أول المعرفة

قصة

ثائر زكي الزعزوع

ن أي حدث تاريخي هو حدث استثنائي، ولا بد من الاتفاق على هذه الفكرة كي نستطيع مواصلة دروسنا بانتظام، وسوف يكون منهاجنا في هذا الفصل الدراسي مكثفاً، وعليكم أن تعدوا أنفسكم جيداً لأنكم ستكونون خاضعين لاختبارات مفاجئة، إذا لمست عندكم أي تقصير أو إخلال بالشروط التي ستكون قاعدة التعامل فيما بيننا، انتبهوا أنا هنا أشغل منصب الأستاذ وأنتم تشغلون مقاعد الدراسة، إذن فأنا أدرسكم، وأرجو أن تكونوا راغبين في التعلم، شروطي تتلخص بالآتي:

أولاً: لا اريد لأحدكم أن يكون مستهتراً بالتاريخ، لأن الشعوب التي تستهتر بالتاريخ تفقد كل شيء.

ثانياً: ابحثوا عن المعلومة التي تخدم المادة أينما تجدونها، ولا تعتمدوا على ما ستجدونه في كتبكم المقررة فقط.

ثالثاً: وهو الأهم، كونوا آذاناً مصغية، وألسنة باحثة عن الحقيقة، ومجادلة في سبيل الوصول إليها، والتزموا فإني أحب الالتزام).

أتمنى لكم التوفيق في سعيكم

أستاذ مادة التاريخ القديم

قرأنا جميعاً الخطبة المؤثرة التي كان أستاذ مادة التاريخ القديم قد كتبها على السبورة قبل دخولنا، وانتشر بيننا الهرج والمرج. البعض كان متحمساً لكلام الأستاذ وكنت منهم، والبعض الآخر لم يكلف نفسه حتى عناء متابعة قراءة الخطبة المؤثرة حتى نهايتها.

وكي نثبت، نحن المتحمسين، التزامنا، فقد احتللنا، فيما يشبه معركة، المقاعد الأولى.

وأخرجنا دفاترنا، التي كنا أعددناها مسبقاً لتدوين ما سيقوله الأستاذ ثم استل كل واحد منا قلمه وشرع يكتب، وعلى الصفحة الأولى، تلك الخطبة التي تبشر معانيها ومفرداتها بالكثير، وانتظرنا دخول الأستاذ.

مر الوقت ثقيلاً جداً علينا، نحن المتحمسين، بينما كنا نسمع أصوات غير المتحمسين وهم يعلنون تأخر الأستاذ عن موعد المحاضرة وقد أعلن أحدهم صراحة، بأن أصحاب الخطب الرنانة، لم يلتزموا أبداً بأقوالهم، والأستاذ واحد منهم.

يقسم طلاب السنة الأولى إلى قسمين: القسم الأول يتصف بالسذاجة واللا معرفة ويكون أفراده، على الأغلب، من سكان الأرياف أو المناطق النائية مثلي أنا والقسم الآخر هو قسم المتأستذين المتفلسفين، كثيري المعرفة، وهم دائماً من سكان المدن الكبيرة الذي ينفقون جزء كبيراً من أوقاتهم يتقافزون مثل ذكور النحل حول الفتيات.

طبعاً نحن، القسم الأول، نأخذ الأمور بجدية ونكون حماسيين للأفكار الجديدة بالنسبة لنا حتى وإن اكتشفناها في كتاب يتحدث عن القرن الثامن عشر، أنا مثلاً مع اثنين آخرين تجادلنا طويلاً وتناقشنا بإسهاب، وقررنا تأييد حركة مالكوم إكس في الولايات المتحدة الأمريكية بسبب خطأ مطبعي فبدل 1961 كتب 1991 ثم تبين لنا في كتاب آخر الصواب فلوينا أعناقنا خجلاً، أما المتأستذون فإن السخرية من كل ما نتعلمه هي الخاصية الأكثر تمييزاً لهم وعلى سبيل المثال فقد اعتبروا، وبالإجماع، ثورة فلاديمير إيليتش لينين مجرد نزوة استمرت سبعين عاماً ثم سقطت، وقد أدى رأيهم المشترك هذا، والذي أدلى به أحدهم علانية إلى حرب كلامية وشتائم وسباب علني وسري استوجب تدخل أعضاء الهيئة الإدارية وبعض الأساتذة للتفريق بيننا.

بدأت الفوضى الآن تعم المدرج، فقد قرر المتأستذون أن أستاذ المادة لن يأتي وأعلنوا، كعادتهم دائماً، البدء باحتفالية خاصة بغياب الأستاذ فبدؤوا، أولاً، بالتحرك صعوداً ونزولاً، مع صخب حاد، على درجات المدرج. ثم اجتمعوا في الأعلى وصاروا يغنون، وكأن كل واحد منهم كان يجرّب حنجرته لأجل درس في الصراخ، هذه المظاهر هي المظاهر التي تخلق الأزمات بيننا وبينهم. كنا، القسم الأول، ما زلنا نكظم غيظنا في صدورنا شاحنين أنفسنا بالطاقة الكاملة قبل البدء بالهجوم.

