مستقبل الإعلام الرسمي
 

 عماد الاصفر

 
هل يملك الإعلام الرسمي العربي أي مستقبل ؟ سؤال جدي وقائم ويشغل بال كثير من العاملين في وسائل هذا الإعلام أو المهتمين لأمره , وأما التصدي للإجابة فانه مغامرة اكتفى من خاضها بالإسهاب في شرح أسباب تخلف هذا الإعلام وكيل تهم التبعية والتقليد والتسطيح لوسائل الإعلام الخاص .

ويبقى السؤال قائما برغم المبررات والاتهامات خاصة وأنها - أي المبررات والاتهامات - تحمل في طياتها إقرارا ضمنيا بسواد وظلمة مستقبل الإعلام الرسمي فأي مستقبل ينتظر المئات من دور النشر الصحفية والإذاعية والتلفزيونية الرسمية على امتداد وطننا العربي بعد أن تحول الفضاء إلى ما يشبه أعماق البحر حيث تفترس اسماك القرش صغار السمك بكل حرية .
وكما تغيب القوانين في أعماق البحر ولا تجد الأسماك من يحميها من أسنان القرش تذوب القوانين في فضاء العولمة ولا تجد الفضائيات الرسمية على كثرتها ومهما بلغت من الطيبة وسمو الهدف ما يحصنها أمام المشاهد الذي بات يملك حق الاختيار بين مئات المحطات .

تحتاج الإجابة على السؤال السابق إلى الانطلاق من منصة الواقع لتسجل اعترافا علنيا بان وسائل الإعلام الرسمي أصبحت مهجورة منذ زمن ليس ببسيط وان الكفاءات التي تربت في أحضانها إما هاجرت منها أو أنها ستهجرها عند توفر الفرصة بعد أن شعرت أنها – أي الكفاءات – ترتدي ثوبا ضيقا غير قابل للتوسع .

كما تحتاج الإجابة على السؤال السابق إلى الإقرار بان المشاهد هو الحكم الوحيد على مدى النجاح وان إعطاء الحكم لغيره يعتبر اكبر خروج على مبدأ حرية الإعلام والتي تمثل جوهر العمل الإعلامي برمته .

تأسيسا على ما سبق من اعتراف وإقرار ومع انتفاء مبدأ حرية الإعلام أو توفر الحد الأدنى منها فقط في معالجة هذا الموضوع السياسي أو ذاك الاجتماعي لا يبدو أن أمام الإعلام الرسمي أي مستقبل مشرق, فهل سيكون الحل بخصخصة هذا الإعلام ؟ .
 
يبدو أن الحكومات العربية ورغم موافقتها على خصخصة كل شيء تقريبا لا تريد هذا الخيار الآن وتفضل الاستمرار في الإنفاق على جيوش مهزومة من الإعلاميين الرسميين  ففي مصر – مثلا – لا يزيد عدد العاملين في    قناتي  Dream   الأولى والثانية مع شركة الإنتاج التابعة لهما عن المئة في حين يزيد عدد العاملين في قنوات التلفزيون والإذاعة المصرية عن الستين ألف موظف .

 ويتكرر الأمر ذاته في كافة البلدان العربية ففي لبنان مثلا أقدمت
الدولة على إغلاق تلفازها الحكومي بعد أن ظهر مدى عجزه أمام الفضائيات اللبنانية الخاصة وهو ما دعا
أحد رسامي الكاريكاتير في بلادنا إلى تسجيل ذلك رسما معنونا بعبارة " عقبال عنا " .

  ولا يخفى على
أحد أن عدد موظفي هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية يزيد عن الألف من بينهم مئة يعملون في إذاعة صوت فلسطين التي لا يغطي بثها محافظات الوطن لأسباب متنوعة جدا في حين أن إذاعة أجيال الخاصة تتابع في دول الجوار علما أن عدد الموظفين فيها وفي شقيقتها أنغام لا يتجاوز الثلاثين موظفا معظمهم من الشباب .

 أمام هذه الوقائع تغيب صفة الإقناع والعدالة عن مبررات ومطالبات الإعلام الرسمي بمزيد من الموازنات والموظفين الجدد لتحل محلها صفة سوء استخدام المال وتوزيع الأفراد صحيح أن المال غير موجود نقدا أو شحيح ولكن الصرف على أجور المقرات الزائدة ورواتب الموظفين غير الفاعلين أو المفعلين يدخل في دائرة تبديد أموال كان يمكن أن تنفق كموازنات عمل مثمر.

 فحسب تصريحات حديثة لوزير المالية سلام فياض بلغ حجم الصرف على الاذاعة والتلفزيون والفضائية خلال العام 2002 بدون احتساب اجور العاملين ما مقداره 21 مليون شيكل ولكن هذا المبلغ انخفض خلال عام 2004 الى 6 ملايين شيكل فقط .

 ولا تعني الخصخصة بأي حال من الأحوال تحول قنوات التلفاز الرسمية إلى محاكاة سيل الفضائيات التي تتسمى بحروف أجنبية أو انتهاج أسلوب "الجمهور عايز كدة " علما أن ذلك لا يخل بمبدأ وحدانية حق المشاهد في الحكم على وسيلة إعلامه فهذا المشاهد الذي يصوت للسوبر ستار مثلا قادر على التصويت في برنامج آخر للاختيار بين حلين لقضية تواجه مستقبله ومستقبل أسرته .


 إن عدم التفكير من الآن في خيار خصخصة وسائل  الإعلام الرسمي سيقود الحكومات لا محالة إلى انتهاج أسلوب تخدير الأزمة وإدارتها بدلا من حلها فهل لنا أن نأمل بحلول مجتزأة ولكن جريئة من قبيل إعطاء دور اكبر للشباب في قيادة الإعلام الرسمي وإعطاء هامش أوسع من الحرية لنزع أغلال الرقابة الذاتية والخارجية وإلحاق الإعلام الرسمي بالبرلمانات أسوة بما يجري في دول متقدمة .