إثبات الجدارة


عماد الأصفر
    صحيح أننا من شعوب العالم الثالث, وصحيح أننا نجاهد بشق الأنفس والثمرات لتثبيت كياننا الفلسطيني, وصحيح أيضا أن هذا الكيان سيولد من رحم معاناة لم تعرف لها التجارب التحررية الإنسانية مثيلا, لأنه مطالب بالبرهنة على جدارته بالحكم الرشيد والديمقراطية والتنمية البشرية قبل أن يتخلص من قيد الاحتلال, بل إن هذا الاحتلال ومن ورائه الغرب عموما يضع إثبات الجدارة شرطا مسبقا لتخليصنا جزئيا من هذا الاحتلال.
كل هذا صحيح, ولكن ما ليس صحيحا على الإطلاق هو أننا غير قادرين على إثبات الجدارة العالية بكل
ما تقدم أو أننا بحاجة إلى وصاية أو تدريب و ورشات عمل ومؤتمرات أو خبراء أجانب ليرشدوننا إلى الصواب والى ما يحتاجه نظامنا السياسي ليكون اصلب وأكثر شفافية وديمقراطية. أليس أهل مكة أدرى بشعابها
!.
عطفا على ما تقدم نستذكر جولات الحوار الوطني ورفض الفصائل دخول انتخابات عام ستة وتسعين فهل أجرت الفصائل تقييما لرفضها وهل هي مستعدة لإعلان عاقبة رفضها وتضييعها لسنوات طوال على خشبة مسرح المعارضة بدلا من الانخراط في العمل ونستذكر أيضا تقرير لجنة الرقابة وما كشفه مبكرا عن فساد وسوء إدارة فهل كنا بحاجة إلى كل هذا الزمن لنبدأ متأخرين ومتباطئين في معالجته.

القائمة تطول لكنها تتوقف بكل مرارة عند مجلسنا التشريعي لتسأل أعضائه أين قانون الانتخابات وأين قوانين الأحزاب والنقابات والتقاعد وأين قانون استقلال القضاء ولماذا لم تقدم الموازنة حتى الآن أليست هذه القوانين هي المفاصل الرئيسة لعمل أي كيان سياسي.
ولا ننسى فصيلنا الرئيسي "حركة فتح" فلها الصدارة في صفوف الشعب وفي القائمة أيضا ونسأل قادتها هل كنا بحاجة إلى كل هذا الزمن لنقتنع بضرورة فصل التنظيم عن الأجهزة الأمنية وفصل السلطة عن منظمة التحرير ومنع الجمع بين النيابة والوزارة وهل الاستقالات والرصاصات هي جرس الإنذار للحركة التي تعتمد النقد والنقد الذاتي وهل من المعقول أن يصبح لقب العشيرة هو البديل الرسمي لعمود منظمة التحرير الفقري.

مؤكد أننا
لم نكن نحتاج إلى كل هذا الزمن الذي جعل مطلبنا الداخلي شرطا دوليا ومؤكد أيضا أن الزمن لم يفت لتدارك كل مآسي الماضي وبالاعتماد على
الذات وبعيدا عن استنساخ التجارب أو استيراد الخبرات، فالفلسطيني الذي سجل فشلا ذريعا على أرضه سجل نجاحات كبيرة خارجها وما زال قادرا على تصحيح فشله.

ولتصحيح هذا الفشل لا بد من إعادة الثقة بالنفس لكل مواطن ولكل مسؤول ولا بد من دفع الجميع إلى إطلاق المبادرات الخلاقة واعتماد الجرأة في تطبيق القانون.

لقد ذوبت جسامة الأحداث التي مررنا بها ثقتنا بأنفسنا ودفعنا نظامنا السياسي المستند للأبوية إلى الركون للقرارات العليا وأغرانا المال الأجنبي فلم نعد نبدع إلا في ورشات العمل الممولة وزودنا عنف الاحتلال بمشجب ذهبي لتبرير تقاعسنا وأخذنا نبحث عن مخرج فلم نجد إلا السعي لحوار وطني قد يستمر إلى ما بعد التحرير.

ما زلنا
قادرين على إعادة الثقة لنفوسنا المهزوزة وما زلنا قادرين على العطاء لنفخر مستقبلا ب
أن الشعب الذي يضحي بدمه من أجل الأرض يضحي بعرقه أيضا من أجل مستقبلها.