العرب و ديمقراطية الغرب إشكالية الأقنعة

لعل أبو نصر الفارابي هو أول مفكر إسلامي نظر بعين الإعجاب لتجربة الديمقراطية الأثينية , فنسج على منوال مدينة أفلاطون , كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة , التي حاول فيه أن تكون قريبة من الإسلام وأهله, وأضاف إلى شروط الحاكم الفيلسوف في المدينة الفاضلة , شرط الحاكم الفيلسوف والنبي معاً

يبدو أن علاقة العرب بالحضارة الغربية أكثر وضوحا وبداهة من علاقتهم بحضارات العالم الأخرى

فمشكلة "العنف التاريخي" المحفوظة في " الذاكرة الجماعية "المتوقدة المتربصة لكلا الطرفين , هو الذي يكتنف هذه الحال . والقلق والتوجس والخوف والحذر , وفي بعض الأحيان الكراهية , هي المشاعر التي تتلبس نفوس المسلمين إزاء هذه .الحضارة وأهلها

والحقيقة أن هذه المشاعر متبادلة , فبرغم كل الجهود التي بذلت وتبذل من أجل خفض حدة هذه المشاعر وتحييدها أو إزالتها, تظل الأفكار والأوهام والمشاعر القاسية تغلف النفوس هنا وهناك , ويظل عالم الغرب وعالم الإسلام عالمين .متقابلين يتعذر على أي منهما أن يتمم الآخر

فنحن في أعين بعض أهل الغرب غزاة خرجوا من الصحراء ليسيطروا على العالم وليسفكوا الدماء ويهدموا الحضارات , وفي أعين بعضهم الآخر لسنا إلا هراطقة من الهرطقات المسيحية المنشقة التي أعاقت انتشار الأنوارا لمسيحية في مختلف بقاع المسكونة . ومن جهة ثانية نحن نبدو لهم أصحاب دين لا يهدف إلى هداية البشرية بقيم الأخلاق والروح والسلم بقدر ما يهدف إلى احتياز السلطة السياسية والقوة العسكرية لممارسة الإكراه والضغط والعدوان . ومن جهة ثالثة لا يرى فينا الغلاة من أهل الغرب إلا برابرة معاديين لقيم الحرية والمساواة والكرامة والعدالة الإنسانية وحقوق الإنسان , لا نعبد الله بقدر ما نعبد الجنس والشهوة والاستبداد والخنوع ,وزادت هذه الصورة – عنا - عندهم رسوخاً وسائل الإعلام المضللة التي تخدم الصهيونية في تلميع صورة اليهودي , وجعله حضارياً ديمقراطياً منقذاً لشرق أوسط , متخلف بدائي استبدادي , لايمت للحضارة بصلة لا في تاريخه ولا في حاضره
أما الغرب في أعيننا فيتمثل في نزعة الهيمنة والسيطرة , وفي العداء المبيت المنظم , والتآمر على مشاريعنا وتطلعاتنا القومية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية , ولا نتصور الغرب إلا في مسوح المادية الصارخة وفي العلمانية المعادية للدين , وفي الليبرالية وفي الفساد الأخلاقي والاجتماعي الذي يسعى لتصديره بكافة الوسائل(1) . السمعية والبصرية التي اخترقت كل الجدران التقليدية التي كانت تحمي العقيدة فيما مضى : جدران البيت الذي صار بلا جدران أمام موجات الأثير , والمدرسة التي تبنت النموذج الغربي في تعليمها وتربيتها, والأماكن العامة التي صارت طبق الأصل .للأماكن العامة في باريس ونيويورك وروما مع فارق الجغرافيا والتنظيم العمراني المدني

أما ما يدور في البيت العربي فالملق السياسي : هو أن تعطي باللسان ما ليس في القلب (2) ولا يزال الملق هو سيد الأحكام , يستوي في ذلك طرفا الملق والتودد الكاذبين من جهة أولى رجل الدولة الذي يوهم الشعب أنه يعمل لخيرهم بينما هو يعمل لخيره الخاص , ويخطب فيهم بظاهر أشياء يعمل في الخفاء بنقائضها أو مضاداتها , ويتبجح بقيم العدالة والديمقراطية والحرية والرفاهية بينما هو الخصم العنيد الثابت لكل هذه القيم والمجسد العميق لقيم الظلم والاستبداد واستغلال الرعية ومحق روحها قبل جسدها , ومن جهة ثانية أهل الملق من سياسين ومثقفين وعلماء مزيفين وصحفيين وكتاب وطامحين وانتهازيين ووصوليين تنطق أفواههم بما لا يصدقون فيه كلمة واحدة , وتلهج ألسنتهم بالثناء والتمجيد لسلاطين يقرون في دخائل نفوسهم وعند من يثقون بهم أنهم أسوأ أهل الخليقة طراً

