*- ما سر التنوع في أعمالك الإبداعية من مسرح
ورواية وكتابة للأطفال ؟
-
بداية أنا كائن يستفزني الواقع بكل ألوان طيفه من فرح وحزن ، جمال وبشاعة ،
حركة وركود ، حب وكراهية ، وأحيانا أقترب من هذا الواقع ، وأحيانا أخرى ينفر
مني ، وهذه هي تجربتي معه ، فتلوح لي الصفحات البيضاء وتدعوني لتفريغ هذه
العلاقة أو التجربة ، لتكون تجربة أخرى على الورق بخلق حالة أو واقع ، وحسب
علاقتي مع هذه الحالة يكون النص ، مرة نصا مسرحيا لأن الحدث من القوة بحيث
أجد نفسي أعبر عنه بنص مسرحي ، أو يحتاج إلى سرد فأكتب الرواية ، ومثلا
تجربتي مع أطفالي ولدت قصصا للأطفال ،وعلاقتي مع الفكر والبحث استدعت أن أكتب
بحوثا وهكذا ..
وإذا قلت لك بصراحة أكبر ، فلا
أعرف بالضبط سر هذا التنوع ..
*- لماذا
تكتب المسرح في وقت يتراجع فيه هذا الفن في عالمنا العربي ؟
-
قد يكون هناك
تراجع في العروض المسرحية لأسباب كثيرة ، لكنني من خلال المتابعة ألاحظ
تزايد عدد الكتّاب المسرحيين في الوطن العربي ، وهذا ما تؤكده مواقع
الانترنيت العديدة ، و النصوص المنشورة فيها ، طبعا يمكن أن يكون العدد أكبر
بكثير، لكن حركة التمثيل في تباطؤ جلي ، وهذا بالتأكيد ينعكس سلبا على حركة
التأليف ، والمسرح عندنا في تراجع مثله مثل بقية الفنون لأسباب كثيرة ، لم
يمنعني ذلك من الكتابة له، كون هذا الفن أكثر قدرة على تناول هموم ومشاكل
الإنسان وبصوت عالٍ ومباشر ، إنه فن التحدي بامتياز ، فن تحريضي يلامس الروح
مباشرة ، ويستنهض فيها لحظات ثبات ، لا يمكن لفن آخر أن يثيرها ، إنه فن
الفرجة دون حواجز ،قادر على خلق حوار بين الإنسان وذاته وبين الإنسان والآخر
، كذلك توجد مواضيع ، لا يمكن تقديمها إلا مسرحيا ، أو تتناسب والمسرح ، إنه
مرآة يمكن أن نرى فيه كثيرا من أعماقنا دون تكلف أو حواجز ، أو غشاوة ..لهذه
الأسباب
وغيرها كتبت المسرح ..
* - لماذا
تطغى على أعمالك - المسرحية - الهموم السياسية؟
-
عندما أتناول موضوعا سياسيا بالضبط أعني اللاسياسة ، اللاسياسة هي مشروعي
للكتابة ، وهذا ما أحاول ترجمته في كتاباتي ، أعتبر نفسي متفرجا على ما يجري
حولي ، والمشهد الذي يدور أمامي ، وبطله الواقع ، يقول باختصار ما يلي :
أ- محاولا ت الضبط والسيطرة
التي مورست على البشر والطبيعة ( من قبل السلطة ) خلال آلاف السنين الماضية
تأكد فشلها واستحالة تحقيقها ، وما يجري الآن هو تأسيس لآلاف من السنين
القادمة،
ب- كل محاولات السعي لترسيخ -
النقاء – فشلت ، ويتم الآن تجذ ير البديل لذلك عبر خلخلة الثوابت المصطنعة ،
وترسيخ ( المزيج ) المزيج ما بين الإنسان والآخر " الهجنة" ، ما
بين الإنسان والطبيعة ، وهنا يكون ما هو أهلي وبيئي أهم مما هو سياسي أو
اقتصادي، أتكلم عن ذوبان السياسي في الأهلي ، بعدما كان العكس .. لقد فشلت
السياسة من إنجاز مشروعها القائم على ترسيخ ( النقاء ، العزل، الامتياز ،
الطاعة ..) عبر استغلال كل ما أتيح لها من جيش ، و أفكار دينية وعلمانية أو
غيرها ، و ثروة .. والآن يتم دك هذا المشروع من قبل ذاته وبسبب أخطائه وعدم
صلاحيته ، وكونه عنصري تمايزي ، ويحل محله المجتمع بكل قواه ، وضمن السياق
الطبيعي للتطور ، يزول هذا النقاء المصطنع لصالح المزيج الطبيعي : ومثال هذا
المزيج : إنساني – إنساني ، وإنساني – حيواني ، وإنساني – كوني ..
