*
بزة الباطني
منذ
طفولتي وأنا أحاول أن أكتب قصيدة وأتمنى أن أصبح شاعرا
فالشعراء مختلفون.قرأت كثيرا من الدواوين وحفظت كثيرا من
القصائد وأفنيت كما هائلا من الورق كتبت عليه أحلى كلام
…ولكن لا قصيدة .
تغير شكل ومضمون القصائد فصارت كما كل شيء في عصرنا الحاضر
قصيرة نحيفة سريعة خفيفة ،فقلت أندس بين تلك الأفواج
المتدافعة في عالم الشعر ومن يدري فربما أظهر من بينهم كشاعر
حديث مجدد مطور .
ما
تهيأ لي ذلك فتلك القصائد التي تبدو سهلة بسيطة لا بد لها من
مضمون مكثف قوي ومعاناة حقيقة لتولد ولا بد لها من أنغام
موزونة تنساب خلالها وإيقاع ينتظمها لتحظى باللقب،ورغم أنني
مثقف ومطلع جيد إلا أنني إنسان قنوع و همومي بسيطة لا تتعدى
متاعب البيت والعمل و لا أحب تعقيد الأمور ولا أخذها على غير
ما تبدو وبعيد كل البعد عن المشكلات وأصحابها وأسبابها فلا
أهمل ولا أسعى لما هو مخالف أو لما لا أقدر عليه حتى صارت
أكبر مشكلة عندي هي أن أكتب قصيدة .
حاولت أن أتقمص شخصية شاعر رحل وبين يديه قصيدة لم تكتمل
فاعتكفت في بيتي وصاحبت التراب والغبار وانتظرت أن تتلبسني
روحه لأصبح أنا شاعرا ويكمل هو القصيدة .
بحثت عن الإلهام في ابتسامة طفل ،في دمعة أم ،في آهة عاشق،
في قطرة مطر ،في نسمة ربيع، في تفتح وردة ،في تغريد عصفور،
في موجة بحر، في حبة رمل ،في اندلاع حرب وفي إعلان سلام
.كتبت فصار ما كتبته النسخة ما بعد عدة ملايين مما كتبه
الشعراء من قبلي في كل مكان وزمان وأنا أريد أن أتميز.
تعبت وقلت أنسى ورجعت إلى عودي الذي هجرته من أجل قصيدة
فالعزف على العود هو حب آخر قديم ومن طرف واحد أيضا .من سنين
وأنا أحاول أن أعزف لحنا واحدا بنجاح ولا أفلح إلا في
المقدمة التي ترفعني إلى صفوف العازفين الكبار وما تلبث أن
تختل عندي الأنغام كما تختلط عندي البحور في الشعر لأسقط
وأتكسر على صخور الحقيقة فأنا لا أملك الموهبة.
ربما ،لكنني قررت أن أكتسبها فبعض الناس يولدون بمواهب
وقدرات محددة تعلن عن نفسها في وقت مبكر وآخرون يولدون
بالميول فقط وعليهم أن يكسبوا الباقي بالتعلم والمثابرة
فتوقفت عن عزف الألحان الجاهزة وبدأت في ابتكار أغان جديدة
من تأليفي وتلحيني .
صرت
أرتجل الكلمات والألحان معا وفي وقت واحد وأنا أظن أن أحدهما
يشجع على استدعاء الآخر فزاد التذمر بين الأهل وما وجدت
ترحيبا لمحاولاتي الإبداعية في البيت ولا حتى في أي مكان آخر
فلجأت إلى شاطئ البحر.
اخترت ساعات الصباح الأولى ومكانا منعزلا على الشاطئ صرت
أتردد عليه حتى خيل إلي أن أمواج البحر لا تتحرك إلا عندما
أبدأ أنا العزف وصارت الصخور منصتي الأمينة والبحر جمهوري
الوفي .
كنت
أعزف ذات صباح أحد ألحاني المبتكرة حين قاطعني صوت زجاج
يتهشم فانتبهت وأنا أظن الفاعل أحد الشباب المستهترين أو
…وما أحببت ذلك الظن …أحد رواد الشاطئ المنزعجين من أغنياتي
.
كانت شابة في مقتبل العمر وبجانبها كيس نفايات منتفخ كانت
تحمل ما يحتويه من زجاجات لتحطمها بكل قوة وغضب على الصخور.
أزعجني جدا صوت الزجاج رغم المسافة التي تفصل بيننا وعجبت
كيف تحتمله هي فخمنت أنها تعاني من إزعاج أكبر وكيف يسمع من
تهشم في داخله كل زجاج العالم في لحظة واحدة .
