|
ثائر زكي الزعزوع كانوا يشعرون بمرارة أنهم سينامون جياعاً، أغمضوا عيونهم، واستلقوا بعد لحظات نهض أحدهم، وكان وجهه مجدوراً، أخرج من جيب قميصه ورقة وقلماً، وجلس أعلى صخرة كبيرة، ثم قال دون أن ينظر إلى الآخرين: ـ أعتقد بأني سأكتب رسالة. فتح ذو الأنف الكبير عينيه، ونظر باستغراب إلى ذي الوجه المجدور، بينما كان ثالثهم يغط في نوم عميق، صفق ذو الأنف الكبير، وهتف غير مبالٍ بالضجة التي يحدثها في هذا السكون: ـ تريد أن تكتب رسالة؟ هذا عظيم. استيقظ ثالثهم، وكان أصلع الرأس، تحدّث بصوت منخفض كأنه يخشى إزعاج أحد: ـ هيه، لا تحدث ضجة، الضفة واسعة، وقد يكون ثمة أحد غيرنا. ضحك ذو الأنف الكبير بشدة، وأخرج من جيب قميصه علبة تبغ، أشعل سيجارة وصارة يدخن، تململ ذو الوجه المجدور وصرخ: ـ ألا يمكن أن تتوقفا؟ قلت بأني سأكتب رسالة. وقف أصلع الرأس، وسار بهدوء مقترباً من المكان الذي يجلس فيه ذو الوجه المجدور وسأله: ـ لمن..؟ لمن ستكتب رسالة؟ أطلق ذو الأنف الكبير صرخة استغراب، وقال: ـ يا لغبائك.. قال بأنه سيكتب رسالة، يجب أن تتوقع، ودون أن تسأله، بأنها لحبيبته التي لم يرها منذ أيام. قال ذو الوجه المجدور: ـ أنا لا حبيبة لي. سحب ذو الأنف الكبير نفساً عميقاً من سيجارته، وقال وهو يحكّ أنف: ـ إذن هي لأمك أو لأبيك، أو ربّما ربّما لأخوتك أو أصدقائك. ابتسم ذو الوجه المجدور، ونهض عن صخرته، وسار إلى الأمام قليلاً، ثم قال وهو يتثاءب: ـ لا تكن سخيفاً، أنا لا أهل لي، ولا أعرف أحداً غيركما. تساءل أصلع الرأس بدهشة: ـ إذن لمن؟ لمن سترسل رسالتك التي ستكتبها؟ اقترب ذو الوجه المجدور من أصلع الرأس، وصار يتحسس وجهه بكفيه ثم سأله: ـ ألست جائعاً؟ أجاب ذو الأنف الكبير، وهو ينهض من مكانه، ويسير بهدوء مقترباً منهما: ـ أهي مزحة؟ إنك تعرف تماماً بأنه جائع. وقف الثلاثة جنباً إلى جنب، قال أصلع الرأس: ـ نحن جائعون، لم نأكل لم نأكل منذ يومين، لم يفترق أحد عن الآخر، لذلك فلا يوجد بيننا من ليس جائعاً. قال ذو الوجه المجدور، بلهجة الواثق الذي وجد حلاً: ـ إذن.. دعونا نكتب رسالة، نحكي فيها قصتنا ونضعها في قارورة، ثم نلقي بها إلى النهر، وسيجدها أحدهم، وسيرسل لنا طعاماً، أنا واثق بأنه سيجد رسالتنا أحد وعندها ستنتهي كل المشكلة، وسنجد من يطعمنا. قال ذو الأنف الكبير، وقد راقت له الفكرة: ـ نعم، وربّما أرسلوا لنا لحوماً، أو سمكة مشوية، مع قنينة من العرق البلدي. ضحك أصلع الرأس بفرح، وقال وهو يؤمل نفسه بوليمة فاخرة: ـ بل سنطلب منهم أن يرسلوا لنا كبد خروف مشوية على الفحم، وصحن تبولة، وقليلاً من المقبلات، ولا أظن بأنه من اللائق أن نطلب منهم أن يرسلوا عرقاً بلدياً فقد لا يتوفر لديهم، إذا أرسلوا لنا قنينة نبيذ أحمر، فهذا رائع قاطعه ذو الأنف الكبير بعصبية: ـ نبيذ هل جننت؟ هل تريد أن تقتلنا؟ الحرارة المرتفعة مع النبيذ مثل السم النبيذ لا يشرب إلا في الشتاء، أما الصيف، الصيف للعرق فقط. قال ذو الوجه المجدور، وهو يشعر بعظمة فكرته: ـ أظن بأنكما تضيعا الوقت في خلافاتكما السخفية، علينا أن نكتب الرسالة قبل أن نموت جوعاً، ولكن علينا أولاً أن نجد مصباحاً، أو أي ضوء آخر. هتف ذو الأنف الكبير بفرح: ـ نعم معك حق، سنشعل ناراً، ونكتب الرسالة، ما رأيك؟ هزّ ذو الوجه المجدور رأسه، كما يفعل القادة المحنكون، وقال دون أن يلتفت إلى صاحبيه: ـ هيا، أشعلا ناراً، بينما أفكر أنا بصيغة الرسالة. انطلق أصلع الرأس وذو الأنف الكبير يجمعان الأغصان الجافة، وبعد أن شكلا كومة كبيرة منها، أخرج ذو الأنف الكبير الولاعة من جيب بنطاله، وضغط عليها كأنه يضغط زناد مدفع، أو يطلق صاروخاً إلى الفضاء، ثم اقترب ببطء من كومة الأغصان، وصار يشعل أطراف الأغصان الصغيرة، وبعد قليل أضاءت النار المكان فاقترب ذو الوجه المجدور، وقال بوقار وهو يهز رأسه: ـ نعم، نعم هذا الضوء مناسب تماماً، وسنبدأ الكتابة فوراً. انحنى أصلع الرأس أمامه، وقال: ـ استند على ظهري أثناء الكتابة، كي يكون الخطّ واضحاً، إياك أن تنسى ما قلته لك كبد خروف مشوياً على الفحم، وصحن تبولة، وقليلاً من المقبلات، ولا تطلب تبيذاً. اقترب ذو الأنف الكبير من ذي الوجه المجدور، وقال فيما يشبه الهمس: ـ يا صديقي، العرق البلدي له نكهة خاصة، إنه يشبه السحر، نعم، سحر حقيقي يجعلك تغني وترقص فرحاً، إنه ينقلك إلى عالم آخر اكتب لهم بأننا نريد قنينتين أو ثلاثاً. وضع ذو الوجه المجدور الورقة على ظهر أصلع الرأس، وأمسك القلم بأصابع يده اليمنى، وبدا كما لو أنه يشرع في كتابة قصيدة. كتب: ـ أيها الطيبون.. تحياتنا لكم.. نحن ثلاثة أصدقاء، لم نأكل منذ يومين، لقد طردنا صاحب المطعم الذي كنا نعمل فيه لأننا قمنا بضرب أحد الزبائن، ونريد منكم أن ترسلوا لنا طعاماً، وليكن لذيذاً، صديقاي يريدان لحوماً، وسمكة مشوية، وعرقاً بلدياً، وكبد خروف مشوياً على الفحم، وتبولة ومقبلات، أما أنا فأفضل أن ترسلوا لي، بالإضافة إلى ما سبق طبعاً صحناً من حساء الملوخية مع لحم الأرانب، وصحناً آخر من البامياء المقلية بالزيت وأرزاً مفلفلاً، وأريد أيضاً فروجاً مشوياً، وحساء ساخناً لأنني أحب الحساء كثيراً.، أيها الطيبون.. أرسلوا هذه الأشياء بسرعة، لأننا نكاد نموت جوعاً، نحن نجلس على ضفة النهر الغربية، قريباً من أشجار التفاح، ولن يكون العثور علينا صعباً، لأننا أشعلنا ناراً وسنبقى جالسين حولها، حتى تصلوا إلينا.. ملاحظة: الرجاء ألا تتأخروا، نحن بانتظاركم رفع ذو الوجه المجدور الرسالة إلى الأعلى، وهتف: ـ ما رأيكما؟ قال ذو الأنف الكبير وأصلع الرأس معاً: ـ إنها رسالة رائعة حقاً. قال ذو الوجه المجدور، وهو يلف الرسالة: ـ علينا أن نضعها في قارورة، وأن نحكم إغلاقها، كيلا يتسرب الماء إلى داخلها ويفسد الرسالة، هيا، ماذا تنتظران؟ ابحثا عن قارورة. اندفع ذو الأنف الكبير وأصلع الرأس يبحثان عن قارورة، بينما كان ذو الوجه المجدور يعيد قراءة الرسالة التي كتبها باعتزاز، بعد دقائق جاء أصلع الرأس راكضاً يحمل في يده قارورة، وهتف وهو يلهث: ـ وجدتها. تناولها ذو الوجه المجدور من يده، وتفحصها مثلما يفعل الخبراء، ثم لف الرسالة وأدخلها في القارورة، وجاء ذو الأنف الكبير يحمل قارورة، لكنه توقف، مصعوقاً حين رأى القارورة بين يدي ذي الوجه المجدور، فقال بخيبة أمل: ـ إذن لقد وجدتها. هزّ أصلع الرأس رأسه فخوراً بإنجازه، وقال: ـ نعم، لأننا لو انتظرناك، لأهلكنا الجوع. صرخ ذي الوجه المجدور محذراً إياهما: كفى، إذا استمر نقاشكما بهذه الطريقة، فستصلان إلى الشجار، ولا يمكنكما أن تجلسا معاً لتناول الطعام الذي لن يصل إذا لم تكن لدينا النية على أن نجلس مجتمعين. نظرا إليه بإعجاب، قال ذو الأنف الكبير في سره: ـ إنه يعرف تماماً ما الذي يجب القيام به من أجل الحصول على وليمة شهية. وقال أصلع الرأس في سره أيضاً: ـ يا له من ذكي. انحنى ذو الوجه المجدور على الأرض والتقط غصناً جافاً، كسر منه جزء، وأغلق به عنق القارورة، ثم قال وهو يتقدم باتجاه الماء: ـ اتبعاني، لتريا إلى أي مدى أستطيع أن أقذف بها. تبعاه بسرعة، ذو الأنف الكبير سار عن يمينه، وأصلع الرأس عن يساره، رفع ذو الوجه المجدور يده اليمنى، التي تحمل القارورة، عالياً، ولوح بها في الهواء، ثم قذف القارورة بكل قوته إلى النهر، وحين سقطت على وجه الماء صنعت دوائر، راقبها الثلاثة بإعجاب، وظلوا يتأملون القارورة وهي تترنح على وجه الماء، ثم يحملها التيار ويسير بها، تعلقت عيونهم بحركتها، حتى غابت تماماً قال ذو الوجه المجدور بثقة: ـ سيعثر عليها أولئك الطيبون بسرعة، لأنني ألقيتها بكل قوتي. أيده ذو الأنف الكبير: ـ نعم يا صديقي، لقد ألقيتها إلى مسافة بعيدة، وقد حملها الماء إليهم. قال أصلع الرأس حالماً: ـ هناك، حيث يوجد أولئك الطيبون، الذين سيحضرون لنا الطعام اللذيذ. قال ذو الوجه المجدور وقد تذكر شيئاً: ـ اللعنة، كدت أن أنسى، لقد كتبنا لهم بأننا سننتظرهم، سنجلس حول النار التي أوقدناها، وننظرهم، دعونا نبقي النار مشتعلة كي يهتدوا إلينا بسهولة شرع ذو الأنف الكبير وأصلع الرأس يجمعان الأغصان الجافة ويضعانها فوق النار بينما كان ذو الوجه المجدور يجلس قرب النار وينتظر وصول الطيبين..
|