..

 ومضت انغريد إلى المختبر وتركت ويلي في حيرة!..

 ليلة أخرى كان ويلي نائما في بيته، الهواء العذب المتسلل من النافذة المفتوحة يملأ صدره بانتظام، السماء عالية رمادية وفسيحة، دب إلى أذنيه هدير محرك خافت يكاد لا يسمع، تعالى قليلا قليلا، بعد برهة دخلت أنفه رائحة عادم سيارات، حاسة شمه استيقظت، واستيقظ هو نصف استيقاظ، إنها الخامسة تقريبا إذاً، رتل السيارات المتحرك على طريق 18 باتجاه ستوكهولم سيزداد احتشادا، هو ليس يوم سبت أو أحد، يوم عمل معتاد وعليه النهوض بدوره قبل أن يدوي المنبه، لكنه تذكر أنه يوم عطلته لم يستطع مواصلة النوم رغم ذلك.. قرر المضي إلى قصر يورفلن وشاطئه..

 في مسالك الغاب المحيط بالقصر، على الطريق المحاذية للشاطئ، تحت الأشجار المعمرة التي اتخذها بعض الجوالين أيضا مسكنا وغطاءا لهم أحيانا، هنا، هناك، لم يجد لها أثرا.. علب فارغة لأطعمة ومشروبات ملقاة في سلال قمامة.. حطب منطفئ في مواقد عامة.. متمشون في الهواء الطلق، هواة ركض، قوارب شراعية طافية مع وضد تيارات الريح.

 وكان جالسا إلى مصطبة قريبة إلى الماء ينظر إلى بطات سابحة بحثا عن قوت لها، وسيارات عابرة على جسر بعيد جدا جدا.. شعر بخشخشة على العشب قربه.. على بعد خطوة ونصف من مصطبته كانت واقفة.. تنظر إليه بعينين فارغتين من إحساس ما.. سألته حين التقت عيونهما بسويدية مكسرة:

ـ أنت تبحث عني.. لماذا؟..

 كانت في بلوزة سوداء دون ردنين وشورت أسود أيضا.. حليقة الشعر إلاّ من عرف مصبوغ بلون أخضر، ناهضة الصدر والردفين، شاحبة الوجه حتى أذنيها، في يدها كتاب (تعلم السويدية) أجاب مبتسما فرحا بالمفاجأة:

ـ لا أدري.. شئ في شخصك سحرني.. أنت مثل حلم..

 أضافت هي في قليل من غضب:

ـ لكن لماذا الملاحقة؟!

 فكرر ويلي مأخوذا بحضورها:

ـ لا أدري. صدقيني. ربما لأعرف مزيدا عنك.. لتعويض شئ مفقود.

بدا عليها استياء:

ـ أنت ترى بأني تجنبت الالتقاء بك.. فلم إزعاجي؟!

ـ آسف.. آسف.. صدقيني ليس عريك أحيانا على الشاطئ ما جذبني إليك.. بل شئ آخر لا أدري ما هو.

 ضيقت عينيها:

ـ تقصد دافع ملاحقتك ليس جنسيا؟.. من يصدق هذا!

ـ لن أكذب.. أنا مفتون بك حقا.. لكن توحدك هو الذي شدني إليك أكثر.. ربما لأني أنا الآخر متوحد..

 أشارت الفتاة إلى موقع قصر يورفلن وراء الأشجار:

ـ لو لم ألاحظ أنك تشتغل في ذلك المكان فكرت أنك مهووس جنسي أو قاتل نساء وأخبرت البوليس.

 ضحك ويلي:

ـ أشبه أنا أحدهم؟!

ـ أي رجل يمكن أن يشبه أحدهم.

ـ نظرتك قاتمة وظالمة إلى الرجال.

التفتت عنه إلى البحر وتمتمت:

ـ لا تضايقني بعد أرجوك.. دعني في حالي.

 ومضت إلى الممشى المتعرج مع امتداد الشاطئ فهتف وراءها بصوت مبحوح بلهفة:

ـ أسعدني الكلام معك..

 توقفت الفتاة والتفتت إليه.. في عينيها نظرة متسائلة ودهشة، ذكر لها أسمه وسألها عن أسمها، فأجابت بعد قليل:

ـ هيلدا.. أو أيفا.. ما الفرق؟!..