وههنا في هذه الحمأة التي شكلتها قرون الاستبداد وقيم ما قبل الحداثة , نعثر على أحوال الزيف والكذب والخداع

لكن ما الذي يستدعي هذا( الملق ) الذي يعصف اليوم بكل قواعد النزاهة والصدق والوجود النقي ؟

وما هي طبيعة المعركة التي تنتظرنا من أجل تحرير البنى الفردية والاجتماعية من هذه (الأقنعة ) التي تنتصب أمامنا عدواً صريحاً يمكن أن يدمرنا إن لم ندمره .؟

إن التعليل القوي الذي يمكن أن يمثل أمامنا هو أن باعث ( التملق ) أو ( النفاق ) أو ( الرياء ) ليس إلا الخوف , الذي هو جماع العلاقة غير المتكافئة بين السيد والعبد , أو بين السلطة التي تطلب الطاعة المطلقة , وبين الفرد الذي يطلب إليه أن يطيع بشكل أعمى , وبين نظام الاستبداد وبين الخاضعين لهذا النظام ويتعلق بهذا الباعث اختلال العلاقات السياسية بين القوى الاجتماعية داخل المجتمع أو خارجه اختلالا يفرض على بعض هذه القوى (تملق) قوى أخرى دفعاً لأخطار محدودة تثير (الخوف(3

ويبقى العالم السياسي هو أحفل العوالم الاجتماعية بالنفاق والخداع . وفي النصف الثاني من القرن العشرين- حيث نادت الأنظمة السياسية ( الوطنية) وبكل أشكالها- اتسع نطاق ارتداء الأقنعة لدى الأنظمة والأحزاب والجماعات السياسية فضلاً عن الأفراد واُتخذت القضايا القومية الكبرى ذريعة لتسويغ جميع السياسات وجميع الغايات , ولم يبخل أحد على نفسه من نسبة نفسه إلى المنافحة عن المبادئ القومية والحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية وبناء الوطن وحمايته , والنضال من .أجل دولة العدالة والتقدم والوحدة والتحرر

.لكن الوقائع جميعاً أثبتت بالتجربة القاطعة إلى أي مدى كان كثير من أولئك من أصحاب الأقنعة لا أكثر ولا أقل

لقد وجد العالم العربي الإسلامي الحديث نفسه بعد سقوط الخلافة العثمانية , وحيداً مقطع الأوصال بين براثن الدولة الحديثة التي تم زرعها قسراً , والتي رسمت حدودها على الورق في باريس , ولندن , وروما , ونفذت على الأرض من المحيط إلى ما وراء الخليج , فخرجت في أسوأ تقويم تعاني من أمراض زرعت في جيناتها الوراثية وبأن من المحال أن تلتقي مع .الأجزاء التي كانت تتكون منها ومعها في جسم واحد منذ حقبة قصيرة من الزمن

لقد نسبت أغلب النظم السياسية العربية – التي تشكلت غداة الاستقلال – نفسها إلى الدولة الغربية الحديثة التي تحررت من سلطة الكنيسة , وأقامت سلطتها وبناءها ومؤسساتها وقوانينها لأغراض تتمثل في رعاية المصالح الإنسانية الدنيوية وحمل المسؤولية العمومية , والعمل في إطار تنظيم الحياة بتوخي الخير العام , والمعول فيها على مبادئ العقل الطبيعي والمساواة .والحرية والتعددية والخير العام والديمقراطية والحق والقانون والتضامن الاجتماعي والمواطنة

(4) بينما ظلت الدولة العربية متجذرة في القطاعات اللاشعورية والمرجعيات الخفية التي توجه مجتمعات ذات قيمة مضادة تماماً لقيم الدولة المدنية الغربية ، وبقدر كبير لقيم الإنسان نفسه ,فجاءت دولا (حديثة) مشوهة تعتروها النقائص من كل الجوانب , وهنا ينبغي إعادة تشكيل الدولة ومؤسساتها وتحديد العلاقة بين الدولة المدنية الحديثة وبين الإسلام نفسه , وذلك (كي يتأتى قيام دولة صحيحة الجسم والروح قادرة على بناء المجتمع ومؤسساته وقيمه (5