لم
أطل النظر إليها لكنني رحت أختلسه بحذر فقد تكون مجنونة أو
تحت تأثير عقار ما أو في وضع نفسي متأزم ولم أرغب بأن أكون
ضحية أحدهم.
بعد
أن انتهت من تحطيم الزجاج بدأت بقذف أشياء كثيرة في البحر.
أشياء كأنها لعب وعلب هدايا وقصاصات أقمشة ، ثم انشغلت
بتقطيع الورق وصارت تسحب من الكيس أكواما من المغلفات
الصغيرة والكتب والكراسات وتقطعها إلى قطع صغيرة جداً ثم
تنثرها في الهواء فتهبط حولها كأنها زينة عرس وحين فرغ الكيس
من محتوياته وانكمش مزقته أيضا من جهة واحدة وظلت ممسكة به
طويلا وهو يرفرف في يدها كراية ثم أطلقته لتحمله الريح بعيدا
.
ظننت أنها انتهت وتمنيت لو تغادر لأعود إلى ما كنت منشغلا به
ويكفي ما أفسدته في نفسي ومن حولي لكنها جلست فوق الصخور
وراحت تنظر إلى قطع الزجاج اللامعة ثم مدت يدها و التقطت
قطعة راحت تقلبها و تتأملها وهي تقربها ببطء من رسغها .
ما
عاد يفصل بين طرف قطعة الزجاج الحاد وبين جلدها سوى جزء من
ألف جزء من المليمتر أو هكذا هيئ لي ،لا بد أنها تفكر
بالانتحار ! أرعبتني تلك الفكرة .أنا الذي أتجنب مشاهد العنف
والرعب حتى في الأفلام صار علي أن أشهد حقا موت إنسان يتألم
.
أي
عذاب تعيشه تلك المرأة لتضع كل آمالها في الموت ؟!ما شعرت
بمثل ذلك الخوف أبدا واحترت فيما يجب أن أفعل هل أبتعد أم
اقترب بشهامة وبطولة لأنقذ تلك المسكينة؟ وماذا لو هاجمتني
لأصبح أنا المسكين شهيد المروءة؟ وماذا يحدث لو أنني اقتربت
منها ومضت هي فيما تريد لأصبح متهما أو شاهدا على جريمة ؟
اخترت حلا وسطا . لن أقوم بأي تصرف بطولي ولن أهرب كجبان لكن
سأحاول أن أثير انتباهها لوجودي لعل الضجة تثنيها عن عزمها
فنهضت ورحت أتحرك مبتعدا عن مكاني باتجاهها وأنا أحمل العود
وأعزف عليه بكل قوة دون أن أنظر إليها .
مضيت وأنا أسير بمحاذاة الطرف الآخر للصخور .كنت أحترق لأعرف
ما يحدث لكن لم أجرؤ على الالتفات .زاد عزفي عنفا مع تصاعد
قوة دقات قلبي وشعرت أنني ابتعدت كثيرا وأن وقتا طويلا قد
مضى منذ غادرت مكاني رغم أنني لم أتحرك سوى منذ دقائق معدودة
ولبضعة أمتار فقط .
ما
عاد بإمكاني الاستمرار فتوقفت عن العزف واستدرت بسرعة نحوها
وأنا أتوقع أنا أرى جثة هامدة ونهرا من الدماء لكنها
اختفت.انحدرت على الصخور نحو البحر فربما تكون قد أغرقت
نفسها وما كان يطفو على سطحه سوى الأمواج وبقايا الأوراق
التي مزقتها فأطلقت نظري على طول الشاطئ وما كان هناك سوى
بريق الزجاج المتهشم .خمنت أنها قد غادرت فلا يمكن أن تموت
وأن تتلاشى بتلك السرعة.
عدت
إلى مكاني وأنا أحاول أن أكون أنا الذي كان قبل قليل هناك
يعذب العود من أجل الكلمة ويلوي الكلمة من أجل النغم، فالرعب
الذي مررت به كان مريعا إلى حد بالغ ،لكنه كان رعبا مجديا
،فما أن استعدت هدوئي وسكوني حتى غرقت في حالة من الشفافية
تجلى لي فيها عالم من رؤى مدهشة وأفقت من تلك المكابدة بوعي
حاد غريب فتح لي أبوابا إلى معان غير معهودة ولا مطروقة فما
كانت تلك امرأة كما صورتها الفنون وهي تتجمل أو تعمل أو
تتأمل وما كانت تلك امرأة ترغب بالموت حقا لأنها تتألم لكنها
ربما كانت امرأة تتغير…وتساءلت لم علينا أن نقترب دائما من
الفناء عندما نريد أن نولد من جديد و عندما نحب أن نكتب
قصيدة.