 وواصلت طريقها بين الأشجار..

2

 

 كانت أيفا ترقص في ديسكو "الديك الذهبي" في يوم عيد ميلادها الواحد والعشرين، وكانت تركت طفلها لدى أمها وجاءت صحبة إبراهيم إلى هذا البار الجديد البعيد عن مركز المدينة رغم تحذير البعض من جو كراهية الأجانب، كادت تحدث مشاحنة منذ البداية، بواب الديسكو قال لا مكان عندنا حاليا حين جاء دور أيفا وإبراهيم للدخول إلى البار وسمح لأثنين آخرين وراءهما بالدخول إلى البار بحجة أنهما عضوان في "النادي".. إبراهيم قال له: أنت تريد إهانتنا بهذه الطريقة لأني لست أشقر أزرق العينين كحضرتك بينما (هتلرك) الذي تحبه أسود الشعر والعينين مثلي!.. وتدخلت أيفا وأفهمت البواب أن زوجها إبراهيم محب لألمانيا ويدفع ضرائب إلى الحكومة من عمله في مخزن "كويلا" أكثر ربما مما يدفعه كثيرون هنا كارهون لأجانب، اعتذر البواب أخيرا لأيفا وأدخلهما إلى البار..

 كانت أمسية نكدة منذ البداية..

عند خشبة البار راح شاب سمين ثمل بالشنابس والبيرة يغازل أيفا فاشتعل إبراهيم غيرة، وحاولت أيفا تهدئة زوجها وإفهامه بأن ما يحدث حكاية معتادة يعرفها وأنها قادرة على إيقاف الشاب السمين عند حده من غير تدخل إبراهيم. ثم انتقل الخصام هذه المرة إلى أيفا وإبراهيم حول مائدة السهرة بعد أن اتهم إبراهيم زوجته بأن "هشاشتها الروحية والعاطفية والأخلاقية هي سبب تراكم شباب حولها كل مرة ذهبا فيها إلى بار مثل ذباب على قطرة عسل" فزهقت أيفا وصاحت به بل تضخم أناك كرجل شرقي نتيجة تربية خاطئة هو سبب المتاعب بيننا دائما، ولن تستطيع أنت تغيير نفسك ولا أنا فالأفضل لكلينا الافتراق فعلا... لا لقاء بين شرق وغرب حقا كما قالوا.. لكل منا ثقافته، عاداته، نمط معيشته، مزاجه..

 غضب إبراهيم وكاد يقلب المائدة، ومرت دقائق استغرق كل منهما في صمت في ذاته وأفكاره ودخان سيجارته.. وضحك إبراهيم فجأة وقال:

ـ اختلافنا على كل حال ليس اختلاف الخيول والحمير فما أنجبناه ليس بغلا عقيما.. هيا لنرقص..

 حاولت أيفا بدورها في تلك الأمسية تناسي ما حدث، ابتسمت بحزن وقامت بتثاقل للرقص..

 لكن نحس تلك الليلة لم ينته عند ذلك الحد..

 بعد خروجهما من البار حوالي الواحدة ليلا تبعهما عن مبعدة في البداية إلى موقف سيارات الأجرة عدد من الشباب في قمصلات وبناطيل جلد سوداء مرصعة بأزرار فضية، كان بينهم ذلك الشاب السمين الذي عاكس أيفا عند مشرب البار في بداية السهرة، التحق بالمجموعة بعد قليل راكبو دراجات نارية، سواعدهم مليئة بأوشام، بأفاع ونسور، وقد كانت أيفا وإبراهيم سارا مشوارا ولم يلمحا سيارة أو أحدا من المارة، شعر إبراهيم بخطر فطلب من أيفا أن تتركه وحيدا وتجري بعيدا عنه إلى أي مكان فيه أناس وبوليس، كانت أيفا في قمة استيائها، قالت له: لا فائدة سيتبعني راكبو الدراجات النارية فاهرب أنت لتنجو بجلدك.. ومن يدري قد أستطيع التفاهم معهم والنجاة أيضا..

 حدث الشجار خلال دقائق، أحاط أربعة شباب من المجموعة بإبراهيم وراحوا يتبادلون الضرب حتى أغمي على إبراهيم، أيفا لم تستطع الدفاع حتى عن نفسها، على رصيف الشارع قرب مخزن لبيع الزهور حدث الاغتصاب..