ومن هنا لابد من مقارنة لأسس ومبادئ نظام الحكم في الإسلام وفي المذهب الفردي الحر

( الديمقراطية الفردية)

:خصائص التشريع الإسلامي : وتتلخص أهم تلك الخصائص فيما يلي

 إنه تشريع إلهي وتشريع وضعي : ويشمل التشريع الإلهي على الأحكام الشرعية الواردة في القرآن والسنة النبوية , أما  التشريع الوضعي فهو ما وضعه مجتهدوا المسلمين

.من الصحابة وتابعيهم وكبار الأئمة والخلفاء والولاة , استنباطا من نصوص التشريع وروحها
 إن الأحكام الشرعية في القرآن جاءت عامة أي بصورة كلية , فهي لا تعنى إلا بالكليات دون الجزئيات والتفصيلات إلا :في القليل النادر , وبياناً لذلك يجدر بنا أن نفرق بين نوعين من الأحكام الشرعية

أ – العبادات وجاءت توقيفية لا مجال لاجتهاد العقل فيها ولا تتطور ولا تتغير بتغير الأزمان والبيئات   

 ب- المعاملات , عدا الأحوال الشخصية والمواريث فهي تشمل ما نطلق عليها بالقوانين المدنية والتجارية والدستورية    والإدارية وغيرها من فروع القانون فقد اقتصر القرآن بصددها على بيان القواعد العامة بل وضع الفقهاء قاعدة تقول : تتبدل الأحكام بتبدل الأزمان .إلا أحكام الأحوال الشخصية والمواريث والحدود

 من صفات التشريع الإسلامي: المرونة وعدم الجمود من خلال أدلة الأحكام الشرعية التي تستند على القرآن ثم السنة ثم الإجماع فالقياس وما المذاهب الفقهية إلا دليلاً آخر على ذلك

 يتصف التشريع الإسلامي بالعالمية : فالشريعة الإسلامية ليست ذات صبغة إقليمية ,ولكنها ذات صبغة عامة لجميع البشر وفكرة قيام حكومة عالمية لا يتعارض بتاتاً مع أن يكون لكل شعب من الشعوب أنظمة سياسية واجتماعية تتلاءم مع ظروفها .الخاصة
 .من صفات التشريع الإسلامي : التيسير والتخفيف ويظهر في العبادات والمعاملات مالم يكن حراماً

 روح الاعتدال فهي تنبذ التطرف وتدعوا إلى الوسطية بين الروحانية والمادية , بل جمع الإسلام بينهما

 الأخذ بسنة التدرج ,ويظهر ذلك من خلال التدرج في فرض الصلاة ,وتحريم الخمر ومكافحة الرق

 مراعاة الرحمة من خلال التكافل الاجتماعي ويظهر ذلك في الزكاة والصدقات

:ب- الإسلام ومبادئ الديمقراطيات الغربية

1ً- المذهب الحر أو المذهب الفردي : يعتبر هذا المذهب من أهم المبادئ أو المذاهب التي تقوم على أساسها الديمقراطيات الغربية , حتى أن الحريات العامة مثل : الحرية الشخصية , وحرية الرأي وحرية العقيدة وحرية الملكية ....الخ يطلقون عليها أحياناً (الحقوق الفردية ) والحرية كما عرفها (إعلان حقوق الإنسان لسنة 1789), هي : حق الفرد أن يفعل كل ما لا يضر بالآخرين , وان الحدود المفروضة على هذه الحرية لا يجوز تحديدها إلا بالقانون , ويعد هذا المذهب قيداً على سلطة .الحكام

أما الإسلام فإنه بعيد في تشريعاته عن النزعة الفردية فلا يجعل صالح الفرد وحده أو حريته هدفه أو غايته , إنما يهدف الإسلام على تحقيق صالح الفرد والجماعة معا، والإسلام لا يسمح للحاكم أن يقف موقفاً سلبياً وألا يتدخل في تصرفات الأفراد التي تنطوي استغلال أو ظلم أو احتكار .... (6) فحق الملكية لا يعد في نظر الإسلام حقاً مطلقاً ذا صبغة مقدسة، كما نصَّ عليه في وثيقة إعلان حقوق الإنسان. لأن الملكية في الإسلام لها وظيفة اجتماعية وقد وضع لها قيوداً مباشرة .لكفالة استعمالها لصالح الجماعة والفرد معاً، وبما يتلاءم مع العدالة والصالح العام

