ماجرى في قرية السكرية أو مشكلة حمار

ثائر زكي الزعزوع

كان المساعد أول عيسى ما زال يغط في نومه العميق، تحت ناموسيته العسكرية والتي ترافقه منذ عشر سنوات، حين انهارل قرع شديد على باب مخفره المكون من غرفتين إحداهما هي مكتب المساعد أول عيسى ومكان إقامته، والثانية فرقة التوقيق، والتي ينام فيها أيضاً عناصر المخفر الثلاثة.

نهض المساعد أول عيسى بتثاقل، وسار باتجاه الباب، وهو يهرش مؤخرته التي يبدو أن بعوضة قد استطاعت النفاذ إليها وقرصها، كان يجمع في فمه لعابه، وقبل أن يفتح الباب، أطلق ما تكون في فمه من لعاب على الأرض، ثم سعل وفتح الباب، وقال وهو ما زال يهرش مؤخرته:

ـ نعم، خير إن شاء الله؟

ـ ارتد ملابسك بسرعة، هناك جريمة قتل.

ـ قتل؟ من؟

ـ سأحكي لك ونحن ذاهبان، هيا ارتد ملابسك بسرعة.

قالها أبو أحمد المختار، وهو يدفع المساعد أول عيسى إلى الداخل، ثم أضاف:

ـ سأسبقك إلى هناك، هيا يا رجل.

فتح المساعد أول عيسى خزانة الملابس، وأخرج بدلته العسكرية، وقال لنفسه وهو يلبس بنطاله:

ـ جريمة قتل؟ في السكرية؟ هذه معجزة، لقد منحت عناصر المخفر إجازة لأنه ومنذ خمسة أشهر، لم يدخل أحد مخفري هذا ليبلغني عن سرقة صوص صغير وفي الوقت الذي أكون فيه وحيداً تقع جريمة قتل، منذ ثلاث سنوات وأنا في هذه القرية لم أسمع أن أحداً قتل بطة، واليوم تقع جريمة قتل.

أطلق كمية من لعابه على الأرض ثم انتعل جزمته، وقال وهو يثبت عمرته على رأسه:

ـ لا بد أن أبا أحمد مجنون، كنت ولا زلت أقول إن هذا ا لمختار لا يصلح أن يكون سوى راعٍ للماعز، نعم لا أن يكون مختاراً.

اتجه إلى الطاولة، وأخرج من أحد الدروج مسدسه عيار 9 مم ثم تزنّر به، وغادر مخفره، وسار على الطريق، ثم تساءل بذهول وهو ينظر إلى الأمام:

ـ ولكن، يا إلهي! ذلك المختار اللعين لم يخبرني أين وقعت تلك الجريمة..

أطلق كمية كبيرة من بصاقه، ثم ا ستدار عائداً إلى مخفره، لكنه توقف حين سمع صوتاً يناديه من خلفه:

ـ يا أبا راشد، هيا إنهم بانتظارك.

حك مؤرته التي صارت تؤلمه، ثم التفت إلى مصدر الصوت وقال وهو يفرك عينيه:

ـ أين..؟

ـ اتبعني، إنهم هناك قرب الطاحونة.

حث خطاه لاحقاً بمرشده، وكان طيلة الطريق يطلق بصاقه في الهواء ويهرش مؤخرته دون توقف.

حين وصلا إلى مكان الجريمة، كان كل أهالي القرية مجتمعين، صاح مرشده بالناس المجتمعين:

ـ ابتعدوا، افسحوا الطريق لأبي راشد.

تقدم أبو راشد بهدوء من أمضى ثلاثين سنة من عمره شرطياً، صار يراقب الوجوه بعينيه اللتين ما يزال النوم مسيطراً عليهما، ثم قال لأبي أحمد الذي صار قريباً منه:

ـ من القتيل؟ ومن القاتل؟

تنحنح أبو أحمد وهو يقدم سيجارة لأبي راشد، ثم قال:

ـ إنها قتيلة، وليست قتيلاً.

ـ قتيلة؟ من هي؟ قالها وهو يضع السيجارة بين شفتيه، ويسحب منها نفساً عميقاً.

ـ نعم قتيلة، إنها فاطمة زوجة عبد الله المخلف قتلها إسماعيل الطافش.

ـ وأين هو؟ تلفظ بها أبو راشد وهو يتقدم قليلاً.

أجابه أبو أحمد وهو يتبعه:

ـ إنه في بيته، لقد قيده الرجال ووضعوه في الداخل، ألن ترى الجثة؟ لقد أطلق عليها النار من بندقية الصيد.

التقت إليه أبو راشد تساءل باستغراب:

ـ أرى الجثة؟ ولماذا؟ ما دامت ميتة فما الفائدة من رؤيتها؟ قال لهم بأن يدفنوها، لأن إكرام الميت دفنه، قل لي أولاً كم كان عمر فاطمة؟

ـ خمسون سنة، أجاب المختار ثم سارا باتجاه بيت إسماعيل الطافش.

قال أبو راشد قبل أن يدخلا البيت:

ـ هل ربطه الرجال جيداً؟

ـ نعم، نعم، إنه مربوط، لا تقلق.

دخل المساعد أول عيسى بيت إسماعيل الطافش، فرآه مقيداً إلى جذع شجرة في باحة داره، يحيط به ثلاثة شبان يحمل كل واحد منهم بيده عصا غليظة، امرهم بالانصراف مباشرة، ثم أحضر كرسياً كان في الزاوية، وجلس قبالة إسماعيل. كان المختار يراقب كل ما يحدث دون أن يتحرك من مكانه قريباً من باب البيت.

