يبدو أن

قصة قصيرة بقلم د. جمال الجزيري

(أ)أحمد عبد الحكم

رصيف المحطة ثقيل. صوت القطار يولول ويبتسر بعض الهمسات القلقة التي يمكن أن تبدر من مشهد الرحيل. تنزف منا بعض الدماء. نبتلعها ونتظاهر بثبات ليس له جذور. فنغني لأحمد أغنية(شنطة سفر) لأنغام. يبكي. يميل برأسه على صدر أحدنا وتتشبث يده بالعامود الواقف شامخا على أرضية المحطة. نحتضنه جميعا، فتسقط دموعه نارا متقدة تحرق ما تبقى من أمان في صدورنا… ينعق صوت القطار ، فيلملم كل منا أطراف جسارة مصطنعة ونقوده صامتين إلى مقعده: يجلس ذاهلا وهو يهمهم ببعض العبارات نسمع منها: "هتسيبوني لمين، أنا هموت لوحدي؟!!" نتجنب الرد على سؤاله ويقول أحدنا مداعبا: "هات سيجارة يا أخي". فتبدر بسمة على شفاهنا لا تكتمل. فالقطار بدأ يعوي مهددا شاهرا قضبانه أمام أعيننا. فنقبل أحمد بسرعة ونخرج يصحبنا خوف من شيء ما… ننظر إلى بعضنا في ذعر ونحن نلوح لأحمد مصطنعين الابتسام. فينظر إلينا القطار بتشف كمن كان يبيت لنا ثأرا قديما، فننظر إليه وكل منا يردد لوحده كلمات أغنية وجيه عزيز:" يا قطر أحلامنا النساي، ازاي تروح وازاي مش جاي!!!" دون أن نجرؤ على أن يتناغم غناؤنا.

(ب) يوسف الشحات

يبدو أن عائلة القطارات اتحدت أخيرا بعد كل تشتتها وخلافاتها. فها هو قطار آخر ملعون يزهو في كبرياء ويضغط على رصيف المحطة حتى ليكاد أن يخسف برصيف المحطة الأرض. تبدو في ملامحه علامات انتصار وهو يرشقنا بسهامه الحادة. يقدم يوسف الشحات بطيئا يجرجر بقاياه ونظره لا يكاد يستقر على شيء. نحمل معه حقائبه الثقيلة المليئة بالكتب لابد. نرجم القطار بأحجارنا الصغيرة. فيقذفنا بحجارة كبيرة يهوي أحدها على رأس يوسف: يشجه، فتسيل الذكريات، تملأ رصيف المحطة وتلتصق بالجدران معلنة تحديها وإصرارها على البقاء في شوارع سوهاج الحميمة. يتحسس يوسف رأسه وينظر في أعيننا فلا نجرؤ على لقاء النظرات. يمعن النظر فينا شاردا، ثم يقول بصوته المتحشرج: "خلاص حياتنا كدة انتهت؟!!!" نحاول أن نربت على كتفه بالرغم من أننا نعرف أن كل محاولاتنا هباء. يبدو انه غير مقتنع بأي شيء. فنحاول أن نواسيه بكلمات أغنية حنان ماضي:"لو كان بادينا كنا وقفنا سنين زمانا، ويضيع العمر منا وتعيش الذكريات". فيرد وكأنه يكلم نفسه:" ليه يا حنان بس!! انتي مش عارفانا!!" في هذه اللحظة بالذات يصرخ القطار، فيشق قلوبنا أجزاء ويدهسها تحت عجلاته اللاهية. يصرخ فلا نجد بدا من أن نسلمه يوسف طائعين كارهين في هوان. وقبل أن نرفع أيادينا نودعه، يبصق علينا القطار ويعدو بعيدا.