ج- لم يعد الوعي يمثل حالة من
الكسل يستجيب بسهولة لحالة التكييف والإخضاع للحالات الفردية ( فكر ماركسي ،
أو فرويدي، أو علماني ، أو ديني ..) ، بل هو متمرد كونه يتحول ويأخذ صفة
الوعي الجماعي، الذي يستوعب الكل ، وليس مجزأ..هذه هي اللاسياسة التي
تتناولها كتاباتي .. وهذا هو الالتزام الذي يعني لي اللاالتزام..
*- تستطرد في روايتك (حب أخضر
) على لسان البطلات الثلاث دون التوقف عند الوصف ؟
4- قد يكون المتخيل في هذه
الرواية قليلا لأنني كتبت تجربة إلى حد كبير واقعية ، تركت سوزان ابنة الضابط
الكبير، عاشقة الدكتور إبراهيم ، و سلاف ابنة الفلاح الحالمة التي صادفت
الأستاذ رضوان ، وندى القاطنات في المدينة الجامعية ( جامعة تشرين) في
اللاذقية ، تحكي كل واحدة قصتها بعفوية ، ووضوح ، قدمت هذه التجربة دون
مبالغة مني في الصنعة أو غير ذلك ، ولا أعتبر نفسي مجربا ، وإنما هذا هو
العمل الروائي الأول ، وأبقى تلميذا أتعلم من كل تجربة جديدة ، وليس للرواية
بعد قانونا نكتب وفقه ، وهي فن قابل للتجريب ، وأتمنى أن تعجب القراء ..
*- أحسست أن
قضية الحب في روايتك" حب أخضر مختلف " ؟
- أنت على حق ، موضوع الرواية مؤسس على فكرة التصالح ،
لذا لغة الحب والتسامح فرضت نفسها ، وفي النهاية أتحدث عن قرية فعلت بها
الحياة ما فعلت ، لتكون في النهاية قرية آمنة ، وهذه القرية تحاكي القرية
الكونية التي نتكلم عنها ، وفي الحقيقة من المنطق أن نتلمس ما فعلته الحضارات
بنا ، وضمن سياقها التطوري لا بد أن نشير بأنه لدينا قرية حقيقية توجد فيها
قصة حب ، ليس بين اثنين، بل حب يهم مجتمع القرية بأسره وكأنه هو العاشق
بكليته ، حب لا يحتاج إلى صراع أو رغبة أو تحد ( مثل هذا الحب هو الكراهية
بعينها ، أزاح الآخر لينتصر وينتشي .. ) ، بل حب نقي بفعل ذاتي ، ويحمي نفسه
عبر سقوط الكراهية بفعل تدميرها لذاتها ( لا كراهية ، فيعني حب ، و لا ظلم،
فيعني عدالة ..) ، لا يحتاج الحب لمن يدافع عنه ، أو يموت من أجله أحد ، بل
يحتاج إلى عدم التدخل ( نتركه فيكون عظيماً ، طاهرا ، بريئا..) وليس الحب أو
العدالة أو غير ذلك من القيم تُبنى بالصراع ، فهي لا تحتاج إلى معارك ، أو
دفاع عنها ، فالدفاع عنها يعني تدميرها ، على الأقل لدى الآخر الذي تم إزاحته
، وبالضبط يعني إزاحة الحب ذاته ، والسياق الطبيعي للأمور تبقيها على كمونها
، والتدخل القسري عبر الزمن الطويل هو الذي شوه القيم ..
*-
في مسرحيتك( قبيل بعاث بعد جنين ) الصادرة حديثا معلومات تاريخية مكثفة ، فما
نسبة المتخيل فيها ؟
-
مسرحية " قبيل بعاث – بعد جنين " تلقي هذه المسرحية الضوء على الصراع العربي
الصهيوني ، أقول فيها ليست مشكلة اليهود مع العرب ، بل مع الصهيونية المرافقة
لليهودية منذ التأسيس الأول، مشكلتهم داخلية ، فيهم، في فكرهم ، وسعيهم
لتحقيق التفوق والنقاء والسيطرة ، ومن خلال هذه الأفكار تدفع الصهيونية
اليهود ليكونوا ضحية ، وتتعمم مشكلتهم لتكون كونية ، لأنه لن يتحقق لهم ما
يصبون إليه من تفوق أو تمايز،ولا يجنون سوى العداوة ، لن يتم لهم ما يريدون
أبدا ، ولن يتم لأحد على وجه هذه الأرض يوما – هل من أمة نقية ؟ – حتى الماء
يحتاج لكي يكون ماء إلى مزيج من الأكسجين والهيدروجين ..
