مأزق (إسرائيل) التاريخي بعد الحرب على لبنان: السلام الدائم أو الحرب الدائمة!
د. عزمي بشارة 23/9/2006
الدكتور عزمي بشارة *
نشأ بعد الحرب على لبنان وضع سياسي إقليمي جديد يتميز بوضوح الخيارات بين الحرب والسلام. ويُشكل وضوح الخيارات مأزقاً حقيقياً (لإسرائيل) لأنها غير مستعدة لدفع ثمن أي من الخيارين، ولذلك تجري في الوقت ذاته حملة أميركية إسرائيلية عربية محمومة لتعكير صفو هذا الوضوح. والأداة الطيعة لإثارة الغبار ونشر الضباب وتبديد الوضوح، على مستوى العلاقات العامة على الأقل، هي صناعة القضية الفلسطينية كمصدر لا ينضب لأنصاف المبادرات والحوارات والتحرك و«العملية» و«بناء الثقة» والبحث عن طريق للعودة إلى "خريطة الطريق" وغيرها. كل هذا في وقت يستيقظ فيه الفلسطيني يومياً إلى وضع يحتاج فيه إلى خريطة طريق للوصول إلى عمله بسبب الجدران والحواجز الجديدة التي أُقيمت في هذه الأثناء.
لم يكن محض صدفة قيام (إيهود أولمرت) بعد الحرب على لبنان بإلغاء "خطة فك الارتباط في الضفة الغربية"، وهي عبارة عن إملاء حدودي من طرف واحد يضم القدس وأجزاء من الضفة الغربية، وإن لم تستحق تسمية برنامج سياسي فقد كانت برنامجه السياسي الوحيد المطروح في الشأن الفلسطيني. لماذا ليس صدفة؟ لأنه في الذهن الإسرائيلي يُعتبر الانسحاب من لبنان عام 2000 إنسحابا أحاديا، هو عبارة عن بداية التفكير الإسرائيلي الأحادي البديل عن التسويات بشأن الصراع في خطوة من طرف واحد، وجاءت الخطوة بعد فشل المفاوضات مع سورية. ويرتسم الانسحاب نفسه في الذهن العربي بحق كعملية تحرير. ولكن بالنسبة إلى (إسرائيل) جرى الانسحاب من لبنان من دون تسوية أو اتفاق "سلام"، وكان يمكن أن يتم ضمن تسوية مع سورية تشمل الجولان. من زاوية النظر هذه يبدو (إيهود باراك) ، وليس (شارون) ، أبا فكرة الانسحابات من طرف واحد.
وقد تلاها فك ارتباط وانسحاب أحادي من غزة بعد فشل المفاوضات مع السلطة الفلسطينية في (كامب ديفيد) في عهد (إيهود باراك) وظهور رغبة (إسرائيل) بقطع الطريق في عهد (شارون) أمام أي مبادرات جديدة من نوع مبادرة السلام العربية وحتى "خريطة الطريق". وقد رغبت (إسرائيل) "الشارونية" بتجنبها رغم مساوئها الجمة للعرب.
بعد أن دفعت (إسرائيل) الانسحاب الكامل من سيناء ثمناً لإخراج الدولة العربية الكبرى كطرف في الصراع يُمكن حصر النموذج الذي قدمته (إسرائيل) في المفاوضات حتى الآن بما يلي: إذا رفض أي «شـريك عربي» من الأطراف العربيـة المتبقيـة في المفاوضات المنفردة شـروط (إسـرائيل) للتسـويـة وللعمق الذي تقبل به لانسـحابها من الأراضي التي احتلت عام 1967 مقابل "السـلام"، فإنها لا تُعلن أنـه لا يوجد اتفاق بل أنـه «لا يوجد شـريك»... وفي «غياب شـريك» تقوم هي بالتالي بفرض ما تراه مناسـباً من طرفٍ واحدٍ بحيث تنسـحب من المناطق التي تُشـكل مصدر إزعاجٍ اسـتراتيجي لها من نوع المقاومة أو الأعباء المعيشـيـة والديموغرافيـة مثل جنوب لبنان وغزة، وهي تفعل ذلك دون اتفاق أو تسـويـة وتترك للطرف الذي لم يعد شـريكاً مصادر إزعاجـه من نوع: بقاء جزء من أراضيـه محتلاً تحت سـلطتها، إقامـة «غيتو» أو سـجن للسـكان الذين يعيشـون حيث تم فك الارتباط، تحديد خروجهم ودخولهم والتحكم بـه، والاجتياح وشـن غارات متى يحلو لها إذ لا يوجد اتفاق "سـلام"؛ أي أن (إسـرائيل) تفعل ما يحلو لها.
