"قراءة في قصيدة "سيناريو جاهز
 

(الزنابق السوداء.. سوداء)!

  سوسن البرغوتي

 يقول المتخصصون في العلوم والآداب، أن اتركوا البحث والدراسة والتحليل لأهل المعرفة الأكفاء، القادرين على استخلاص العِبر من تجارب وأحداث سابقة، والبناء على الإيجابيات منها وتجاوز السلبيات، وهذا ينسحب أيضاً على كل الطفرات الإبداعية التي تظهر هنا أو هناك، فمنها الإيجابي ومنها السلبي. إلا أن العقل والمنطق، يقتضي الوقوف على التفاصيل، والتمحيص والتدقيق بالسلبيات، كي لا نسقط في الخطأ المرة بعد المرة.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، يُعتبر
اسم العالم ألفرد نوبل نجمًا ساطعًا عالميًا، رغم أنه أساء باختراع الديناميت المدمر للبشرية، وكتعويض عن إساءته، تُقدم  جوائز سنوية لشخصيات، بذريعة تقديمها خدمات للانسانية نبيلة من أجل الخير والسلام، في حين أن بعضها لا يقل ضررًا وإساءة للبشرية، كاختراع نوبل.

الأدب بأنواعه المختلفة حقل من حقول المعرفة والثقافة، والمدارس النقدية متعددة المشارب والمذاهب، إلا أن غالبية النقاد يتناولون النصوص من الناحية الجمالية واستخدام اللغة والأدوات والصور الجمالية والعمل عليها تفكيكاً وتحليلاً، وهو ما يسمى بالنقد. وإذا تعرض أحد النقاد للفكرة، يحاول أن يلامسها دون الولوج في مضمونها على خلفية حريّة التعبير، وبطبيعة الحال تلك المقاربات النقدية لا تترك الانطباع الذي يؤمن به الناقد، وإنما يعرضها كما هي..
 نظرية التخصص، تفرض على المتلقي عدم التركيز على الفكرة الأساس في النص، وعليه أن يقرأ فحسب، دون إبداء رأيه، إذ كيف له أن يرقى لمستوى النجوم الساطعة!..

إلا أن ما يعارض نظرية التخصص، عملية البحث عن إجابات لتساؤلات كثيرة، واستنباط المعنى من المبنى، والباحث عن المعرفة الحقّة، ليس متلقيًا سلبيًا، فيقول ابن قتيبة: ( لا يزال المرء عالمًا ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم بدأ جهله).

إن القراءة الموضوعية لأي نص أدبي، يفرض إشغال العقل في المعنى وتماشيه مع الحقيقة، ومقاربته للقيم المطلقة.
أحد تلك النصوص، سيناريو جاهز، آخر محطة في قصائد الشاعر محمود درويش، إلا أنها ليست من قصائده المركبة، إذا جاز التعبير، ولا لغزاً يستدعي نقاد وخبراء لتفكيك الرموز.

فالقصيدة المذكورة تعرض شريطًا سريعًا لمراحل حياة الشاعر والسياسي، يستهل أبياتها بمشهد افتراضي، وينهيها برسالة إعلامية، يسلم من خلالها الوصيّة، ويورّث العهدة لشاعر يأتي بعده ينتهج الخط ذاته.
 

لنفترضِ الآن أَنَّا سقطنا،

أَنا والعَدُوُّ،

هذه بداية سيناريو افتراضي يجمع بينه وبين (العدو)، مجهول الهوية والطبائع، وهذا منطق الكائنات ومشاعر الخوف من القادمين على صهوة الحرب، لذا كانت معظم قصائده في تلك الحقبة مقاومِة، لكنه سرعان ما اكتشف سيكولوجية الغريب:
 

كُلُّ ما صار لي هو لي

وما هو لكَ

هو لي

ولكْ!
 

 لقد استخدم درويش المقولة الانجليزية ببراعة (What’s mine is mine, what’s yours is negotiable)

لكنه لم يفصح صراحة أنها مستقاة من ثقافة أخرى، تناور وتفاوض بعقلية مادية بحتة، بل ترك للقارئ انطباعًا أنه صاحب النظرية الفلسفية، مما يدلل على دهاء التلاعب بتشكيل الجمل، وتداخل الثقافات في ذهنية الشاعر.