ً- مبدأ سيادة الأمة : إن القول بأن دولة من الدول هي ديمقراطية , وأن نظام الحكم فيها يقوم على أساس مبدأ سيادة الأمة وإنما هو تعبير عن فكرة واحدة , ولكن من ناحيتين مختلفتين , فالديمقراطية هي التعبير عن الشكل السياسي أي عن نظام (الحكم في الدولة , أما مبدأ سيادة الأمة فهو عبارة عن التعبير القانوني .(7

وإذا كان الأساس الفلسفي لنظرية أو (مبدأ سيادة الملك ) هو نظرية الحق الإلهي أو التفويض الإلهي للملك , فإن (مبدأ أو نظرية سيادة الأمة ) إنما يستند على أساس نظرية( العقد الاجتماعي) لروسو . يرى كثير من العلماء والباحثين المسلمين في العصر الحديث أن مبدأ سيادة الأمة يعد من النتائج المترتبة على مبدأ الشورى المعروف في الإسلام , إلا أنه في الحقيقة يختلف مع مهمة الخليفة . ومع أن القرآن والسنة هما مصدر التشريع , بينما في الديمقراطيات الغربية فإن الأمة هي مصدر التشريع . وما هو مؤسف ومؤلم أن جميع النظم المستبدة في العالم غير الغربي تحكم باسم الأمة وتستبد وتقهر وتظلم من .أجل صالح الأمة أيضا

 مبدأ فصل السلطات أو تقسيم السلطات تعاونها : يعد المبدأ وسيلة وسائل التخلص من السلطة المطلقة

في الإسلام لا يأخذ نظام الخلافة بمبدأ فصل السلطات الذي يعد من أكبر المآخذ التي يوجهها البعض إلى نظام الخلافة لعدم أخذه بذلك المبدأ الذي يعتبره الفقه الدستوري الغربي من أهم الضمانات لحماية الحريات من استبداد الحاكم .ويجب ان لا يفهم أن الإسلام ينكر الأخذ بهذا المبدأ إذا قضت( المصلحة ) بالأخذ به، ومن باب أولى إذا قضت به ضرورات كفالة الحريات، هذا فضلاً عن أن الخلافة تعد من المصالح العامة التي تترك إلى الأمة تنظيمها بما تمليه مصالحها , ثم إن تنظيم العلاقات بين مختلف السلطات في الدولة لا يعد تشريعاً عاماً وإنما يعد تشريعاً زمنياً.(8)في الأحوال الراهنة يبدوا أننا .أصبحنا أمام نظامين مفهوميين متقاربين إلى حد بعيد

فالديمقراطية تعني أن يختار المحكومين حاكميهم. وتعني أن يخضع الجميع، حكاماً ومحكومين ، للقانون على وجه التسوية. والديمقراطية تعني مشاركة الأمة في حكم ذاتها, وأن يكون مبدأ الإجماع أو الأغلبية هو معيار الحسم في القضايا .المعروضة أو ممثليها الذين تختارهم بحرية

(والديمقراطية تعني أخيراً (تحديد ) السلطة المركزية وعدم اطلاق يد الحاكم في شؤون الأمة وأفرادها (9

أما النظر المفهوم الإسلامي المعاصر فيعزز هذا المنظور من وجوه عديدة

أولها : هذا المبدأ التاريخي الذي صرحت به النصوص ولم يغفله أحد في الإسلام , وهو الشورى . لكن دلالة الشورى هنا لا تتمثل في أنها المكافئ البديل للديمقراطية أو لنظام الكامل في الحكم , وإنما دلالتها تقتصر على مبدأ (المشاركة) , .مشاركة أفراد الأمة في تدبير شؤون المجتمع وسياسة الدولة

ثانيها : مفهوم إجماع الأمة , إذ جعلت نصوص الأمة الواحدة موضوعاً للخطاب القرآني الدائم وصرحت مادة "الحديث بأن هذه الأمة "لا تجتمع على ضلالة " . ومعنى ذلك أن الأمة أصل في الأحكام الاجتهادية , وأن إجماعها أساس للحكم

ثالثها : اختيار الأمة المحكومة لحاكميها وهم الذين أطلق عليهم النص إسم "أولي الأمر " ممثلين في رئيس الدولة – أو       الإمام في المصطلح القديم – الذي يختاره السواد الأعظم من الأمة بإجماع وبيعه , وفي السلطات الأخرى " المشاركة " في الحكم أو الولاية التي يختار آحادها أيضاً السواد الأعظم من الأمة

