|
قصة قصيرة
بقلم
د. جمال الجزيري
المدينة
المنورة
31 يناير
2006 / 1 محرم 1427
تنتاب نظراتك وجوه،
تدوس برفق على مقلتيك وتهمس لك بكلمات أغان قديمة وحديثة عن
الفراق والسفر، تعرف أن الموقف أقوى منك، تتظاهر بالثبات، تربت
على كتف هذا، تحتضن ذاك، تبتسم في وجه آخر، تدرك أن حركاتك
عصبية، تنتحي بهم جانبا في صالة المطار وتشرعوا في همس كلمات
لحنان ماضي أو منير أو مارسيل خليفة أو أنغام أو صباح فخري أو…
قاسمكم المشترك، تعاود أغنية صباح فخري التي كنتم تشاهدونها في
السيارة في طريقكم للمطار، تبصر دمعة تغرورق في عين أحدهم،
ترفع صوتك: ها هي الدموع تتشاجر في عينيه، لا يحتمل الفراق، لا
يطيق لحظات الوداع، يحس بأن الأرض تتهاوى تحت قدميه، يميل
بعينيه جانبا مخافة أن تلتقي العيون. يضربك بالكتاب الذي في
يديه مبتسما، والله فراقكم يحز في قلوبنا، لا تبتئس يا صديقي،
قدري، وقد يكون قدرك بعدي، دقائق لا تريدونها تمر، تتمنوا أن
يتأخر السماح لك بالدخول أو تتأخر طائرتك، ولكن مكبر الصوت
ينادي، لابد من الرحيل، ها أنت تخونهم وترحل، ما بيدي شيء، سنة
جمع المال، على الأقل سَنَة لتسديد الديون، بعدها قد تفكر في
الأمر، تحتضنهم جميعا، تتمنى لو تحتفظ بهم في حضنك حتى صعود
الطائرة، تراوغ مكبر الصوت وتخرج خارج الصالة، تدخن سيجارة
معهم بالرغم من أنك لا تدخن السجائر، تستنشق الدخان بعمق، تملأ
رئتيك من هواء المطار، تعرج بعدها إلى الصالة، تجر حقائبك،
تمسك بك زوجتك بيد، وتحتضن بنتكما الصغرى بيد، وتمسك بنتكما
الكبرى بطرف حقيبة، أول مرة تسافر، تسأل عن الإجراءات، عليك أن
تذهب إلى الميزان أولا، تمسك ببطاقاتكم وتذهب إلى الضابط، أين
المدام والأولاد، بجانب الشنط، لابد أن أراهم كي أختم لك،
تعود، تجر حقيبة اليد، تعلق حقيبة الكتف، وتسير بهم، يختم لك،
تصعدون السلم، عليكم بالانتظار في الصالة العلوية حتى ننادي
عليكم، لحظات تمر، عليك الانتظار ساعة ونصف، لا تفهم سبب
الإصرار على الحضور مبكرا رغم سهولة الإجراءات، عايزة مية يا
بابا، حاضر يا حبيبتي، زجاجة الماء الصغيرة بخمسة جنيهات، أولى
خطوات النصب، خمسة وسبعون قرشا، لا مفر، تشتري زجاجتين، ينادي
مكبر الصوت، عليكم بالانتظار في الصالة الداخلية، تبحث عن
تليفون، تدخل الكارت الذي كنت قد اشتريته من قبل، تكلم إخوتك
الساهرين وأصدقائك الذين ربما كانوا مازالوا منتظرين بصالة
المطار، فرغت من الإجراءات وفي انتظار الطائرة، عندما أصل
سأتصل بكم، تعود إلى زوجتك وبنتيك، تحمل البنت الصغرى وتجلس
بجانب الحقيبتين، تعطيها الكارت لتتصل بحماتك، تسيروا في
الطابور حتى باب الطائرة، تدلكم المضيفة على مكان مقاعدكم،
تلقون نظرة أخيرة من النافذة قبل أن تحلق الطائرة في الهواء،
يعود عقلك الذي كان منشغلا بتجربة السفر الأولى إلى السعي
والدوران، صورة جماعية يا جماعة، الصورة الأخيرة، تصطفون
وتلتصقون ببعضكم كي لا يخرج أحد عن الكادر، تلتهمون كل ما تبقى
من عنب وتفاح وموز في نهم، تأتون على باقي السندوتشات، ربما
كان العشاء الأخير، تشغلون على الكمبيوتر باقة من أغانيكم
المفضلة، تسترق العيون النظر خلسة، كل منكم يحاول الإمساك
بلقطة قد يعيش عليها كثيرا، تحسون بنشيج في أصواتكم، تحاولون
أن تداروه بالتماسك، تصعد زوجتك بما تبقى من أشياء إلى جارتكم،
ما حاجتنا بهم، دعواتكم لنا لما تصلون، السلام أمانة للحبيب
المصطفى، وادع للأولاد بالتوفيق في الجامعة وللولد الكبير
بالوظيفة والعروسة، لا تنس أن تسددي إيصالات الكهرباء والماء،
لو خلصت الفلوس رني لي وأنا أتصل بك وأبعث واحد من شلة زوجي
إليك، يساهمون جميعا في حمل الحقائب إلى السيارات الثلاث
لأصدقائك، سنسير في صلاح سالم، ولو افترقنا سنكون على اتصال،
صديقك لا يحتمل اللحظة ولو لم تيقن أنك لن تغضب منه لما جاء
ليوصلك بسيارته، يظل صامتا على عجلة القيادة، وعندما يخرج عن
صمته يعطيك بعض النصائح، ترد عليه بنصائح مثلها، كأن حياتكما
وعلاقتكما تركزت في تلك اللحظات، تراهم في العربة الأخرى،
يضعون اللاب توب أمامهم بالسيارة ويشغلون حفلة صباح فخري،
للمرة الأولى يدور صباح فخري في شوارع القاهرة وللمرة غير
الأولى تدور نشوة الطرب في هذه الشوارع، كنتم تجوبون شوارع
السيدة، بل السيدات، زينب، عائشة، نفيسة، سكينة، شوارع القلعة،
تترنمون بالحياة، الفن، المستقبل، كنتم، ها أنتم تجوبون شوارع
أخرى، لكنكم لن تعودا جميعا، ستفقدون واحدا، واحدا فقط حتى
الآن، من يدري، تنهال عليم المكالمات ممن لم يتمكنوا من
المجيء، الانتخابات صباح الغد، وكل لجنته في مكان، لا بأس، ففي
حميمية الصوت ما يكفي، لا يملك الواحد تحركاته، من كان يدري
أنك في خلال شهرين ستتعاقد وتسافر؟ من التالي؟ بالأمس كانت
محطة القطار نقطة التقاء ووداع، يبدو أن القطارات صارت موضة
قديمة، صارت المطارات جزءا من حياتكم، اليوم تستقبلون أحدكم،
غدا تودعون آخر، لا يسمح الضابط بتوقف السيارات أمام الصالة،
تنزلون الحقائب بسرعة وتنصرف السيارات لتركن في الموقف، تقفون
أمام الصالة، تنتاب نظراتكم وجوه بعضكم البعض، تحبسون دموعا
تحاول التمرد، يحاول كل منكم أن يتكلم كثيرا كي لا ينشغل عقله
بشيء، تختلط البسمات بالنظرات الجانبية بمحاولات التماسك
بكلمات حميمة، وتغيب بعض الوجوه.
|