 اثنان فقط استطاعا أخذها عنوة، آخرون كالوا لها الضرب والشتائم لتفضيلها "أسود" عليهم.. لم يحضر البوليس إلاّ بعد فوات الأوان كالعادة..

 وقفت أيفا تحت الدوش بعد ذلك مرات عديدة فترات طويلة، حلقت شعرها، أحرقت بعض ملابسها، ورمت أحذية إلى صندوق القمامة، انقطعت عن ابراهيم، حتى طفلها تركته في رعاية أمها ولم تقترب إليه..، لم تسمع، لم تتكلم، لم تذهب إلى عملها، فعلت كل شئ من أجل أن تنسى، أن تكون غير نفسها، أن تخرج من نفق مظلم طويل أحاطها تلك الأيام، لم تفلح لقاءات مع أصدقاء وصديقات قدامى في بث نسيان ولا سلوى في نفسها، كانت تريد نسيان إبراهيم بصدق هذه المرة مثلما أرادت أن تنسى ما حدث معها على رصيف الزهور، أن تنسى... أن تنسى..

 واستمعت أخيرا إلى نداء تردد في روحها، نداء أهاب بها للعودة إلى حضن أمها الطبيعة، لمعالجة نفسها من حالة العزلة التي أثقلت عليها، أمها الحنون الكبرى التي تعطي دون أن تأخذ، أحضانها المريشة بالعشب والشجر قادرة على تعويضها ما فقدت بعيدا، راحت تتعلم السويدية، قربها إلى الألمانية حببها إلى نفسها، وقررت قضاء الصيف صحبة أمها الخضراء ذات العيون الزرق..

3

 منتصف الصيف، منتصف الطريق، والعيش في الخيمة مع موقد البنزين ومعلبات المخزن البعيد نصف ساعة مشيا لا زال طيبا... طيبا..

 باتت مسالك الغاب تظهر للعين عن مبعدة، بعض الأشجار تعرى مبكرا.... مبكرا.. مثل روحها.. تساءلت أيفا:

ـ إلى أين نحن سائرون؟

 فأجاب ويلي:

ـ هذا الطريق يمتد من قصر يورفلن ويتعرج مع الشاطئ بعيدا حتى ينتهي عند مسبح يورفلن العام..

ـ أعرف.. إنما قصدت.. نحن البشر عموما.. إلى أين سائرون؟!..

ـ آه.. بانت ميول الألماني إلى الفلسفة..

ـ هذا سؤال يلقيه أيٌ أحيانا على نفسه..

فاستجاب ويلي لرغبة أيفا في التأمل وقال:

ـ لكل هدفه في الحياة.. لكل طريقه..

ـ لكن التلوث المادي الذي يصيب البيئة الذي تكلمتَ أنت عنه والتلوث المعنوي الذي يصيب المجتمعات كالذي كلمتك عنه يهددنا جميعا..

طمأنها ويلي وطمأن نفسه:

ـ أعتقد أن للبشر حصافة تجعلهم على بينة من حالهم.. نحن سائرون إلى تفاهم وهذا رائع.. حتى أنتِ وأنا بدأنا نتفاهم رغم عوائق اللغة.. الماضي... الـ.. لا أدري ماذا بعد.

 سكت ويلي..

بعد قليل تساءلت أيفا:

ـ أنت لم تكلمني عن ماضيك.. أنا فعلت..

علق ويلي بشيء من مرارة:

ـ الماضي!.. وما نفع الماضي؟!.. نحن نثقل أنفسنا به.

ـ لكن الحاضر امتداد له..

ـ الماضي يموت.. وإذا أبقيناه في ذاكرتنا أفسد حاضرنا..

ـ لا تتهرب..

ابتسم ويلي:

ـ أنا سعيد لاستعادتك مرحك.. أمنا الطبيعة فعالة بدوائها حقا..

ـ قل لي في الأقل.. كم امرأة في حياتك؟

ـ بدأتِ تغارين.. هذا رائع.. براعم الحب ظهرت.. اعرفي إذاً.. واحدة فقط في حياتي.. هي أنتِ..