رابعها : الخضوع للشريعة "ما ورد فيه أحكام نصية " والقانون " ما نجم بالاجتهاد" وتحديد سلطة الحاكم, أو ولي الأمر , .دفعاً للتسلط أو الاستبداد الفردي أو الجماعي

خامسها : مراقبة الحكام ومساءلتهم موافقة للتجربة التاريخية المؤسسة بالنص والمجسدة في مؤسستي المظالم والحسبة, أو (فيما يمثلهما في أي زمن آخر.(10

سادسها : المصلحة وهي مبدأ عام تتمثل فيه كل (غائية ) السلطة والدولة , ومتعلقاتها المشخصة من نشدان للخير العام والسعادة والعادة وجملة ما يسمى " بمقاصد الشريعة " التي أستنبطها فقهاء

السياسة الشرعية والتي لا تختلف في حقيقة الأمر وعند التحليل النهائي عن القيم المدنية العليا التي أقرتها المدنية الحديثة لمنافع الإنسان وخيره      

لا شك أن هذا المنظور يمكن أن يقابل بالاعتراض بأن الديمقراطية لا تستمد قوانين المجتمع والدولة من " الشريعة الإلهية " وأن قواعدها إنسانية خالصة . وهو اعتراض وجيه تحدثنا عنه سابقاً . لكن لا شك أيضاً في أن ماهية الديمقراطية لا تتحدد بالأصل الذي تصدر عنه الأحكام والقوانين الناظمة لكافة قطاعات الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية , وإنما بطريقة إقرار هذه الأحكام والقوانين واختيارها , وبالنهج الذي تجري عليه السياسة الوضعية . بتعبير آخر ليست الديمقراطية " منظومة مذهبية " إنما هي طريقة في تنظيم الحكم وروح في توجيه السلوك.(11) إن أحد أهم الأسلحة التي استخدمها الغرب في زعزعة أوربا الشرقية هو سلاح الديمقراطية , وحقوق الإنسان والتعددية السياسية لكن من الغريب أن نجد الغرب يحشد جيوشه وأساطيله في المنطقة للدفاع عن الأنظمة لا تتفق ونظامه الديمقراطي الذي يمارسه في بلاده , إن علاقة التبعية التي تربط كثيراً من الأنظمة العربية بالقوى الدولية الخارجية وبالدرجة الأولى الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول أوروبا , ولا سيما في مجال الاقتصاد والمال , تؤدي إلى زيادة النفوذ الخارجي الذي تمارسه هذه القوى الأجنبية للتأثير على صانعي القرار في الدول العربية (12) والمعروف أن أي حكومة في العالم , في نظام ديمقراطي حقيقي لابد من أن تعمل باستقلال عن أي قيود يفرضها نظام سياسي قومي آخر , وهذا الشرط من المسلمات التي يجب أن .تتمتع بها الدول ذات السيادة

لقد خلقت ظروف الانقسام والتجزئة التي فرضت على الوطن العربي وتقبلها جملة من الحقائق التي لا يمكن تجاهلها ,فهناك حالة الضعف السائدة في كل جزء من أجزائه , وفي ظروف التحديات السافرة التي تواجه البلدان العربية داخلياً وخارجياً , فإن القاعدة المطبقة هي الاحتماء بعناصر أجنبية ضد الأخ العدو , المنافس والطامع في الثروة , والاعتماد والتبعية للقوى

الخارجية .هذه القوى ليس من صالحها بحال من الأحوال حدوث إصلاحات ديمقراطية حقيقية بين صفوف الجماهير العربية التي سترفض الارتباط والتبعية والخضوع للعناصر الخارجية إن هي صارت صاحبة كلمة وقرار , لا مجرد قطيع يمشي .وراء راعيه المتعامل مع الذئب أحياناً كثيرة

لقد نشأت التبعية كنتيجة لعملية تاريخية تم بمقتضاها إلحاق دول العالم الثالث , ومنها دول الوطن العربي بالنظام الرأسمالي العالمي من منطلق عدم المساواة وعدم التكافؤ , وكان من نتائج هذه العملية تعطل الارادة الوطنية للدول التابعة , وفقدانها لجل سيطرتها على شروط إعادة تكوين ذاتها وتجددها . وبمرور الزمن تتولد آليات موضوعية , وتظهر قوى اجتماعية تعمل من تلقاء نفسها على استمرار التبعية , دونما حاجة إلى سيطرة عسكرية أو سياسية سافرة من جانب دول القلب الرأسمالي . وتتحول التبعية إلى عملية متجددة ذاتياً , ويصبح من أهم وأبرز نتائجها تقييد الإرادة الوطنية للدولة التابعة وتضييق مدى (الخيارات المتاحة أمام قادتها , وهو ما يعني في التحليل الأخير المزيد من علاقة التبعية(12

