على عتبات السقوط

 

على عتبات السقوط

تصوير الفوتوغرافي طارق الغصين
 

 

  سوسن البرغوتي
 راحت ذاكرة المكان تجوب مخيلته، عند الأصيل يفصل الشفق عن المدى بحر لا حياة فيه للكائنات، تسكنه نفايات مدينة غرقى، خطت على صفحات التاريخ فسق سدنة خدعوا الآنام ببريق الخطيئة.
 ملثماً يتأمل الضفة الأخرى المطلة على مشهد سقوط مدينة الرذيلة، وحبيبته تتلظى حرقة في أضلع ليلها التي طالتها  أنياب الوحوش، لتنهش من صفاء سريرتها نسج ثوب ناصع.
 
 روح هامت تبحث عن لغز طلل المدينة تحت الماء بعدما ابتلعت فضيحة الجرم. تراءت له امرأة تنبثق من الماء تتوارى وراء الغمام، ترتدي مظاهر العفة البيضاء في قبح شحوب البغاء، وارتعشت روحه من فظاعة المشهد، ليعاود  في مخيلته نسج حكايتها.

 تمر كلمح البصر ذاكرته عنها، يستعرض شريطاً مفعم بخفايا امرأة البغاء وهجرة الأنبياء عنها، بعدما فاق صبرهم كل احتمال. قسوة أهليها، أعمتهم بصيرتهم عن الحق، ونسجوا على نول رذائلهم مسيرة الهاوية، بفطرة جُبلت على الخديعة وشراء الذمم.
 عمورية... يا من تدفقت من شرايانها خطايا وذنوب، لتستهوي عقول البسطاء. تجذب فراشات اللذة وتحوم حول نورها، لتحترق وتشعل بالألباب شياطين الفتنة، فتضيع النفوس في مستنقع متاهاتها، وبفعل اللئام زينّت أكاليل الشوك فوق جباه من خذلوا حبيبته!.

 كيف له أن يرجوها لتعود إلى رمادها والفناء!، وتبتعد عن مخيلته لنبض  يجيش في صدره، شوقاً  لمعشوقة ترتمي روابيها وراء مساحات الماء الميتة. شعاعها يرسم لوحة الشرف على ضفاف المياه القدسية، فتغسل آثام عمورية.
 امتزجت ألوان الطيف بزرقة  المستحيل، الذي يراود حلمها كل ليلة، لتستفيق على ولادة الفجر القريب. يستحضر مراتع طفولتها ودروب عشاقها، فانتشوا بعطرها وتغنوا شوقاً بصدى صوتها العذب في ظلمات عهود نحتت على شواهد قبورهم حروفها.

 أطلقي العنان لأيقونة  في حنايا أضلع تكسرت على أبواب حصونك، وانثري في الفضاء عبير ريحانك. ليتبارك أطفالك بعودتك من  وجع السنين أنشودة، وتتلاشى تخاريف الجاهلين بعطاءاتك.

 حبيبتي، وإن غبت قروناً لن ينساك أهلوك ولن تندثري، بشرارة البشرى تنطلقي كريح في كساء أخضر يمتد ليحتضن الروض وتكلل كوفيتي عرسك. حورية تلملم الجروح وتنطلق بي إلى جبال سمراء في ملامحها رحيمة بمن استجار بها، عصية على من هجروها.
 
وتعودي أيتها الحرية لتتوجي سطور عزة أمتي. مذهب الشرفاء أن يتبعوا خطاك ، ومهرك مضرج بالدماء والعطاء.  سهل ارتياد منبعه  لكل حر، ويصعب على المتخاذلين المنال.

14/12/2004

 

صلونا

مداخلات   |

بوح وجداني  |

مقالات    |

روح وظـل  |

أهلاً وسهلاً  |