تلك الكلمات لم تغير من قناعات السياسي، بشكل أو بآخر، تمثّل الإصرار على البيان الموقع منه ومن ثلة "مثقفين" فلسطينيين (قد ارتضينا لأنفسنا العيش في خُمس فلسطين التاريخية وارتضينا لكم دولة في أربعة أخماسها)، فهذا الخُمس هو "مالي" القابل للمساومة، بمعنى الانتقال من حالة العداء الافتراضي إلى واقع التفاوض، وأخيرًا إلى تحقيق الشراكة..
 

أَنا وَهُوَ،

شريكان في شَرَكٍ واحد
 

وهنا تبدو الضرورة وأهمية الشراكة "لإنقاذ الشعبين" من الأفعى.
 

ماذا سيحدث لو أَنَّ أَفعى

أطلَّتْ علينا هنا
 

 المفردة الوحيدة بالنص غارقة بالرمز وقابلة لتأويلات، فإما أنها تعني خطرًا خارجيًا يداهمهما، ووجودهما معًا يتطلب منهما درأه، وإما أنه خطر داخلي على مشروع التعايش المشترك، ففي هذه الحالة، المقاومة الفلسطينية هي عين الخطر، أو الموت لأحدهما أو للآخر، وهذا ما يرجّح فكرة إن نجاة أحدهما، هي بذاتها حياة للآخر!.
 

لننجو معاً

أَو على حِدَةٍ...
 

بكل الأحوال فقد خطّ الشاعر كيفية إنقاذ هذا وذاك في وقت واحد، كونهما في حفرة واحدة، فلا فرق بين قاتل وقتيل، ومحتل ومدافع عن أرضه وحقه كاملاً، طالما أن القدر مشترك، ولا يفوتنا أن مفردة "مشترك" ترددت عدة مرات في القصيدة!..
 

ههنا قاتلٌ وقتيل ينامان في حفرة واحدة
 

جمع درويش بمشهد درامي ملحمي بين شخصين وأمر غيبي قدري، وقدم سيناريو إنقاذهما، على أنه الحل الأمثل، وألغى أهم عنصر في النص المسرحي الدرامي، وهو حقيقة الصراع بين الخير والشر، بل انتصر للشر المطلق، أمّا الخير فهو قربان مسلوب الإرادة، مستسلم لمنطق الغاب والقوة الضاربة.

فلم تعد العهدة مثيرة للجدل أو خفية، بعد تقسيم المقاطع المحورية إلى مراحل.. عدو افتراضي، تفاوض ومساومة، شراكة، فالإنقاذ. هذا هو باختصار مشروع درويش وصولاً للنجاة بتعايش "الشعبين"!!!.

 

فأي عبق عطري تنشره الزنابق السوداء تلك التي أهدانا إياها الشاعر في ثوب السياسي قبل رحيله!؟، وهي ليست أكثر من استجداء فقد أراد أن يكون "ما لنا لهم" ولنا بؤس الحياة بين الحفر.

 

للحقيقة، نحب شعر وفنيّة قصائد الراحل محمود درويش كعلامة أدبية باهرة، لكن درويش الآخر، الذي تبنّى أيدلوجية بعينها تتعارض مع ثوابتنا، وانشغل على مسؤولية فرض التعايش مع المغتصب والمحتل والسفاح، لسنا معه، ونحب ونعشق فلسطين أكثر بكثير من كلمات عابرة لسياسي يعتلي منابر العروبة، ثم يترجل بعيدًا عنها.. فهي ليست سطورًا تُدون في صحائف الشعراء، ولا حروفًا تتألق في سماء الإبداع.. العروبة نبض وانتماء وهوية.. جذور وملامح شامخة أبيّة، هي يد ولسان وعقل، ودماء تجري في العروق.. العروبة نحن، فإما أن تكون فنكون، وإما لن نكون.
 

18/11/2008
 

صلونا

مداخلات   |

بوح وجداني  |

مقالات    |

روح وظـل  |

أهلاً وسهلاً  |