(ج) ايهاب عباس

يبدو أن عائلة القطارات أحست بطعم النصر وشعرت بكامل قواها فازدرت واستهانت بكل من عداها. فها هي ترسل لنا فسلا صغيرا لكي يواصل هجوم العائلة بأكملها ويضغط بعجله الذي لا يعرف الحرية على كل من يخالف إرادة العائلة المقدسة. ينظر إلينا ايهاب عباس بغباء كأنه لا يعرف عن هذا العالم شيئا، أو بتغابي كأنه يعرف كل شيء ولا يريد أن يفصح عما بداخله. يرمقه القطار بنظرة فيها كثير من الكبر والثقة بالذات. وكأن القطار يستشف ما يمكن أن يدور بخلد ايهاب، فها هو يطلق صوتا دمويا يهز جدران المحطة الشامخة. يربت علينا ايهاب تربيتا لا يخلو من ثقة وكأننا نحن الراحلون وهو قادم ليودعنا. لكن عينيه لا تعرفان الثقة ولا الأمان. تتجولان على وجوه المسافرين في حياد ذاهل ثم تثبتان علينا كأننا نهاية المطاف. يخرج من صمته بعد فترة قد تطول. يتوجه إلى سراج: "أمانة يا سراج تسلم لي على نصار عبد الله". يلتفت جانبا حيث أقف: " أمانة تنزل كل يوم النيل وتبوس لي المية". فيربت نجاح على كتفه محاولا أن يصرف عنه أي أفكار تشاؤمية. فيهمس ايهاب في أذنه:"أمانة تقعد كل يوم على قهوة علاء وتشد حجرين نيابة عني". فنحاول أن نبتسم. لكن شفاهنا لا تطاوعنا إلا بعد عناء كبير. يدوي صوت القطار معلنا قرب الرحيل، فيتحامل ايهاب على نفسه وينهض. يتمتم لنا بأغنية أمل وهبي: "محتاجين كل اللي راح يا زمان اللمة والبيت الأمين". فنرد عليه بكلمات الأغنية نفسها: "المعاني الباقية لينا مش كفاية ومحتاجين". يصرخ القطار صرخة انتصار فلا يملك ايهاب إلا أن يتقدم مستسلما ويسلم نفسه لعربة القطار. عندئذ ينطلق القطار مسرعا وكأنه استولى على الغنيمة التي يريدها.

(د) نجاح عبد النور

يبدو أن قبيلة القطارات حققت قد حققت ما تريد أو أنها بدأت في التوسع في كل الأماكن ولم تعد تعبأ بالأمور الصغيرة مثل أمورنا. فها هي ترسل لنا شيخا عجوزا ضريرا يتوكأ على رصيف المحطة وكأنه لا يقدر على السير. يرفع زجاجة الخمر على فمه المتدلي ثم يقذفها فارغة. فتنكسر على رصيف المحطة وتتناثر قطع الزجاج معلنة الدماء في وجه كل من يخرج من القطار.

تثقل الحقائب التي نجرجرها خلفنا، فنتوقف قليلا. نفك أسر أرجلنا المتقدمة في  استقامة نحو القطار. نلتفت إلى نجاح: نجده مبتسما كعادته يوزع البراءة والصدق على القلوب المتعطشة ويروي نبتة حنون يمكن أن تنمو على الرصيف. يلتفت إلى سراج في حنو ثم يحتضنه إلى أن يعتصر جسمه النحيل. يربت على يديه الضامرتين ثم يقول له: "ايه أخبار ايناس السيد النهاردة". لكن هذه المداعبة اللطيفة لا تخرج سراجا من وجومه وصمته الأليم.

ينظر إلي نجاح في بشر وأمل: "معليهش، مش هقدر أسمع قصصك. ياريت تبعتها لي أول بأول". تبدر مني علامات سخرية رافضة. فما جدوى القصص الحياة والرفاق راحلون؟!! ما قيمة الكتابة وحبرها الرقيق دهسه القطار؟!! يبصر ما يتجول في عيني من شك وقلق، فيضمني إلى صدره حتى لتكاد ضلوعي أن تتداخل في بعضها البعض راضية مرضية. يربت على ظهري في ود ويهمس في أذني: "أوع تيأس، احنا عاقدين الأمل عليك". فأترك لوجهي العنان ليرقد على صدره في استكانة ورجاء، وأهمس في صدره: "كيف تينع شجرة الأمل والعصافير التي تغني لها مهاجرة؟!!" فيرد علي بصوت ملئه الدفء والحميمية الصافية: "الأدب محتاج لنا". يدمدم صوت القطار، فأنتزعني من صدره كراهية. وقبل أن نلوح بأيدينا نغني له أغنية حنان ماضي: "ونتفرق ونتلاقى، نلاقي قلوبنا مشتاقة. ومهما البعد كان بينا مسير الحي يتلاقى". فيلقي القطار زجاجة أخرى على القضبان. ولا يملك نجاح إلا أن يخرج من بيننا بطيئا متألما كأن جذوره ضاربة فينا، كما تقول ماجدة الرومي. يبتسم لنا من باب القطار راجيا مشتاقا، فنقبله في الهواء ونظرنا لا يفارقه.

