| طنجة: عبد
السلام بن إدريس |
ما
بين رشفة من فنجان القهوة، و كلمة أملأ بها فراغ الكلمات المسهمة، و
نظرة زائغة نحو وجوه المارين أمامي، تطلين أنت من بين كل هذا لتسرقي
مني الوقت و المكان. لماذا تحضرينني دائما؟ أفهم. أفهم الآن فقط، أني
ما فتئت أحبك. و بجنون أيضا. لكني لا أفهم لماذا أتذكرك كلما تساقط
المطر. و اليوم تساقط المطر، و بغزارة!!
تذكرتك.. تذكرت ذكرياتنا، حماقاتنا، و أسرارنا الصغيرة. تذكرت كيف كان
حبك لي غزيرا، شرسا، منهمرا كالسيل لم يتوقف قط إلا في ذلك الصباح،
عندما قررت وأده بمكالمة يتيمة و أخيرة. كنت تسألينني دائما: - نور
الدين، قل لي كيف تحبني؟ - كنت آخذ يديك بين يدي كتحفة ثمينة أخاف أن
تنكسر، و أهمس في أذنك: حبي لك كبير كالبحر. لكنك عبرت ذلك البحر و
رحلت إلى الضفة الأخرى. هل كان علينا أن نفترق حقا؟
هذا المساء، تسكعت طويلا في شارع باستور و شارع محمد الخامس قبل أت
تتعب قدماي و تأتي بي عنوة إلى هذه المقهى، لأنتقي نفس الركن و نفس
الطاولة و أظل حتى وقت متأخر من الليل أبدع قصائد عشق لا يهتم أحد
بقراءتها أو أكتب رسائل مطولة للذين كانوا هنا. في البدء كنت أتلقى
ردودا و لو مقتضبة على رسائلي، ثم أخذ الصدأ يعلو صندوق الرسائل فلا
أجده إلا فارغا. بعدها، صرت أدخر ثمن الأظرفة و الطوابع البريدية
دراهما بيضاء للأيام السوداء. أنا لم أغير من عاداتي القديمة شيئا، ما
أزال أمارس طقوس عشقي للوردة الحمراء و القصيدة و السمفونية الجميلة،
ما أزال أصعد إلى السطح لأقف الساعات الطوال أحدق في القمر، ما أزال
أبكي كطفل صغير كلما قرأت أو شاهدت قصة حب حزينة. و أنت؟ أتراك حافظت
على عاداتك أم أن العيش في أوروبا يورث المرأ عادات جديدة؟ أعرف أن
الحياة في بروكسيل غير الحياة هنا. و لا بد أنك صرت تتكلمين الفلامانية
بطلاقة و تتصرفين كالأوروبيات. لكن، هل علمت يا عزيزتي، بعد طول مقام
في المهجر، أن المرأة الأوروبية العاشقة تضحي بكل شيء من أجل حبها و لا
تخون أبدا حبيبها؟ أتساءل.. كيف سيكون حالك يوم تكتشفين أنك بعت حبا،
كان كالبحر كبيرا، من أجل لا شيء؟!
أدخل يدي في جيب معطفي، و أخرج ديوان الشعر الذي أهديتني إياه ذات مرة،
عندما كنت ما تزالين مولعة بأشعار نزار
|
* و ما بين حب و حب.. أحبك
أنت..
و ما بين واحدة ودعتني..
و واحدة سوف تأتي..
أفتش عنك هنا و هناك
كأن الزمان الوحيد زمانك أنت..
كأن جميع الوعود تصب بعينيك
أنت.. *
|
|