الكذب ضرورة في أنظمة الحكم الرأسمالي الديمقراطية. لأن
الصدق لن يوصل أحداً إلى سدة الحكم. فأي مرشح يعرف أن
الناس ما كانت لتعرفه ناهيك عن أن تنتخبه لولا تبرعات
الشركات والأغنياء. وغالبا ما تتعارض غايات الناس ومقاصد
الشركات. فلا بد من خطاب يقنع به الناخب أن مصالحه
مضمونة حينما تتأمن مصالح الشركات الكبرى.
ولا تقتصر
المسألة على القضايا الداخلية بل تشمل دائما الشؤون
الخارجية، فليس هناك عادة مصلحة لعموم الناس في الحروب،
لأنها تستهلك أرواحهم حينما يكونون علفها، وهي تستنفد
أموالهم لأن الإنفاق عليها يكون على حساب برامجهم
التعليمية والصحية والاجتماعية. فحروب البلدان الكبرى
ليست في العادة دفاعا عن النفس، فمن يجرؤ على مهاجمة
الأقوياء؟ فهي ليست إلا تحقيقا لمصالح الشركات الكبرى،
فتح أسواق، أو السيطرة على موارد طبيعية، أو حرمان
منافسين من مواقع قوة. وليس ممكنا لأية حكومة أن تقول
لشعبها بكل الصدق إنها تضحي بأرواحهم وبمستويات معيشتهم
حتى يزداد البعض منهم ثراء أو قوة. فالكذب يصبح واجبا في
هذه الحالات. والكذب متواصل، لكن نعرف عنه غالبا حينما
يكون تاريخا قد بعدت ذاكرة الناس عن أحداثه الجسام،
وينكشف أحيانا عندما لا تسير الأمور كما يرام. وقلما نرى
إدارة لم ينكشف كذبها في وقته أو بعد حين.
فالكذب
ثقافة سياسية لا غنى عنها في النظام الرأسمالي
الديمقراطي. ولا يعني هذا أن المستبدين لا يكذبون، لكن
حاجتهم إلى الكذب أقل طالما أن صندوق الانتخابات ليس
وسيلتهم إلى السلطة. وكي لا تسقط مصداقية النظام، لا بد
من آلية تصرف الفضائح في غير مصارفها. وهذه الآلية تقوم
أساسا على مبدأ التضحية بالأشخاص من أجل حماية سلطة
النخبة. وهي تتطلب لجان تحقيق، وضجيجاً صحافياً يسلط على
الظواهر ويحمي المنابع. فحينما ينكشف المستور تنشغل كثير
من الأجهزة القضائية والتشريعية والإعلامية لخلق ضجيج
يعمي على الحقائق، ويروج للتوافه حماية للنظام وللنخبة.
وخلال ما
سمي بفضيحة “أبو غريب”، أخذت آليات الكذب تطحن من دون
توقف حتى كادت أن تنقل الأبصار إلى غير المشاهد التي
ينبغي أن تتسلط عليها. فقد كانت وظيفة أجزائها جميعا،
لجان التحقيق في الكونغرس، وضجيج الإعلام الأمريكي،
وتأسفات الإدارة الأمريكية أن تقتل الحقيقة. وأولى
الأساطير التي عملت على ترويجها وتلقفها البعض منها غفلة
أن ما جرى في “أبو غريب” غير ما يجري في العراق، وأن ما
جرى منبتّ الصلة عن طبيعة الاحتلال. لقد وقعنا أسرى
الفصل بين الاحتلال وبين نتائجه. الاحتلال هو سلب إرادة
الآخر بالقوة المادية التي تقتل من دون أن تأبه للعدد أو
الجنس أو السن، والتي تدمر من دون أن تهتم بين المصنع
والمعسكر والمزرعة والمسجد. فالاحتلال ابتداء قتل
وتدمير، وكي يتواصل لا مفر أمامه من القتل والتدمير. وأي
حديث آخر ليس إلا غفلة أو استغفالا. والاحتلال الذي
ينتهك كل شيء في “أبو غريب”، يفعل الشيء نفسه في البصرة،
وبغداد، وبعقوبة، والنجف، والكوت. فالاحتلال آلة ضخمة
تعمل وفق نسق واحد، وتستجيب لصوت واحد هو القوة العسكرية
التي جوهر وجودها الهرمية.
أما ثانية
الأساطير، فهي الفصل بين الأحداث والنمط. فكأن ما يجري
في العراق فريد في نوعه. وهو أمر لا يكذبه التاريخ
البعيد فحسب، بل التاريخ الأمريكي الحديث. لم ننس بعد ما
جرى في فيتنام، وما كتب عنها، وما كشف عن الجرائم التي
ارتكبت خلالها. وإذا قيض لصور الجرائم في العراق أن تظهر
سريعا، فإن هناك صورا لم تنشرها الصحافة الغربية في
حينها عن فظائع ارتكبت في فيتنام ليس أقلها صور الجنود
الأمريكيين يحملون الآذان والخصي المقطوعة.
