كانت الرواية التاريخية الصهيونية
الأولى عن اغتصاب فلسطين فجة، وغبية، ومتناقضة. فقد اعتمدت
على إنكار وجود الشعب الفلسطيني، وعلى مقولة أرض بلا شعب،
وعلى رحيل الفلسطينيين الاختياري، وعلى حرب " تحرير" تنضح
شهامة. وقد خدمت هذه الأساطير في الأجل القصير الأغراض
السياسية الصهيونية. ومكنها من ذلك أن البلدان الغربية عموما
روجتها عن سابق عمد وتصميم. فمثل هذه الرواية تبرير للحماس
الغربي الرسمي لإقامة " إسرائيل " وتمكينها من العيش. وقد
كان يمكن للأسطورة أن تتواصل إلى وقت أطول كما تواصلت أسطورة
الأمريكان عن السكان الأصليين لفترة امتدت على مدى قرنين
ويزيد. وما كان لهذه الأسطورة أن تتواصل ونقيضها ممتد في
الوجود، وعنيد في مقاومة الإخفاء. وما كان لها أن تستمر وقد
عجزت أن تفعل ما صنعه البيض الآخرون بسكان الأمريكيتين. ولم
يكن العجز تعففا كما يريدنا أن نفهم بني موريس. فما رآه خطأ
الحركة الصهيونية في عدم الذهاب إلى النهاية في ترحيل
الفلسطينيين لم يكن إغفالا منها عن ضرورته. فمثل هذا الترحيل
الشامل كان يتطلب مذابح أكبر مما اجترحته أيديها، مما لا
يمكن إخفائه في تلك الفترة. فهو كان سيجري عشية التطبيل
والتزمير للهولكست اليهودي على يد النازية. فلو حصلت وذاع
أمرها لكانت كارثة ما كان للكيان الغض في نشأته أن يتحمل
عواقبها السياسية والأخلاقية. وكعادة الغربيين الذين يرهقون
الآخرين بدعاوى الأخلاق ومزاعم حقوق الإنسان، فقد اطلعوا على
تفاصيل الجريمة وأغلقوا كل منافذ شيوعها.
وبفعل النشاط العربي، والنضال
الفلسطيني خصوصا سرعان ما بدت تتهاوى الرواية الإسرائيلية في
كل بقاع الكرة الأرضية. وظهر لمن لديهم تبصر في الحركة
الصهيونية أن التشبث بخيوطها الواهنة يلقي عبئا أخلاقيا أعظم
على الحركة، ويحدث مخاطر حقيقية على قبول العالم بالكيان
الصهيوني. فلا بد من نسج خيوط رواية جديدة تضفي دثارا
أخلاقيا جديدا وهي تعترف بجرائم حرب. فقد أعمت روايات كثير
من المؤرخين الإسرائيليين الجدد، وبالذات بني موريس، بعض
العرب عن دلالاتها السياسية الأبعد، سواء أكانت مقصودة أم
لا. فقد أغرى انتقال بعض الصهاينة من الرواية الفجة إلى
رواية أكثر عقلانية عن الجريمة الصهيونية الغربية بعض العرب
بالتفاؤل في حصول تطور سياسي آفاقه ممتدة في عواقبه. وغاب
عنهم أن ذلك الانتقال قد أقام ستارا يخفي المواجهة بين
الرواية الصهيونية الأصلية والوقائع الحقيقية التي بدت تتجلى
معالمها للناس. ثم شيد تحولا في فكر التعامل مع الحركة
الصهيونية من تصويب النظر على الثوابت فيه إلى التلهي
بالمتغيرات فيه. فالثابت في الفكر الصهيوني هو الأرض، وتجمع
اليهود فيها. أما المتغير فهو ما عداها. ولذلك لا عجب أن
يبني البعض الآمال الطوال على المفاوضات التي جرت، ثم على
الاتفاقيات التي عقدت. وخلال هذه الفترة التي كادت تكون في
لحظات معينة أعراس ابتهاج بالتغير في الفكر الصهيوني، كان
العمل الصهيوني يمارس كل آثام المخاتلة وجميع أشكال المراوغة
لمواصلة وضع لبنات المشروع الصهيوني. بعض الفلسطينين وقد سلب
عقولهم مظاهر التغير في الرواية الصهيونية، ظنوا أن ما
أبرموا من اتفاقات نتائج لهذا التغيير. وقد كانت فعلا نتائج
لتغيير لكن غير الذي توهموا. فالمؤرخون الجدد لم يذهبوا، في
معظمهم، أبعد من إعادة كتابة رواية بعض ما حصل. فأين يقفوا
من حق الفلسطيني من العودة واستعادة أرضه؟ وقد فوجئ هذا
البعض أولا في أن حدود التغيير في الممارسات الصهيونية التي
رضيت أن تعترف بالوجود الفلسطيني قادت إلى خلق صورة أخرى
عالمية للصراع الفلسطيني. فبعد أن كانت المسألة اغتصاب أرض
ينبغي أن تعود إلى أهلها، أضحت قضية أرض متنازع عليها. وبعد
أن كانت المشكلة عودة شعب إلى أرضه باتت مسألة حل مشاكل
لاجئين. وفي اللحظة التي يتأمل فيها الفلسطيني شطط الهوى
الذي قاده إلى ما هو عليه، يقصفه سيد المؤرخين الصهاينة
الجدد بصواريخيه الكيمياوية.