نظرت أيفا إلى ويلي طويلا وتمتمت بامتنان:

ـ شكرا على هذه الكذبة الصادقة.. خذني إلى فراشك هذه الليلة أيضا..

كانت الريح عالية قليلا ذلك اليوم، وموجات مياه يورفلن تداعب صخور الشاطئ المتعرج الطويل، وأغصان الأشجار المكلكلة من الجانبين على الطريق المحاذية للشاطئ تهتز مع هبات الريح، توقفا وسط الطريق وتبادلا قبلات خفيفة على الخدود والعنقين، ولما أراد شفتيها أبدت أيفا، سألها مبتسما:

ـ مم خوفك بعد..؟!

ـ لم أعد أخاف غير نفسي منذ رصيف الزهور.

ـ هذا واضح. من تنقلك في الليل على صخور الشطآن.

ـ حتى كارثة يمكن أن تنفع.. لو أبقينا أنفسنا أقوياء.

ـ أجلب لك شهادة صحية جديدة إذاً؟!

ابتسمت أيفا بدورها:

ـ ليس هذا ما كنت أفكر فيه.. إنما لا رغبة لي الآن.

ـ عجيب حالك.. مرة لا ترغبين.. أخرى تلتهبين مثل جمرة.

ـ كل منا عشرة أشخاص في واحد.. ثم لا يمكن أن نكون ملتهبين دائما وإلاّ انطفأنا سريعا.. العجيب حالك.. أنت ملتهب دائما مثل شرقي..

ـ شرقي.. غربي.. أتؤمنين حقا بفروق بين بشر؟!..

الطريق الطويل بين قصر يورفلن والمسبح الطبيعي العام لما يزل خاليا من بشر، برز أرنب من وراء شجرة وراح يرقب أيفا وويلي وهما واقفان متعانقين وسط الطريق. أجابت أيفا بشيء من حزن:

ـ الفروق موجودة.. نحن عقلانيون.. هم عاطفيون.. نحن واقعيون.. وهم.. لا أدري ماذا.. ربما حالمون..

ـ يبدو لي أننا جميعا نحن ونكره مثلاً عين الأشياء وبطريقة واحدة.. الاختلاف في التفاصيل فقط..

أكدت أيفا دون أن تختلج عضلة في وجهها:

ـ التفاصيل هي الحياة.. هي التي جعلتني افترق عن زوجي إبراهيم ولا أفكر بعد في اقتراب إلى أحدهم..

وسألها ويلي وقد انتقلت عدوى كآبتها إليه:

ـ لا زلت تعتقدين أن غيرته المفرطة سبب ما حدث لكِ تلك الليلة؟

ـ ما حدث تلك الليلة أمر خاص بنا كألمان أو كغربيين عموما وقد لا تكون له علاقة بإبراهيم وأصحابه.. ذلك بقايا من بربرية قديمة..

ـ ماذا جعلك تفترقين إذاً عن زوجكِ؟

ـ لو أردت الصدق.. اختلاف الأمزجة.. وربما.. كونه شرقيا وأنا غربية.. كان بيننا جنس فقط.. مَن يغتصب مَن.. مَن يستولي على مَن.. وليس حبا كالذي بيننا مثلا..

ـ الحب.. التفاهم.. يبدأ من الفراش.. هكذا اعتدنا..

ـ كلا.. كلا.. بل بعد ذلك..

ـ أخشى أن تكون عدوى العنصرية انتقلت إليك من أولئك.. مؤلهي العنف أو غيرهم..

ـ لا أظن.. في دمي الآن إحساس يقول لي: هذا منا.. يمكن الميل إليه إذاً.. وهذا ليس منا.. ضعي مسافة إذاً بينك وبينه..

توقف ويلي ونظر إلى الأرض، أنه لا يدري لمَ اعتاد بشر على جعل الأرض رمزا للواقع، والسماء رمزا للمُثل، بينما العكس هو الصحيح ربما، فالمُثل خُلقت على الأرض، فيما الواقع هو أننا جزء من السماء والكون الرحب حولنا، أجل، الواحد منا يخلق مُثله وهو داخل مجتمعه وينسى أنه جزء من الإنسانية الكبيرة حوله، اختلاط الأمور ليس نادرا.. ليس نادرا..