ويقال: إنه في عالمنا , يندر أن توجد دولة مستقلة بشكل مطلق , أو دولة تابعة تبعية مطلقة , فمهما بلغت درجة التبعية , يظل هناك هامش للتحرك أو المناورة

:وهنا لابد من طرح الأسئلة التالية

 هل من مصلحة الغرب إجراء إصلاحات ديمقراطية في الدول التابعة ؟

وهل الديمقراطية كالتقنية المتقدمة لا يسمح بتصديرها إلى الدول المتخلفة ؟

 وهل لا زالت الشعوب العربية قاصرة عن استيعاب هذا النموذج السياسي نتيجة لجهلها وتخلفها وفقرها الظاهري ؟

لا يزال يردد المثقفون في بلادنا – ولو على استحياء في المرحلة الأخيرة – شعارات وعبارات تعبر عن إعجابهم بالديمقراطية الغربية وليبرالية الحياة في دول الغرب ,واحترامهم

لحقوق الإنسان , وضمانتهم لحرية التعبير , إذ ربما لا تحمل هذه المقولات المصداقية نفسها التي نتوهمها نحن , اللهم إلا بالنسبة لشعوبهم فقط , أما بالنسبة لآمال وطموحات الآخرين في دول العالم الثالث فالأمر جد مختلف

وتناولنا لهذا الموضوع ليس القصد منه إثارة موضوع الوافد الثقافي أو نقد الليبرالية الديمقراطية الغربية أو ما شاكل ذلك من الإشكالات النظرية , إنما الهدف الرئيس هو أن نقطة البدء في بلورة الرؤية العربية السليمة للذات وللآخر هي أن نتفهم وعلى وجه الدقة وبلا حساسيات أو تحيزات مسبقة منطق الآخر في التعامل معنا , ونظرته الحقيقية إلينا . إن هذا المنطق (يتمحور بكل صراحة حول المصلحة في المقام الأول والأخير(13

ولنعالج الآن كيف يتم تكييف هذه المصلحة : وبحسب شومسكي فإن المنطق الأمريكي يرى أن دور العالم الثالث في بنية المنطقة العظمى يتركز على حماية الموارد لصالح الغرب , وبما أن الخطر الرئيسي الذي يتهدد هذه الموارد خطر محلي ( أي في الدول التابعة ) فإن الحل كما يذكره شومسكي نقلاً عن المسؤولين الأمريكيين ( هو القمع البوليسي من قبل الحكومات المحلية , فهذه التدابير القمعية القاسية لا تسبب قلقاً لديهم على حقوق الإنسان والديمقراطية والحرية والمساواة ) طالما أن النتائج ترتبط بصفة أساسية ب(خدمة أغراضهم) ويذكر شومسكي أن المنطق الأمريكي يرى أنه من الأفضل أن يكون هناك نظام قوي في السلطة المحلية يصل إلى درجة القمع لشعبه , بدلاً من حكومة ليبرالية إذا كانت متساهلة ومتراخية ومخترقة . وحتى لا يكون هناك أي مجال للشك , فالمنطق الأمريكي يرى صراحةً أن التهديد الرئيس لمصالح الولايات المتحدة , في المناطق التي تهتم بها تأتي من " الأنظمة الوطنية " التي قد تبدي تجاوباً مع الضغوط الشعبية التي (تطالب بتحسين المستويات الدنيا لمعيشة الجماهير , وقليلاً من الحرية السياسية. (14

لقد تبنى الغرب في علاقتهم مع النظم السياسية في عالم العرب والإسلام سياسة الأقنعة المستعارة والنفاق الصريح , هدفها النهائي إبقاء هذا العالم رهين التخلف السياسي الذي يعلم جيداً أن كل وجوه التقدم مرهونة به . لقد قامت نهضة الغرب على ...التحرر من جميع السلطات القديمة , وعلى غرس مؤسسات الحرية والقانون , والخير العام والمواطنة والعقل

وهي قيم يعلم الغرب أن التقدم لن يتحقق في غيابها .ومع ذلك فإنه يغذي ويدعم ويعزز نظم عالم العرب والإسلام السياسية التي تستند إلى ا لقيم المناقضة تماماً للقيم التي يؤمن بها ويؤسس وجوده عليها ويبشر بها .ومن الطبيعي إن تتمثل حصيلة ذلك التجذر في التخلف و اتساع الهوة بين الغرب وبين هذا العالم . وسهولة التحكم في أجزائه وتوجيهها