من زاوية النظر الإسرائيلية فشل نموذج فك الارتباط والإملاءات من طرف واحد في غزة وفي لبنان رغم الفرق بينهما من زاوية النظر العربية. وقد تبين الفشل من تنامي قوة وزخم المقاومة في البلدين وبانتخاب الأكثرية "لحماس"، وافتضح أمره نهائيا في فشل (إسرائيل) الأخير في عدوانها أمام بسالة المقاومة اللبنانية.
إذا أضفنا إلى ذلك أن حكومة (إسرائيل) بقيادة (إيهود أولمرت) لا تستطيع أن تدفع ثمن صراع جديد مع اليمين حول انسحاب مهما كان محدوداً من الضفة الغربية في ظل احتدام الصراع السياسي داخل (إسرائيل) حول أسباب الإخفاق في الحرب على لبنان، نفهم لماذا أُلغيت خطة «الانطواء» أو فك الارتباط من طرف واحد في الضفة الغربية.
وقبل ذلك ألغى (إيهود باراك) في (كامب ديفيد) اتفاقيات أوسلو مع (إسـحاق رابين) و «واي بلانتيشن» مع (بنيامين نتنياهو)، وانضمت إليه في ذلك خطة فك الارتباط من طرف واحد التي ألغت عمليا كل الاتفاقيات. لقد أعلن (إيهود باراك) في حينه أنه لن يلتزم بالانسحابات الجزئية وإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين المترتبة على الاتفاقيات وأنه يُصر على حلٍ نهائي في (كامب ديفيد). وقد فشلت مفاوضات (كامب ديفيد) وبقي تجميد تنفيذ الاتفاقيات. ثم جاء فك الارتباط وألغاها عملياً. وفقط الحكومة الفلسطينية المنتخبة تُطالب بالاعتراف بها كشرط من شروط الرباعية بعد أن رفضتها حكومة (شارون) و(باراك) من قبله.
سقط إذن فك الارتباط، وسقطت الحلول الجزئية على نمط أوسلو. ماذا اتضح أيضاً بعد الحرب على لبنان؟ لقد فشلت أيضاً سياسة القوة. خرجت (إسرائيل) في حرب أمريكية على لبنان، ومصلحتها الذاتية في ذلك هي ترميم هيبة الردع الإسرائيلية التي تعتمد عليها في سياسة القوة طالما لم يقبل العرب بشروطها. فكانت النتيجة من هذه الحرب أن تضررت هيبة الردع الإسرائيلية أكثر من السابق.
لا يوجد في (إسرائيل) خلاف على أنها فشلت في الحرب على لبنان، ويدور نقاش فقط حول أسباب الفشل ومن يتحمل مسؤوليته. ويجدر ببعض الاخوة العرب أن يتذكروا هذه الحقيقة. لأن النقاش على تفسير نتائج الحرب هو استمرار للحرب بوسائل أخرى. ولا ندري كيف تُجمع (إسرائيل) من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين على فشل عدوانها في حين يدور نقاش عربي حول الفشل والنجاح. لا شك أن هنالك من يُحاول منع استثمار نتائج الحرب لصالح المقاومة، وهذا موقف لا تعنيه الحقائق ولا تؤثر عليه الحجج.