ها أيفا اعترفت في التو بحب بينهما، وها هي أيضا أوضحت لمن هي تميل ولمن لا تميل.. وتقول عن نفسها واقعية!.. بينما الواقع آخر، ويلي يرى أياً من الإحساسين أقوى فيها، أنه الإحساس الذي خلقته الطبيعة فيها نحوه وليس ذلك المفترض المصطنع الناجم عن فكرة مسبقة في الذهن مستوحاة من جماعة أو من مجتمع برمته. ولكن لو سكت ويلي عن الحقيقة التي يعرفها خدعها بالطبع، فلا يستحق حبها، بل ولا يكسب هذا الحب حتى بينه وبين نفسه، فهو الخاسر إذاً في هذا الحال..

4

 لو صارحها بما عرف، وكشفَ لها مَن هو في الحقيقة، نبذته ربما، لكنه... سيظل يعرف في هذا الحال بأنها أحبته رغم نبذها له وفي هذا ما يكفي له من كسب في حفاظ على احترام النفس، بالتمسك بصورة واحدة لها، بالصدق..

 كيف لم تنتبه هي إلى ذلك؟!.. لا غرابة.. طالما هو نفسه بات بعد عشرة طويلة يفكر كما يبدو له مثل أغلب السويديين حوله.. كانت المياه تسقسق على مقربة، والريح توشوش، وطيور الغاب تهذر.. وتهذر.. وهدير بعيد بدأ يشق عنان السماء.. سألها:

ـ تسمعين زقزقة عصافير.. أزيز طائرة؟

 تلفتت أيفا حولها.. أجابت في دهشة:

ـ كلا!.. إلاّ إذا كانت الأشجار تتكلم سراً وتعيق سمعي!

 رفع ويلي يده إلى جبهته كأن صداع القذائف المنهمرة في ذاكرته يهاجمه مجددا وتساءل بخيبة ردا لقولها قبل برهة:

ـ لماذا ألغيتِ إذاً المسافة بينك وبيني؟!

 ضيقت أيفا عينيها كمَن استعصى على فهمه شئ وتساءلت بحيرة:

ـ وما الفرق بين ألماني وسويدي؟!.. كلنا غربي في النهاية!..

تنهد ويلي وأعقب ضجرا:

ـ لكني يا أيفا لست سويديا.. أتكلم السويدية نعم.. وفي الأصل أنا رجل من بحيرات جنوب العراق..

 فتمتمت أيفا في دهشة متزايدة:

ـ اسمك ويلي!..

 ونظرت أيفا إليه في شئ من خوف مفاجئ، لكنها لم تر في عينيه ما يبرر خوفها على الإطلاق، لم تر فيهما غير ألم بعيد، مثل الذي استقر في روحها عميقا، ورأت حبا واسعا، كالسماء فوقهما، وألفة عرفت مذاقها الطيب خلال وقت معه، و رقّة افتقدتها كثيرا على رصيف الزهور ذاك..

  رفع ويلي بصره عن البحر إلى سحب آخذة في الاقتراب من حافة الأفق كسرب طائرات مهاجمة، وقال متنهدا بعمق وهو يسرح شعره بأصابعه:

ـ اسم ويلي موجود في بحيرات الجنوب عندنا وجود النجوم في السماء.. ولي.. كان وجعلته أمي من كثرة الهم والويل.. ويلي.. وأبقيت على الاسم هكذا بعد وصولي السويد.. إعجابا بويلي براندت..

ابتسمت أيفا أخيرا.. وأعقبت:

ـ لو كان اسمك محمدا أو عليا ماذا كنت تجعله؟.. محمد علي كلاي؟..

ـ لا.. لا.. أنا أكره الملاكمة.

ـ وعيناك الزرقاوان!

ـ ما أدراني؟! هي موجودة حتى في مناطق عندنا لم تمر بها جيوشكم.

  أواخر الصيف.. أوراق الأشجار تشحب.. أمطارها الملونة تنث بين حين وحين.. ومسالك الغاب تنفرش بأبسطة مزخرفة بأشكال شتى..

  أشجار الصنوبر هنا دائمة الخضرة.. مثل النخيل هناك..

* من مجموعته (الحياة قصص)

نشرت بالسويدية ضمن انطولوجيا لكتاب أجانب