أدت
معركة بعاث التي خاضها وخطط لها اليهود في يثرب - قبل الإسلام بخمس سنوات -
وبالتحالف مع الأوسيين - التجار ضد أبناء عمومتهم الخزرجيين - الزرّاع، إلى
هزيمة ساحقة للخزرجيين ، ورغم انتصارهم ، لم يتمكنوا من البقاء في يثرب ،
وخرجوا منها..
أيضا بعد انتصارهم في جنين التي حدثت في نيسان عام
2002م ، وساهم أبناء عمومة الفلسطينيين من العرب ، في تمرير هذه المعركة
مجانا لصالح الصهاينة ، أقول أن إسرائيل خسرت هذه المعركة ، وخسرت نفسها ،
لا لأن العرب أقوياء ( ولا أدعو لأن يكونوا كذلك أبدا) بل لأن مشكلة اليهود
هو الصهيونية وما تستند إليه هذه الحركة من دعوات للنقاء ، ولا تقبل الامتزاج
مع أحد ، ونحن نعيش مرحلة انهيار هذه الدعوات برمتها ، وكل ما أقوله بالنسبة
لنا كعرب إننا نمثل مختبرا وكاشفا( بدمائنا وأرواحنا وثرواتنا ، وسنقدم الكشف
للعالم كم هي الصهيونية قذرة ) لهذه الأحداث الكبرى التي تجري ، ويجب أن
نراها جيدا ، كسقوط أمريكا القوة الطاغية في العالم وتحولها شيئا فشيئا إلى
مجتمع أهلي يتشكل عالميا ( كتبت كتابا حول ذلك بعنوان أمريكا في طور
الانهيار) ، وستكون سعيدة وأكثر أمنا مع هذا المجتمع الكوني ..
المتخيل
في المسرحية قليل، لأن الواقع وما يجري فيه أوسع من الخيال ، كما أن التاريخ
نفسه على موعد مع الموت والدفن لا على طريقة فوكوياما ، وإنما على طريق
الواقع الذي يطلق العنان لتدمير كل محاولات الضبط السابقة .. وولادة عالم
جديد..
*- بين ما تكتب ، توقفت عند
دراسات فلسفية مثل كتاب (ميكانيكا المعرفة ) ، ماذا عن هذا العمل ؟
- كتاب ميكانيكا المعرفة ، هو دراسة علمية لها
صلة بالتحولات العلمية الكبرى من علم فيزياء وكيمياء وطب ، وفي الحقيقة توجد
مقاربة بين العلم والأدب ، وهذا التزاوج يتعمق ، قمت بمحاولة ، كلفتني كثيرا
من الجهد والتعب والدراسة وهي لم تنته بعد ، لكنني خلصت في الكتاب إلى إن ما
يقوم به العلماء أشبه بما يقوم به السياسيون ، تفرز السياسة من المجتمع الحزب
بغية خدمة المجتمع ، لكنها تنقلب على المجتمع ( رشوة ، ضرائب ، بوليس ،
امتيازات ، وطنية ..) كذلك عالم الفيزياء ، عندما يقوم بعمل يستهدف الخير
الجماعي ينتج قوانين مفيدة للمجتمع ، وعندما يلبي نداء السلطة ينتج قنابل
ذرية وأقمار تجسس وأدوات قمع .. مثلا يحاول علماء الفيزياء توحيد المجالات
الأربعة : الكهرومغنطيسي و الضعيف ، والجاذبي، وهي محاولة لضبط النشاط
الإلكتروني كما يفعل السياسيون في المجتمع ، وعلماء الطب والبيوكيمياء في
محاولاتهم لضبط الانقسام الخلوي والتحكم به، ومع كل محاولة للضبط تظهر شواذ
كثيرة، تتحول شيئا فشيئا إلى عائق أمام التطور المنطقي و السليم للحياة ..
ووصلت إلى استنتاج في هذا الكتاب مفاده " أن التطور التلقائي للأمور يعطيها
القدرة على الاستمرار، ويبرر وجودها ، وكل تدخل قسري مصيره السقوط ..
والمعرفة التي تتربع على عرش التطور وتديره وفق منطقها المستقل الذي يحتاج
إلى دراسة معمقة هي الدليل والمؤشر الذي يدلنا على الأحداث الكبرى ، وتقول
ميكانيكا المعرفة أن مرحلة النقاء والتفوق والقرصنة تفضح نفسها وتسقط، وتتم
صياغة مرحلة جديدة ، مرحلة تمتزج فيها الأفكار والأشياء و تتواصل .. هذا ما
حاول كتاب " ميكانيكا المعرفة " الإجابة عليه إلى حد ما ، وهو كتاب كما قلت
أفكاره تحتاج إلى دراسة أكبر..