بدأنا بالتحفز في أماكننا فقد أغلقنا دفاترنا التي فتحناها بانتظار الأستاذ، وأعدناها إلى حقائبنا، ثم أغمدنا أقلامنا وصرنا ننفخ ونغلي، سوف تأتي اللحظة الحاسمة بعد قليل، وسوف ينهض أحدنا ويصرخ نافخاً أوداجه مظهراً الغضب مثل ذئب طالباً بل آمراً إياهم بالتزام الهدوء وسوف يصغون إليه لثوان معدودات ثم سينفجرون ضاحكين، وسيعودون إلى ما كانوا عليه، بل وسيتضاعف صخبهم لنهم يعلمون أن هذا ا لأمر يستفزنا، بعد ذلك سوف ننهض كلنا، دون استثناء، وسوف نبدأ بالصراخ عليهم كي يكفوا عن إثارة الصخب، وسوف تختلط أصوات صراخنا اليائس بأصوات ضحكهم الساخر وهنا وقبل أن نشمر عن سواعدنا لشن المعركة سوف يدخل شاب يرتدي اللباس الجامعي، ويقف أمام السبورة ثم سيهوي بقبضته على الطاولة، وسيصرخ:

أنتم لستم طلاباً في جامعة، أنتم أولاد!!..

وسيتوقف، وبقدرة قادر، كل ذلك الصخب، وذلك الهرج والمرج، ويجلس الجميع في أماكنهم بهدوء شديد وهم يرمقون، خلسة، عضو الهيئة الإدارية الذي دخل، وفجأة، لينشر الهدوء والسكينة، قبل أن يغادر عضو الهيئة الإدارية المدرج ليعود إلى مكتبه سوف يعلن أن أي صوت سوف يصدر عن مدرجنا فإن الهيئة الإدارية ستصدر قراراً إدارياً برسوب كافة من سيكونون في المدرج، ثم سيغادر. بعد خروجه سوف تنتشر بعض الأحاديث الجانبية، القسم الأول يعتبر دخول عضو الهيئة الإدارية انتصاراً، لأن الهدوء الذي فرضه دخول العضو هو مطلبنا أولاً وأخيراً.

قبل أن تتطور الأحداث على النحو الذي ذكرته فوجئنا جميعاً، وكانت أبصارنا نحن الجالسين في المقاعد الأولى، منشغلة بمراقبة ما يفعله المتأستذون والذين كانوا منشغلين، أصلاً، بما يفعلونه، فوجئنا جميعاً بصوت إنساني له فعل انفجار قنبلة، فاتجهت حواسنا بفعل الصدمة إلى مصدر الصوت، كان واقفاً هناك قرب السبورة يغطي بجسده الضخم الشبيه بأجساد مصارعي السومو جزء من خطبة أستاذ التاريخ القديم المكتوبة على السبورة.

شلت الحركة تماماً في المدرج، وانقطع الصخب كأنه لم يكن موجوداً أبداً، وتهاوى الذين كانوا واقفين في مقاعدهم كأن يداً قوية هبطت على رؤوسهم. كنا نحن، القسم الأول، أول الموجودين خضوعاً لموجة ذلك الصوت وانصياعاً لحدتها، لأننا كنا الأقرب إلى مصدرها، أما الآخرون المتأستذون، فإن الصدمة التي أصابتهم لم تكن قوية بما فيه الكفاية لأنهم استغرقوا ثواني إضافية حتى خضعوا تماماً.

سحب مصدر الصوت نفساً عميقاً، ثم أرخى يده الضخمة على بطنه الدائرية، وتقدم بضع خطوات حتى لامست بطنه الدائرية حافة الطاولة، طاف بعينيه الغائرتين على أرجاء المدرج محركاً عنقه الغليظة وماسحاً براحة يده صلعته اللامعة، كان يتفحص وجوهنا وجهاً وجها، وعند كل وجه تتوقف حركة عنقه الغليظة وتتقلص كمية الشحوم المحيطة بعينيه ويزمّ كتلتي شفتيه ثم يهز رأسه هزتين اثنتين وتعود عنقه الغليظة إلى الحركة.

استغرقت عملية التفحص التي قام بها قرابة الخمس دقائق، وكان كل واحد منا قادراً وبسهولة، على إحصاء عدد دقات قلبه، ولم يكن أي منا قادراً على السيطرة على تلك الرعشة الغريبة التي اعترت ركبتيه.

عاد مصدر الصوت وسحب نفساً آخر أعمق من سابقه ثم تهالك بكل ثقله جالساً على كرسي الخيزران الذي اختفى تماماً تحت وطأة ما انسفح عليه من كتل شحمية ولحمية هائلة، وهوى بذراعيه على الطاولة مستنداً ثم فتح شدقيه كأنما يستعد لالتهام فخذ عجل، ونطق:

سوف نبدأ دروس مادة التاريخ القديم الآن، وستفهمون الدرس الأول ابدؤوا الكتابة..