لم تتضرر هيبة الردع الإسرائيلية فحسب، بل تضررت حتى الفكرة عن فاعلية سلاح الطيران ضد مقاومة تستند إلى دعم شعبي. فهو فاعل ضد أنظمة وجيوش لا تستند إلى تأييد شعبي. وتفوق (إسرائيل) في سلاح الطيران هو أكثر من هيبة ردع، إنه قضية استراتيجية تتجاوز الردع إلى الحرب ذاتها. وفي هذه الحرب القصيرة، الطويلة بالمفاهيم الإسرائيلية، سقط إلى جانب فاعلية سلاح الطيران في القضاء على إرادة الشعب رغم الدمار الهائل، عمودا العقيدة العسكرية الإسرائيلية: 1 ـ مبدأ «تصدير الحرب إلى أراضي العدو وعدم السماح بإجرائها على أرض إسرائيلية»، أفشله سقوط الصواريخ بكثافة من دون أن يتمكن سلاح الطيران من حل المشكلة مما أدى إلى التدخل برياً فتعمق التورط وزاد من حدة المشكلة. 2 ـ مبدأ «الحرب الخاطفة» الذي يعني حسم المعركة بسرعة بقصف استراتيجي أو كسر سريع لآليات الجيش المقابل واتصالاته والتسلسل الهرمي فيه، أو احتلال سريع يُجنب (إسرائيل) التورط في حرب استنزاف طويلة المدى. أسقطت المقاومة هذا المبدأ، فهي بحكم تعريفها المضاد الحيوي للحرب الخاطفة. ويجب أن يُذكر ذلك كل من يُنظِّر حالياً لفشل ردع المقاومة بمجرد الهجوم الإسرائيلي على لبنان.
فشلت إذن سياسات القوة الجارية التي حاولت (إسرائيل) ترميمها استراتيجياً بترميم هيبة الدرع، وفشلت الحلول الجزئية، وفشل فك الارتباط من طرف واحد. ماذا تبقى إذاً بعد الحرب على لبنان؟ تبقى أحد الخيارين: إما "السلام" الشامل والعادل والدائم الذي لم تقبل به (إسرائيل)، وإما الجمود والفراغ السياسي والدبلوماسي الذي يؤدي إلى تدهور الأوضاع وإلى حرب شاملة، وقد يعني ذلك في اللحظة التاريخية الراهنة تبني استراتيجية المقاومة على الجبهات كافة. وضوح الخيارات بعد الحرب على لبنان هو مأزق (إسرائيل) الاستراتيجي.
من أجل تعميق هذا المأزق يتوجب على العرب التمسك بمبادرتهم السلمية لسلام عادل ودائم من دون التزحزح قيد أنملة، والكرة حالياً في الملعب الإسرائيلي. أما الخروج بمبادرات جديدة وتعديلات جديدة فتمنح (إسرائيل) وغيرها مخارج من المأزق في حركة دبلوماسية فارغة من المضمون وجلسات وحوارات وزيارات تبني حالة انتظار وأوهاماً جديدة وتنشر الضباب وتبدد الوضوح. وبدل تبديد الوهم يتبدد الوضوح. لقد كان توقيت المبادرة العربيـة في حينـه سـيئاً، إذ جاء بعد 11 أيلول من منطلق ضعف، كأنها جاءت لتُثبت رغبـة العرب بالسـلام، أي مبادرة لتحسـين صورة العرب. ولذلك تحوَّلت المبادرة إلى نقطـة انطلاق لتنازلات جديدة.
لم تحظَ المبادرة العربية بأي رد إسرائيلي إيجابي. وبدل تأكيد هذه الحقيقة، والتمسك بالمبادرة ما دامت قد أطلقت، وبدل توضيح المأزق بحيث لا تهرب منه (إسرائيل) مرة أخرى يتحرك العرب بعد حرب لبنان في نشر أوهام جديدة.