(ه) ملتقى الشباب

مازلت أنا وسراج صامتين ذاهلين نقف على المحطة وكأننا لا نصدق ما حدث أو يحدث. يوشك القطار أن يتوارى ولا تود أعيننا أن تفارق أثره. نلمح من بعيد طيف قطار يعدو نحو المحطة، فنفزع. أمسك يد سراج ونجري بسرعة متخوفة. نتوارى في النفق تحت المحطة. نكاد نرى عيونا تبحث عنا، فنحاول أن نخبئ وجوهنا ونحن نذرع درجات السلم من الناحية الأخرى في خوف وأمل. ننظر للوراء. يبدو أن العيون لم تجد فينا أي أمل، فانصرفت تاركة إيانا علنا في يوم نكبر ونسمن فتجدنا وجبة شهية.

نتجه لمقهى (ملتقى الشباب) خلف المحطة حيث نشعر بدفء الجلسات القديمة وببقايا قصص كتبناها قد تزدهر يوما ما. يرانا عم سيد عامل المقهى الطيب، فيجئ إلينا: مساء الخير يا شباب، شاي بحليب وشاي ليبتون فتلة مش كدة؟" أنظر إلى سراج فأجده ينظر إلي وتتناقل أعيننا نفس الكلمات: لا يا عم سيد، هات لنا سحلب وشاي كشري مظبوط وشاي في الخمسينة وقهوة سادة" لأحمد ونجاح ويوسف وايهاب على الترتيب كما يقولون. ينظر إلينا عم سيد باستغراب. لكنه ما يلبث أن تبدو في عينيه علامات ود وتفاهم، فيحضر الطلبات مبتسما ابتسامة خفيفة ويربت على أكتافنا في تعاطف لم نتوقع أن يكون بهذه الحرارة والصدق.

نرتشف سويا رشفة من السحلب ونتغنى ببعض أبيات من قصيدة لأحمد. أنغام أشعاره واضحة تتراقص على حدود مملكة الموسيقى. نتلمس قطرات من شاي يوسف ،تنبه داخلنا الإحساس بالشعر الفصيح، فنترنم بقصيدة(قمري مرسوم بالكلمات)… تصحو داخلنا الرغبة في الحكي فنتقاسم قهوة ايهاب. نحس بطعم المرارة الملقاة على أكتاف هذي الأرض، فيخفف عنا مطلع قصة (قهر الحيطان) لايهاب بتلقائيته وعفويته وطزاجته. تنمو الطزاجة داخلنا فنرد شاي نجاح عذبا رقراقا. تتماوج بنا الرقرقة فنعرج إلى قصة (لاعبو الدومينو) لنجاح: نتلوها عن ظهر قلب ثم نعيدها مرة أخرى كلأنها تعزف على شيء ما داخلنا، نجد قلوبنا تطرب لها وكأنها الدم الذي يسري في العروق ليصل إلى القلب معلنا الحياة من جديد.

نفزع عندما نرى الأكواب كلها فارغة أمامنا وكأن سكينتنا وأماننا في ذلك السائل الذي كان يملأها… فنرفع رؤوسنا. نتكئ للوراء على كراسينا علنا نجد في الوجوه شيئا ما نبحث عنه. يتلاشى بعض من الفزع.فنجد أنفسنا بدون وعي نردد كلمات قصيدة(يا حواري لسة في سوهاج) لعمر نجم. يهرب الفزع عندما يواجه الكلمات الصادقة الدافئة… تزيل الكلمات قدرا من الشك وتكسونا بغلالة شفافة من السكينة والدعة. نستمرئ هذه الغلالة فلا نريد لها أن تنقشع. لكنها تنسحب عنا تدريجيا إلى أن تتركنا عراة إلا من الملابس التي نرتديها.

ينظر كلا منا إلى الآخر في قلق كأننا نخاف شيئا ما أو كأن روح أحدنا معلقة في عين الآخر، أو كأن شيئا حميما يوشك أن يتوه فلا نستطيع الإمساك به بعد الآن… فنسحب دخان الشيشة في صمت علنا نجد بعض الاطمئنان في ذلك الدخان الذي يتشكل أمام أعيننا في هيئة مخلوقات شتى. لكن الدخان يزيل عن قلوبنا بعض من الكدر دون أن يبعث الإحساس بالأمان…

يقترب منا عم سيد، فننتبه إلى أن المقهى خال من الرواد. أنظر في ساعتي. مر الوقت جد سريع. فتتسلل يدي إلى جيبي. يقسم سراج أن يدفع الحساب. "لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم"، أقولها له وأضع الحساب في يد عم سيد…  ينظر سراج في ساعته. يمسك يدي بقوة: "ما تسيبنيش. ما أقدرش أبقى لوحدي". نتبادل الدمعات. أسحب يدي. لا مفر.