ـ والآن، قل يا إسماعيل يا طافش، لماذا قتلت فاطمة؟ وقبل كل شيء لا تكذب أبداً، لأني سأشويك إذا كذبت، أنا أريد الحقيقة، فلا تكذب، لأني سأشويك. هل تسمع؟ سأشويك. ثم أخرج من جيب سترته قلم رصاص صغيراً وورقة بيضاء وأضاف:

ـ انظر سأسجل كل كلمة تقولها على هذه الورقة، ولن أرحمك إذا كان ما تقوله كذباً، سأسأل كل الناس، وسأعرف الحقيقة، وبعدها إذا تبين لي بأنك كاذب أنت تعرف ماذا، ها، نعم تعرف، سأشويك كما يشوى اللحم.

ثم أطلق كمية من البصاق إلى يمينه، وركز عينيه على وجه إسماعيل الذي نظر إلى المختار وقال موجهاً كلامه إليه:

ـ لا يوجد سبب في الدنيا يجعلني أكذب، أنت تعرفني جيداً يا أبا أحمد، أنا لا أكذب ولو قطعت رأسي، أنا لا أحب الكذب يا مختار، لقد علمني أهلي أن أقول الصدق ولو كان فيه موتي.

صرخ المساعد أول عيسى مزمجراً لأن إسماعيل لا يوجه الكلام إليه:

ـ أنا هنا المحقق، أنا أمثل النظام في هذه القرية، أنا القانون هنا، وأنا أحقق في جريمة قتل، وأنت القاتل، انظر إلي واعترف لي، لأنني أنا المحقق هنا وليس المختار، أتفهم؟ أنا القانون… ثم .. أنا لم أطلب منك أن تقول لي ماذا علمك أهلك، لقد قلت لك احكِ لي كيف قتلت فاطمة؟ ولماذا؟

هز إسماعيل رأسه، وقال بانكسار:

ـ إنه الحمار.

نهض أبو راشد عن كرسيه واندفع بقوة وأمسك إسماعيل من كتفيه ثم صرخ في وجهه:

ـ صدقني سأفجر رأسك إذا لم تتكلم، أنا أعرف بأنك قتلتها، فلماذا تتهم الحمار؟ ضحك المختار، ثم قال وهو يقترب منهما:

ـ إنه لا يقصد ذلك يا أبا راشد.

ـ أنا لا أسألك يا أبا أحمد، صرخ أبو راشد وهو يهز إسماعيل بكلتا يديه ثم أضاف:

ـ أنا أسأل هذا القاتل وهو سيتكلم، هيا تكلم.

أجاب إسماعيل:

ـ الحمار كان يأكل الكوسا والبندورة والخيار والفجل وكل ما أزرعه، أنا أزرع وأتعب والحمار يأتي ويأكل هذه ليس عيشة.

أفلته المساعد أول عيسى، وعاد ليجلس على كرسيه، ثم قال وهو يدون شيئاً على الورقة التي يمسك بها:

ـ إذاً كان المار هو الذي يأكل الزرع، فما ذنب فاطمة؟

ردّ إسماعيل بسرعة:

ـ إنه حمارها، ثم سكت لحظات وأردف:

ـ كنت أطلقت عليه طلقتين ولكنني لم أصبه.

قاطعه المساعد أول عيسى:

ـ فقررت أن تقتل فاطمة لأنه حمارها.

ـ لا، لا يا أبا راشد، لقد حشوت الجفت وصوبته على الحمار، فخرجت مسرعة من بيتها مسرعة ووقفت بيني وبينه.

ـ فأطلقت طلقة، وأصبتها خطأ، أليس كذلك؟

ـ لا يا أبا راشد، لقد قالت لي وهي تلهث، إذا أردت أن تقتل الحمار، فعليك أن تقتلني أولاً، فقلت لها: يا أم عدنان ابتعدي، أنا أريد أن أتخلص من هذا الحيوان لأنه سيخرب بيتي، صدقني، يا أبا راشد، منذ سنة وأنا أخسر في كل ما أزرعه، الحمار اللعين لا يحب إلا ما أزرعه أنا، وقد طلبت من أم عدنان أكثر من مئة مرة أن تبعد حمارها عن أرضي، لكنها لم تفعل.

ـ وبعد ذلك ماذا حدث؟ صرخ أبو راشد بنفاذ صبر.

ـ احتضنت حمارها  الذي كان يأكل الزرع فأصابني الجنون، لأن تلك المرأة المخبولة تريد أن تمون فداء للحمار ابن الحرام الذي يخرب بيتي، لم أشعر بشيء، وضعت إصبعي على الزناد وضغطت أول مرة، ثم ضغطت مرة ثانية، بعد ذلك رأيت فاطمة وحمارها يسقطان على الأرض، كان الكثيرون قد شاهدوا ما حدث.

نهض المساعد أول عيسى ووضع قلم الرصاص والورقة في جيب سترته وأطلق كمية من بصاقه على الأرض، ثم قال مخاطباً المختار:

ـ قل لهم أن يحضروا هذا الحمار مقيداً إلى المخفر، وسوف نقوم بترحيله إلى المدينة حين يأتي العناصر من إجازتهم.

ثم خرج مغادراً بيت إسماعيل الطافش، وسار في الطريق إلى مخفره وهو  يهرش مؤخرته، ويبصق، بين الحين والآخر، على جانبي الطريق.