وعلى المسرح السياسي الإقليمي آلة أخرى لنشر الضباب تشبه تلك الماكينة المستخدمة لنشر الضباب الأبيض الكثيف قبل تصوير مشهد سينمائي ماطر وغائم في وضوح يوم صحو. إنها صناعة العلاقات العامة للقضية الفلسطينية. بعد الحرب على العراق زار (طوني بلير) فلسطين، وبعد الحرب على لبنان زارها (بلير) أيضاً. فبعد الحروب والعدوان يبدأ موسم التحرك في الشأن الفلسطيني الذي يعلق بعد ذلك حتى الأزمة القادمة. وهي زيارات علاقات عامة متعددة الأهداف لتبييض صفحة المعتدين بعد حرب كأنها مطهر وللتحضير لائتلاف لحصار أو لحرب أخرى يصعب على العرب المشاركة فيها من دون «تحريك» الملف الفلسطيني. لقد باتت صناعة العلاقات العامة تكتفي بـ «تحريك» بدل حل، فالتحريك أفضل من الجمود، و «الحركة بركة»، والمهم هو الحفاظ على «العملية» مستمرة، والمقصود «عملية السلام». وتدعي هآرتس (199) أن أمريكا نصحت (إسرائيل) أن تكتفي بمبادرات حُسن نية تجاه منصب الرئاسة الفلسطيني (هل توجد مصطلحات وعبارات كهذه في أي منطقة أخرى في العالم؟) من نوع موافقة (إيهود أولمرت) على الاجتماع مع الرئيس الفلسطيني، وإطلاق سراح أسرى...
وبدل أن توضع الخيارات بوضوح أمام (إسـرائيل) توضع أمام حكومـة فلسـطينيـة منتخبـة ومحاصرة؛ فإما أن تقبل بشـروط الاعتراف (بإسـرائيل) وباتفاقيات لم تعد (إسـرائيل) ذاتها تعترف بها أو يسـتمر الحصار عليها، ويُسـتبدل المأزق الإسـرائيلي بمأزقٍ فلسـطيني يُصطنع اصطناعاً.
التحرك العربي وصناعة العلاقات العامة للقضية الفلسطينية يُنقذان (إسرائيل) من مأزق تاريخي. وهو مأزق لأن (إسرائيل) إذ تُفكر بخيار الحرب الشاملة في مقابل "السلام" الشامل لن تختار الحرب بالضرورة، فهنالك تجارب مهمة في المنطقة تُثبت أن هزيمة وضع عربي قائم أو تفكيكه بالحرب ينتجان أعداء أكثر خطورة للمشاريع الأمريكية والإسرائيلية مع الفرق أن الأعداء الأخيرين لا يحملون ولا يملكون إمكان طرح بدائل إيجابية لمجتمعاتهم، كما بإمكان حركات مقاومة وطنية مثل «حزب الله» و «حماس» وحلفائهما أن تطرحها لو توفرت الإرادة. فهذه الأخيرة تحاول أن تطرح، وتستطيع إذا حاولت أن تطرح بدائل سياسية اجتماعية تتجاوز المقاومة والممانعة إلى آفاق من التعايش بين تيارات وطنية متعددة ملتزمة بالسيادة وطنياً ورافضة للتدخل الأجنبي.
وعلى (إسرائيل) أن تختار. ولا أذكر وضعاً لم تكن فيه لدى (إسرائيل) أية أفكار سياسية كما هي حالها الآن. دولة من دون مشروع سياسي من أي نوع لمواجهة القضايا المصيرية التي تواجهها.
لم تضطر القيادة الإسرائيلية حتى الآن إلى تخيير شعبها بين "السلام" العادل والدائم والشامل وبين الحرب الدائمة. وهي وإن خيرته بهذا الوضوح فسوف تتفاجأ من عدد من يُفضلون "السلام" ودفع ثمن "السلام". ولكن لا توجد قيادة تاريخية قادرة على ذلك في (إسرائيل) من ناحية، ومن ناحيـة أخرى يكثر العرب الذي يشـغلون معاولهم ويحفرون بكل اتجاه لفتح مسـارب جديدة (لإسـرائيل) للهرب من وجـه الخيارات التي تنتصب أمامها بعد حرب لبنان بإنكار نتائج الحرب وبإعادة إحياء "خريطـة الطريق" الميتـة وغيرها.