لقد خرج بيني موريس بصيغته الجديدة
لكتابه حول نشوء مشكلة اللاجئين الفلسطينيين. وفي هذه الصيغة
يكشف عن حقيقة الرواية الجديدة. فهو يقول أن الصيغة الجديدة
تلقي " في الوقت نفسه مزيدا من المسؤولية على عاتق "إسرائيل"
وعلى عاتق العرب ". غير أن العودة إلى مقولة تقاسم المسؤولية
بين العرب والصهاينة على خطورتها ليست هي لب المسألة. إنما
قدرته على التزييف الجديد هي مصدر العهر في صيغته الجديدة.
فهو يقول أنه قد اكتشف تقريبا " كل شيء تقريبا – قتل حوالي
800 مدني وأسير حرب عرب عمدا خلال مجازر قضى في كل منها بين
أربعة و 100 شخص". ثم يرمي سمه الزعاف ليؤكد أن هذا الأمر
على فظاعته ليس شيئا" عندما نتحدث عن حرب استمرت سنة .. تبدو
هذه أعداد صغيرة جدا ". فهي في رأيه " أعمال وحشية على مستوى
محدود ". فهو يهون أولا من حجم الجريمة حينما يهون من
أعدادها. فالجريمة تجري عنده في أهميتها على مقياس رقمي، ليس
من حيث مبدأ القصد في التطهيرالعرقي . فالذي يريد أن يطهر
منطقة من أهلها قد يصل غرضه بقتل مئات، أو ملايين. فهو لا
يفكر في عدد البشر إلا بقدر تحقيق أهدافه. ولو أن كثيرا من
سكان القرى والمدن لم ترعبهم مذابح الصهاينة وبقوا حيث هم
لما أوقف الصهاينة ذلك عن مذابحهم. والأخبث أنه يريد من
قارئه أن يقيم مقارنة مع مذابح أخرى على أساس أعداد الضحايا.
فيجرد كل المذابح من ظروفها العسكرية، والتاريخية،
والموضوعية وغيرها ثم يبقي على قاسم مشترك هو عدد الضحايا.
وهو يقوم بذلك بمناقصة على الفلسطينين، في الوقت الذي يقيم
الصهاينة بل اليهود عموما مزايدة على غيرهم في المذابح.
فالفلسطينيون لم يقولوا أن ما تعرضوا له من حيث البشاعة لا
مثيل له، بالرغم من أن ظروف ما جرى لهم تختلف عن ظروف ما جرى
لغيرهم. فاليهود هم الذين ادعوا الفرادة، ويثورون غضبا لو
جعل البعض من الجرائم التي حدثت لهم مكافئة من حيث المعنى أو
اللفظ لما جرى لليهود. فهم قد أقاموا حكرا في ميدان المذابح.
ثم إنهم يبحثون في المذابح التي حصلت للفلسطينيين ليقرروا
حجم الضحايا على أنها مسلمات. ويعلنون الحرب على من يتجرأ
حين يبحث في ما حصل لهم إن جرى على غير منوال ما جروا عليه
في تقدير عدد الضحايا أو في حقيقة ما حصل. ويغيب رئيس
المؤرخين الصهاينة الجدد في ثنايا البحث القضية الأعظم. فقد
جاء هؤلاء إلى فلسطين بعد أن خرجوا من محرقة كما يقولون
ليقترفوا أخرى. نعم لقد غابت القضية الأخلاقية الكبرى. وهي
أن من يلبس رداء الضحية يرتدي لباس الجلاد في آن. لقد كانت
كتابة الرواية الجديدة لما حصل للفلسطينيين جسرا إلى مقعد في
صالة الأخلاق في العالم، ومدرجة لبيع الأوهام للعرب. وبعد أن
ثبت أقدامه في الاثنين يخرج علينا بصيغته الجديدة من التزوير
المشذبة من السذاجة والفجاجة. ونجد البعض من الفلسطينيين
الذين صفقوا لموريس يغرقون الآن في بحر من الكآبة أن بحيرة
الإنصاف التي ظنوا أنه يرفدها ليست إلا سرابا من الأوهام.
فقد أصبح فيلسوفا في التطهير العرقي حينما يقول " هناك ظروف
في التاريخ تبرر التطهير العرقي ". ويخيب ظن من يتصور أن
موريس قد كشف عن نفسه، فقد كان عاريا أمام الكثير من الذين
لا يحسنون الاغتراف من نبع الضلال. ومع ذلك فقد نجح موريس،
ويكفي أن ننظر في نتائج أعماله في اتفاق جنيف.