أما ثالثة
الأساطير، فهي الدفع بأن ما وقع ليس جزءا من ثقافة
راسخة، بدليل أن ذلك لا يجري داخل الولايات المتحدة.
وهذا الدفع باطل لسببين ثانوي وجوهري. أما السبب
الثانوي، فإن التقارير المختلفة تظهر بوضوح أن انتهاك
حقوق السجناء في السجون الأمريكية أمر منتشر من حيث
التعذيب الجسدي والمعنوي. وهو أمر موثق تتعالى الأصوات
المنددة به. فثقافة العنف قائمة في السجون الأمريكية
خصوصا وفي المجتمع الأمريكي عموما.
أما
المسألة الجوهرية فهي أن الثقافة الأمريكية عن الآخر
التي تغذيها الروايات الغربية، وتزوقها أفلام هوليود،
وتنميها أجهزة الإعلام بطرق إخبارها عن العرب والمسلمين
تجعل من استباحتهم أمرا معقولا. إن التربية القائمة على
أن شعوبا بعينها بربرية، ومتوحشة، تجعلها خارج تصنيف
الإنسان الذي يستحق أن تصان كرامته، وأن تحترم حقوقه.
لقد كان ذلك شأن راعي البقر مع الأمريكي الأصلي حينما
وضعه في مرتبة الحيوانية فعامله وفق التصنيف الذي أعطاه
إياه. فسلوك الفرد أو الجماعة، أي فرد، تجاه الأشياء
والحيوانات والآخرين يعكس طبيعة الأفهام لديهم عنها.
وليس هناك من تناقض بين أن نرى هتلر يعشق الموسيقا ويقدر
الفن، وبين سلوكه المدمر لبعض البشر. وليس هناك مفارقة
أن نجد ترومان يحب كلابه ثم يلقي بقنابله النووية على
هيروشيما ونجازاكي من دون مبرر. فليس هذا إلا تعبيرا عن
سلم القيم الذي توطد في نفسه. أعطى الأولى قيمة مثالية،
وأعطى الأخرى قيمة هابطة. ولذلك نتيه في الضلال حينما
نتوقف لحظة عند المفارقة الصارخة التي نجدها عند بعض
الغربيين المتمثلة في إعزازهم الديمقراطية في بلدانهم،
وفي حجبها عن الآخرين. فهي مواقف منسجمة مع النفس لأنهم
حينما أعلوا شأن الديمقراطية في بلدهم فلأنهم يرون أن
الناس تستحقها، وحينما يحرمون الآخرين منها فلأنهم يرون
أنهم لم ينضجوا لممارستها.
فماذا يا
ترى نتوقع من ذلك الجنرال الذي أشبع العرب والمسلمين
شتما لو آلت إليه إدارة شؤون العراق؟ وكم في العراق
جنرالات يحملون آراءه لكن لم يفصحوا عنها؟ ثم كيف ستكون
مفاهيم الملايين وتصرفاتهم، ومنهم عسكريون، يتبعون قادة
اليمين المسيحي المتطرف حينما يسمعون آراءهم في العرب
والمسلمين؟ كما أن الحكومات الغربية التي تشن حربا، أو
تفرض حصارا، أو تتدخل في شؤون البلدان الأخرى دفاعا عن
مصالح شركاتها تضع هذه المصالح في قمة أولوياتها، وتخضع
كل القيم الأخرى لمصالحها. حينذاك تصبح الأخلاق وسائل لا
غايات. ونحن نقع في خطأ مميت حينما لا نفصل بين غائية
بعض القيم وذرائعية البعض الآخر. فالحرب من أجل المصالح
تعريفا ليس أخلاقياً. فكيف تكون نتائجها إلا من جنسها؟
لقد فوجئت الإدارة الأمريكية بحجم الكارثة الأخلاقية.
كانت تعرف بها لكنها كانت تبحث في كيفية التحكم في
إخراجها للعالم. لكن مد معرفة العالم بها أغرقها. فبعد
تردد، وجدت أن لا سبيل لها إلى إنكار الجرائم، فاختارت
نهج تقليل الخسائر. فأسفت، ثم اعتذرت، وهي تسعى لتثقيف
مجتمعها والعالم أن ذلك ليس من شيمها، بل نوازع أفراد
جامحة. لكن هيهات لها ذلك، فكل منطقة في العالم تجد
أمثالا في ما حدث في العراق لما جرى في بعض أجزائها على
يد الأمريكيين مباشرة أو على أيدي وكلائها.
ولعله من
نافلة القول، أن جعل الجرائم خارجة عن نمط عام للاحتلال
اينما كان يسهل ذيوع اسطورة أن الاحتلال أنواع، بعضه من
أجل الاستعمار، وبعضه من أجل حقوق الإنسان. ويبقى
الإنسان الذي يرزح تحت الاحتلال يرى أن ينابيع قهره
واحدة، وأن جداولها جميعا تجري منها. فلنحذر من ثقافة
الكذب أن تجرفنا بطوفانها.