كل ذلك يوجهنا إلى مشهد عالم يتقلب بين يدي عالم آخر ,يحركه كيف يشاء ويعبث به وفقاً لما يشتهي . ومع ذلك فإن (المسألة ليست مسألة شهوة وعبث وإنما هي أبعد من ذلك بكثير (15

...وبعد

فإن العائق العقيدي والتاريخي المناهض للديمقراطية يرتفع ارتفاعا تاماً , وأن الاستبداد يسقط بإطلاق القضية المقابلة تقرير الحرية موافقة لكلمة الخليفة الثاني التي رتبت على مسلمة الناس الأحرار بالفطرة فريضة إدانة الاستبداد ورفعه

فإذا أعدنا إلى مقدمة الذاكرة أن " العدالة " أساس شرعي غير قابل للمصادرة , وإن إجراء وجودها شرط جوهري للقرب من الصلاح والبعد عن الفساد ولجلب الخير والمصلحة للناس , فإننا نستطيع أن نزعم باطمئنان أن المستقبل يمكن أن يتقبل تمام التقبل هذه الصورة الفذة لمسلمين محررين من عقدة القيم المدنية الحديثة .

إنه يستطيع أن يراهن على كبرى هذه القيم : الحرية والعدالة والديمقراطية دون أن يعني ذلك بإطلاق انصياعا لضغط التمدن الغربي أو لغلبته الطاغية , إذ المسألة في حقيقتها لا تعني أكثر من أن تكون استجابة جذرية مؤصلة لنزعات العصر الجوهرية ولطموحات إنسان المستقبل

ومشاركة حقيقية في بناء هذه القيم وتأصيلها وفقاً للخبرات والتطلعات الذاتية لكل أمة ولكل حضارة .(16)ودروس التاريخ .تعلمنا أن مبدأ الحياة هو التغير . أما الثبات والاستقرار فلا يصلحان قانوناً حتى للجماد

إن بناء الديمقراطية يتطلب نضالاً لا هوادة فيه ,و يتطلب أكثر من ذلك اقتناعا لا يتسرب إليه أدنى شك , ويتطلب أخيراً ممارسة يومية من أجل خلق هذا المناخ . وهذا المناخ يعني تغييراً حقيقياً , يعني الاعتراف بالآخر , يعني التعامل معه , ولذلك فإن النضال من أجل الديمقراطية هو وسيلة وغاية في آن واحد , إذ بمقدار ما يعني فهم الآخر والتعامل معه يعني (أيضاً الوصول معاً إلى شروط جديدة وأفضل .(17

فلا مجتمع ديمقراطي بدون مواطن ديمقراطي يؤمن بقيم الديمقراطية ويمارسها ممارسة يومية من خلال احتكاكه بمختلف الجماعات التي ينتمي إليها بدءاً من الأسرة إلى زملاء العمل والحزب والنقابة والنادي ووصولاً إلى البرلمان

وفي وطننا العربي , وعلى امتداد أقطاره واختلاف درجات نضجها السياسي , يمكننا القول بارتياح وبدون مبالغة : إن المجتمع العربي يعيش الآن لحظة ديمقراطية تتضح ملامحها في تزايد المطالب الشعبية المنادية باحترام حقوق الإنسان,
وحرياته الأساسية وبإضفاء الطابع الديمقراطي على مؤسسات الحكم والسياسة . ويمكننا القول أيضا أن ورشة العمل الديمقراطي في البلدان العربية قد علا ضجيجها وأصبح مسموحاً للجميع ,ولا يقلل من مصداقية هذه الحقيقة بطء المسيرة  

لقد أورد المؤرخ (ديورانت ) حواراً موجباً للعبرة حول السياسة , دار بين (كنفوشيوس) وأحد أتباعه ويدعى (تسي كونغ) ؛     الذي كان يسأل أستاذه عن السلطة أجاب كنفو شيوس قائلاً : على السياسة أن تؤمن أشياء ثلاثة

لقمة العيش الكافية لكل فرد  

القدر الكافي من التجهيزات العسكرية  

.القدر الكافي من ثقة الناس بحكامهم  

سأل "تسي كونغ " : وإذا كان لابد من الاستغناء عن أحد هذه الأشياء الثلاثة فبأيها نضحي ؟