*- تتحدث عن
الكونية كمفهوم جديد؟
- نعم ، أتكلم عن موت الجغرافيا ، وانهيار
التاريخ في سياقه الزماني – الزمن وليد المكان المتحرك - فكلاهما نتاج فعل
سلطوي قسري ، وتشكلا جراء أكذوبة باتت تنكشف ، الجغرافيا قامت على تقسيم كوكب
الأرض وهو في جوهره موحد ، والتاريخ محاولة لربط حركة الزمن بالجغرافيا ، أي
قتل وتدمير النشاط الكوني عبر تجزئته بغية سهولة الاستحواذ عليه من قبل فئة
ضد فئة ، وهذا ما يتم تعريته الآن لصالح كوكب واحد ، الإنسانية لها علاقة
عضوية مع بقية عناصر الكون ، الجغرافيا عندي هي هذه الأرض التي لا تنفصل عن
بقية كواكب ونجوم هذا الكون ، فمن دون ضوء الشمس لا حياة ، ونهر النيل لا
يميز بين حبشي وسوداني ومصري ، والموز الذي يزرع في الاغوادور يُوزع دون
تمييز من سيتناوله ، وثقافة أمريكا اللاتينية كبقية ثقافات الشعوب الأخرى
تصلنا ، وترفع من شأننا ، وتساهم في معالجة همومنا وفق منطق إنساني ..
* أنت طبيب
وكاتب غزير الإنتاج ، ما سر ذلك ؟
- كل إنسان مبتل ٍ، الوجود بحد ذاته ابتلاء ،
ومع هذه البلوى أرتب أموري :مهنيا أنا طبيب ، وفي أوقات الفراغ أمارس نشاطي
الكتابي ، وهكذا أتغلب على لعبة الفوضى التي هي قانون ، ومعها أتنفس وأعمل ،
وأستمتع ، وأشتكي ، وأكره و أحب ..
وبين الطب المهنة ومصدر لقمة
العيش والتواصل مع أوجاع البشر ، وبين الأدب والكلمة التي تحرضني على الرؤيا
والتحدي والمساهمة ، والإحساس بآدميتي ، أعيش و أمضي أوقاتا تمر بسرعة ، مع
الطب أعمل ، ومع الأدب أتنفس هواء عملي وواقعي وتجربتي اليومية مع الناس ..
لا
أعتبر نفسي غزير الإنتاج ما دمت أعيش في مثل هذا الواقع التحريضي، فيمكنني أن
أعطي أكثر وأكثر و أكثر ..
*- أنت تعيش في الخليج العربي ، كيف تقيم
التجربة الإبداعية هناك ؟
- أولا أنظر إلى
الأدب نظرة شمولية ، وثانيا أرفض التقسيم الجغرافي له ، فالأدب قبل كل شيء هو
إنساني ، وهويته كونية ، وبالنسبة لسؤالك ، أقول بأن المجتمع في الخليج
العربي تعرض ويتعرض إلى غبن كبير مما أثر سلبا على جوانب الحياة كافة ومنها
الأدب ، وهو يمر الآن في مرحلة مخاض هائلة ، مثله مثل بقية مناطق العالم ،
ويعبر الأدب عنها ولو بشكل يخلو من التحدي بسبب الخوف وعوامل أخرى كثيرة لا
يتسع المجال لذكرها الآن ، يتم تجاوز كثير من القضايا التي كانت تخيفنا جميعا
عبر وسائل الاتصال الحديثة ، وأهم هذه الوسائل : الشرايين الإنسانية التي
تمتد بين الشعوب ، فعلى الضفة الأخرى تتشكل قوى جديدة وجاهزة للتعاون
والتعامل معنا ، ويجب أن نكون جاهزين للتواصل معها وعدم تفويت هذا الفرصة .
نحن على موعد كبير مع الأمل
والقدرة على التجدد والتواصل ،وأدعو رفقائي الأدباء إلى المزيد من تحسس وقعنا
هذا والنظر إليه نظرة مختلفة ، لا من خلال تشخيص الماضي له كالواقع الثوري
أو القومي أو الديني، أو العلماني أو الليبرالي ، بل أن نتفهم ، ونتمثل هذا
المزيج ( بأن نكون من كل هذا في آن معاً) هذا المزيج الرائع الذي ينقذنا من
العصبيات بأشكالها الأربعة ( الديني ، القومي ، الليبرالي ، العلماني )
لدينا أمل كبير بالنهوض مع العالم الذي ينهض
*- صدر لك
أكثر من عمل في عام واحد ، ما السبب ؟
-
بالنسبة لهذا الموضوع ، تبقى الأمور نسبية ، بالنسبة لي ، احتجت إلى أربعة
أعوام حتى تمكنت من إصدار رواية ، ولدي الآن رواية منجزة ، وأستعد لطباعتها ،
قد تصدر مع عمل آخر ، لا يعنني أنني كتبتهما في وقت واحد ، وإنما طُبعا في
فترة متقاربة.
|