حب مجانين

قصص قصيرة جدا .
ابراهيم درغوثي / تونس
 

1-العاشقان:

كانا يقفان أمام موظف الاستقبال في ساحة النزل الفاخرة . ثيابهما غريبة تشبه ملابس الكهنة .

كان كل واحد منهما يضع في رجليه خفا من الجلد مثل تلك التي مهر في صناعتها ، عندنا في تونس ، سكان الصحراء المتاخمة جنوبا لشط الجريد . والعامل بالبزة والكاسكيت واقف وراءهما ، يحمل حقيبة كبيرة وجديدة

  المرأة سافرة عن وجهها . تضع نظارة عاكسة للشمس .

  والرجل بجانبها يغطي وجهه بلثام التوارق .

طلب منهما موظف الاستقبال الأوراق الشخصية . بطاقة تعريف وطنية أو باسبورت .قال ذلك وهو يبتسم ، ويرحب بهما.أخرج الرجل من جيبه جوازي سفر وقدمهما للموظف . وطلب غرفة فسيحة ، تطل على البحر ، في الطابق العاشر
وافق الموظف بحركة من رأسه وبدأ يملأ الاستمارة . كتب على رأس الورقة الأولى : أساف وكتب على الورقة الثانية : نائلة

هامش : أساف ونائلة ، رجل وامرأة من العرب العاربة ، اقترفا الحب في الكعبة فمسخا صنمين 

2- غيرة

هو يعشق الحمام كثيرا ويطرب لهديله حد الجنون ، ولكنه يكره أن يراه مسجونا في قفص ، وان كان أوسع من الدنيا . فقد كبر وهو يعايش بيوت الحمام المبنية فوق السطوح ، وتربى على خفقات أجنحة الفراخ وسقسقتها في الأعشاش حين منه أمهاتها لتزقها نسغ الحياة . وكان يتوله عندما يرى الذكور تغازل الإناث ذاك الغزل الرقيق الذي يعجز عن مثله العشاق من بني البشر

   ولكن ماذا يفعل ، وقد سكن المدينة ، واكترى شقة في عمارة . شقة أكبر بقليل من قفص .

  البارحة حدث زوجته عن إمكانية تربية زوج حمام في البيت . شهقت ، وقالت : زوج حمام . ولم تزد .

  وعاد إلى البيت محملا بقفص .

  قالت : هذا قفص عصافير . هل سنربي كنالو عوضا عن الحمام ؟

  قال : لا ، لقد أوصيت بائع طيور عن زوج حمام .

في المساء ، عاد إلى المنزل جذلا . وضع زوج الحمام في القفص ، وجثا أمامهما .

 نظر إلى الجسم الرشيق الملفوف في ريش ناعم في لون البنفسج وقال : أكيد ، هذا هو الذكر .

وتفحص العينين السوداوين ، والمنقار الأنيق ، والذيل الراقص ، وقال : وهذه  الأنثى . لا بد أن تكون مغناجا أكثر من اللزوم

  كانت زوجته تراقب المنظر عن قرب . وكانت تردد لنفسها : زوج حمام وفي هذه الشقة الصغيرة ...

  ولم ينم إلا بعدما سمع الهديل .

هي : تزوجته منذ أكثر من سبعة أعوام . لم تكن تحبه . قالت لنفسها أكثر من مرة ، سيأتي الحب مع العشرة والألفة

ولم يصل الحب . كان القلب هائما في مكان آخر ، ورفض دعوتها . ترك قفص القلب فارغا ، فعاشت بلا قلب

البارحة ،  طلقها النوم . كان زوجها يشخر .وكانت تستمع في سكون الليل ووحشته الى هديل الحمام الحزين . رأت على ضوء القمر الشاحب منقار الذكر وسط منقار أنثاه ، وسمعت أناته المخنوقة . رأت الضراعة في عينيه ، وراقبت دورانه حول الأنثى وهي تغنج وتطلب المزيد .

قالت : أنا لا أطيق غزل الحمام . هذا أكثر مما أحتمل .

 وقامت تفتح باب القفص ... 

3-طلاق

 

قال القاضي للرجل والمرأة الجالسين قدامه :

- أرجو أن تحزما أمركما ، فهذه جلسة الصلح الأخيرة ، واعلما أن أبغض الحلال عند الله الطلاق .

قال :

-  سيدي القاضي ، انه من فضلك هذا الموضوع حالا ، وسأدفع لهذه المرأة بائنة كبيرة على أن تترك لي تربية الأولاد . سيدي هذه كارثة سلطها الرب على عبده الضعيف

قالت :

-  عفوا سيدي القاضي . أنا أرفض بائنته الكبيرة ، ولن يجمعني معه بعد اليوم سقف واحد . فقط سيدي الكريم أريد أن يعرف القاصي والداني كذبه في العشق . انه لم يكن في يوم من الأيام صادقا. هذا الرجل يخونني كلما التفت  . انه يا سيدي شاعر . وهل  يصدق الشعراء يا سيدي القاضي ؟

 انه يا سيدي عذابي في الدنيا الفانية ، ولست أدري بماذا سأعذب في الآخرة ؟ فهل هناك ما هو أسوأ من عشرة هذا الرجل ؟

  في الغد ، نشرت كل الجرائد المكتوبة خبرا عن طلاق القرن ، وزينت صفحاتها بصورتي : جميل وبثينة .