.فأجاب الفيلسوف : بالتجهيزات العسكرية

سأل تسي كونغ : وإذا كان لا بد أن نستغني عن أحد الشيئين الباقيين فبأيهما نضحي ؟

أجاب الفيلسوف : في هذه الحالة نستغني عن القوت ؛ لأن الموت كان دائماً هو مصيرالناس , ولكنهم إذا فقدوا الثقة لم يبق .أي أساس للدولة

ومن المفارقات أن أغلب الشعوب العربية تهتم بالسياسة اهتماما كبيراً , لكنها لا تستشار في قضاياها فهناك الحاكم بأمر الله يتولى تدبير أمورها الصغيرة والكبيرة , وحل مشاكل الحاضر والمستقبل

إن الديمقراطية مفهوم خلافي ، فهناك خطاب ديمقراطي مهيمن ، و هناك أيضاً خطابات أخرى قائمة و يمكن اشتقاق صيغ .مختلفة منها

و مصطلح الديمقراطية يحتمل تفسيرات و تطبيقات مختلفة خلافاً للافتراضات المسبقة ، أو يعتقده بعضهم تكشف التجربة (الديمقراطية الغربية عن فسيفساء مختلفة لا عن نموذج موحد(18

كذلك الأمر يكشف تاريخ الديمقراطية و تطبيقها في الغرب إلى أي مدى كان ظهور الديمقراطية و تطورها بقيمها و مؤسساتها ، عملية فوضوية مشحونة بالتوترات و الصراعات التي ترافق عهود التحولات الاجتماعية و التاريخية الكبرى . و كانت الديمقراطية نفسها موضوعاً لحوارات و ثورات عظيمة ، و خطابات و عمليات سفك دماء إن قبول الطبيعة الخلافية للديمقراطية ، و ديناميات تطورها و تنوعاتها يمكننا من الاعتراف بحقيقة وجود استخدامات مختلفة و متعارضة

لهذا المصطلح . لذلك علينا أن نتحرر تماماً من تبني الديمقراطية الغربية ، بل علينا تكييف هذه التجربة السياسية لواقعنا الاجتماعي و التاريخي

إن صياغة الديمقراطية الغربية و شرعنتها لم تكن فقط إبداعاً لشيء جديد بل أيضاً نتاج إعادة تفسير و صياغة لمفاهيم و اعتقادات و مؤسسات أقوم من الديمقراطية نفسها . و يفيد الاعتراف بهذا الأمر في جعل الإمكانيات مفتوحة أمام التقاليد الدينية و الثقافية الأخرى غير الغربية من أجل توليد و تكييف أشكال جديدة أخرى من الحكم الديمقراطي . فالديمقراطية ليست نظام للملائكة

:المراجع المستخدمة

جدعان ، د. فهمي . الطريق إلى المستقبل ، ط1 ( المؤسسة العربية للدراسات و النشر ، بيروت 1996) ، ص : 174-175 ، بتصرف

.الفيروز أبادي . القاموس المحيط . مادة : ملق 

.جدعان ، م . س ، ص : 74-75

.م . س ،ص :277

.م .س ،ص :288

ابن تيمية . السياسة الشرعية ،ص:38

.متولي ،د ، عبد الحميد ،الإسلام ومبادئ نظام الحكم،ط2 ،(منشأة المعارف ، الإسكندرية :1981 ) ، ص:108

.م.س ،ص :143

.جدعان ،م .س ،ص :308

.م .س ،ص:309

.م .س ،ص:310

الناصر،خالد: أزمة الديمقراطية في الوطن العربي: بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها (مركز دراسات الوحدة العربية ،ط2،بيروت :1987) ،ص:25

العيسوي ، ابراهيم ،قياس التبعية في الوطن ، (مركز دراسات الوحدة العربية بيروت :1989) ،ص:13

فؤاد ، د ثناء فؤاد عبدالله .آليات التغيير الديمقراطي في الوطن العربي،ط1 (مركز دراسات الوحدة العربية ،بيروت:1997)،ص:71

شومسكي ، نعوم ، إعاقة الديمقراطية : الولايات المتحدة و الديمقراطية ، ط1 ( مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت (:1992  ، ص : 66

جدعان ، م . س ، ص : 311

منيف ، عبد الرحمن . الديمقراطية أولاً الديمقراطية أبداً ، ص : 27

اسبوزيتو ، جون ، و جون فول . الإسلام و الديمقراطية ، ترجمة : صفوان عكاش، ( دار فصلت ، حلب : 2000 ) ، ص
292